2020 .. اقتصاد العالم إلى أين ؟

إميل أمين – كاتب مصري –
emileamen@gmail.com –

على بعد بضعة أسابيع من نهاية العام الجاري وبداية العام الجديد 2020 أضحى التساؤل الذي يشغل بال الاقتصاديين الكبار حول العالم: هل نحن مقبلون على أزمة مالية عالمية، وركود اقتصادي وربما تضخم غير مسبوق؟

الشاهد أن علامة الاستفهام المتقدمة أصبحت هاجسا مقلقا، وهناك من الأسباب الكثير وربما ما يوافق ما جرى من أزمة مالية عالمية منذ عقد تقريبا في الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك عندما أفلست مجموعة من كبار البنوك مثل ليمان برازر تحديدا.
كانت الأزمة الماضية سببها الجشع والسعي إلى تحقيق أرباح مالية من غير وجود ركائز اقتصادية حقيقية، فقد أدت ظاهرة «التوريق » إلى ضياع القيمة الحقيقية للمنازل، ما جعل أصحابها يفقدون مقدرتهم على دفع الأقساط وعدم قدرة البنوك الأمريكية على تقديم قروض جديد للمواطنين، فخسر الطرفان مرة واحدة، ورأينا عبر شاشات التلفزة الآلاف من المواطنين الأمريكيين الذين يفترشون الأرصفة بعد أن فقدوا منازلهم، تلك التي حجزت عليها البنوك الأمريكية للوفاء بقيمتها، والتي لم تجد لها من يشتريها لاحقا.
والثابت أن المشهد الاقتصادي العالمي هذه المرة يتجاوز بكثير الداخل الأمريكي وان كانت الولايات المتحدة الأمريكية حتى الساعة، هي القاطرة الاقتصادية للاقتصاد العالمي، وحتى لو لم تعد القاطرة الوحيدة، لكنها في كل الأحوال قاطرة لا غنى عنها.
قضية وربما كارثة عالمنا المعاصر على أبواب 2020 تتمحور حول الديون العالمية، وعدم المقدرة على الإيفاء بها، وهنا يمكن للقارئ أن يقارب الهول الاقتصادي الذي يمكن أن يضرب العالم، ذلك انه حال عجز بعض ملاك الوحدات السكنية الأمريكية عن الإيفاء بأقساطهم جرى ما جرى وامتد تأثيره لسنوات طويلة، فكيف يكون الحال إذا امتنعت دول العالم عن سداد ديونها بعضها لبعض، هنا هل ينهار الاقتصاد العالمي مرة والى ما شاء الله؟.
يقول الخبراء إن الأزمة المرتقبة يمكنها أن تكون اشد حدة وقسوة من الأزمة المالية العالمية التي ضربت العالم في ثلاثينات القرن العشرين، ومرد ذلك الأرقام الهائلة التي لم يعرفها الاقتصاد الأممي وقتها، كما أن ترابط العالم اقتصاديا، لم يكن على النحو الذي نعرفه الآن، والنظام المالي العالمي لم يكن قد عرف بعد ما يسمى باتفاق «بريتون وودز» الذي وضعت لبناته بعد الحرب العالمية الثانية.
ولعل المتطلع إلى أرقام الديون العالمية يصدم صدمة هائلة، فعلي سبيل المثال ماذا يحدث لو توقفت الولايات المتحدة الأمريكية عن تسديد ديونها للعالم والتي تصل اليوم إلى 21 تريليون دولار، ويقدر عجز الموازنة الأمريكية للعام القادم بنحو تريليون دولار ؟ المؤكد أن دول العالم التي تحتفظ بفوائضها المالية في أذونات الخزانة الأمريكية، سوف تسعى مباشرة إلى محاولة استرداد تلك الفوائض، وعند العجز الأمريكي عن الإيفاء بها، سيكون الاقتصاد العالمي في مهب الريح قلبا وقالبا.
ولعل الإطار السابق يدعونا إلى التأمل أيضا في أمرين يخصان الجانب الأمريكي، الأول هو حال الاقتصاد الأمريكي في الداخل والى أين يمضي ؟
والثاني يختص بأزمة الحروب التجارية التي شغل بها الرئيس ترامب مع الصين حتى قبل أن يدخل البيت الأبيض.. ماذا عن هذا ؟ الأيام القليلة الماضية خفض البنك الاحتياطي الأمريكي أسعار الفائدة في الداخل الأمريكي، الأمر الذي يعني أن الدولة تود أن تدفع المستثمرين والمدخرين إلى دفع أموالهم إلى الأسواق الداخلية الأمريكية لإيجاد فرص عمل، خوفا من عملية تباطؤ النمو بسبب الارتكان إلى فوائد وعوائد وريع البنوك، الأمر الذي دعا الرئيس ترامب إلى توجيه اللوم والتقريع للبنك المركزي في البلاد.
المخاوف الأمريكية الداخلية اقتصاديا تبدت في قطاع بعينه هو قطاع الحديد والصلب، والذي توقع رجالاته ومستثمروه بانه سيقفز إلى الأمام قفزات اقتصادية هائلة لا سيما بعد الرسوم الجمركية غير المسبوقة التي فرضها ترامب على واردات الصلب من أوروبا والصين، ووصل الحال إلى توجه بعض أصحاب تلك المصانع لتسريح العمال، وانخفاض القيمة السوقية لأسهم الصناعة، ما يعني زيادة ممكنة في أرقام البطالة بشكل كبير في العام 2020، أي عام الانتخابات الرئاسية الأمريكية، والذي يراهن فيه الرئيس ترامب على الفوز بولاية ثانية، ويعتمد على تحسن المؤشرات الاقتصادية في البلاد كمدخل إلى صناديق الاقتراع.
القراءة المعمقة في إطار استشراف المشهد الاقتصادي للعام 2020 يقودنا إلى التساؤل هل من أطراف أخرى يمكن أن تكون بدورها سببا في الأزمة الاقتصادية العالمية المتوقعة ؟
الجواب يحملنا ولا شك على التفكر في الصين، فهي القطب الاقتصادي القادم لا شك، وهي بدروها ليست بريئة كل البراءة سيما أنها طوال العقدين الأخيرين قد كسرت الكثير من القواعد المنظمة للتجارة العالمية، الأمر الذي دعا الولايات المتحدة الأمريكية وعلى حد تعبير «جين غروسمان» أستاذ الاقتصاد العالمي بجامعة برنستون إلى القول: إن واشنطن القت تلك القواعد في مهب الريح، وليس من الواضح إذا ما كان يمكن استعادة هذه الثقة التي تراكمت عبر السنين، ويبدو أنها تتطاير الآن أشلاء أشلاء.
من جهة أخرى فإن الناظر إلى العلاقة المتبادلة بن جانبي الأطلسي، إلى أوروبا من الشرق وأمريكا من الغرب، يجد تفاقم إشكاليات مالية بين الجانبين تصاعدت إلى أعلى عليين في زمن الرئيس ترامب، ومضت في طريقين:
الأول يتعلق بالنسبة التي يرى ترامب انه يتوجب على دول أوروبا أن تساهم بها في ميزانية الناتو، ويطالب ترامب بحوالي اثنين ونصف في المائة من الناتج القومي الإجمالي لكل دولة أوروبية على حدة، وهي نسبة كبيرة وتؤثر بشكل أو باخر على بقية أوحه إنفاق الموازنات الأوروبية في الداخل، ما يعني أنها تختصم من بنود أخرى تدعم اقتصاد كل دولة على حدة.
ومن ناحية ثانية فقد أخذ ترامب ومنذ اليوم الأول له في البيت الأبيض يهاجم أوروبا باعتبار أن الأوروبيين لا يقبلون على السلع الأمريكية، في حين أن الأمريكيين مغرمون بالكثير من سلع أوروبا لا سيما السيارات الألمانية، الأمر الذي جعل الشد والجذب يتصاعد بين الجانبين والاتهامات تصاعد، ووصل الحال بالجانب الأمريكي إلى فرض رسوم مالية عالية على سلع أوروبية وهدد الأوروبيون بمثلها، ما اثر بالفعل على معدل التبادل التجاري بين الجانبين، واهتزاز الثقة بين حليفين تواصل تعاونهما نحو ثمانية عقود على اكمل وجه منذ نهاية الحرب الكونية الثانية.
يعن لنا أن نتساءل فيما يخص الجانب الأوروبي ما الذي تجري به المقادير الاقتصادية هناك ؟
المعروف أن أوروبا تعيش في أيامنا هذه بقلبين، احدهما سياسي وتمثله فرنسا، والآخر اقتصادي وتعبر عنه بجدارة ألمانيا، والأخيرة استطاعت بالفعل أن تقوم على تحمل أعباء عدد من الدول الأوروبية والتي كادت أن تغرق في أزمات الديون والإفلاس السنوات السابقة مثل اليونان والبرتغال، كما ساعدت إيطاليا وإسبانيا كي لا ينحدرا في خضم الأزمة المالية عينها، غير أن هذا الواقع لا يظن المرء انه سيطول به المقام… لماذا وكيف ؟ باختصار غير مخل تعرض الاقتصاد الألماني لانكماش واضح في العام الماضي على مراحل، الأمر الذي دفع وزير المالية الألماني « اولاف شولتس» إلى رفع توقعات نمو الاقتصاد الألماني بمقدار خمسين مليار يورو، غير أن معظم المحللين يرون أن المبلغ الإضافي الذي تم اقتراحه سيأتي متأخرا للغاية، كما أن حجمه اضعف من أن ينتشل الاقتصاد الألماني من حالة النمو السلبي، والتي بلغت حد الركود.
هل يمكن أن ينسى المرء أو يتناسى النمور الآسيوية والتي لعبت دورا كبيرا في دفع قاطرة النمو العالمي في تسعينات القرن الماضي؟
المؤكد أن تلك الاقتصادات ساهمت بشكل كبير في أحداث طفرة تنموية خلال اكثر من ثلاثة عقود، وحال التعاطي معها عبر منظار نظرية المؤامرة الاقتصادية العالمية التي يفضلها البعض، فإن ذلك النمو لم يكن ليعجب الكثيرين من أصحاب رؤوس الأموال الإمبريالية التقليدية في العالم الاقتصادي الخفي والقديم، ولهذا تعرضت الكثير منها إلى ضربات موجعة كما الذي جرى في ذلك النهار المعروف بالثلاثاء الأسود الذي انهارت فيه البورصات الآسيوية وقيل وقتها إن رجل المال والأيديولوجيا الأمريكي الجنسية المجري الأصل جورج سورس هو السبب.
الآن كذلك لا تبدو اقتصادات النمور الآسيوية مبشرة بنمو كبير، فقد خفض صندوق النقد الدولي من توقعاته لوتيرة نموها، ما يعني أن الكثير من الأسواق الآسيوية سوف تعرف طريقها ومن جديد إلى أسواق البطالة من ناحية، والى الركود من ناحية أخرى، الأمر الذي يؤثر ولا شك على قدرة الصين المالية بحال من الأحوال.
هل للصين بدورها نصيب في أزمة الديون العالمية أم أن الولايات المتحدة الأمريكية فقط هي من يتوجب عليه حمل ذنب تلك الديون ؟
الجواب مثير جدا وبقدر إثارته تبقى خطورته، فالصينيون الذين عرفوا طريقهم مؤخرا إلى الحياة الحديثة، والى السفر في إجازات حول العالم، وكذلك الذين تغيرت طقوسهم الحياتية بما فيها نوعية المأكولات واقبلوا كثيرا على اللحوم والأطعمة الغربية التي لم يكن لهم دالة عليها، كل هذه جعلتهم من المقترضين بشكل كبير، وباتت المصارف الصينية نفسها مثقلة بالديون التي يقول البعض إنها لن تسدد أبدا…
هل يمكن للدولة الصينية أن تتدخل بشكل رسمي هذه المرة في محاولة منها لحماية اقتصادها الذي يعد رأس حربتها في مشروعها القطبي، والذي ستكون الخطوة القادمة منه ولا شك هي السعي العسكري للهيمنة على العالم ؟
التجارب السابقة تفيد بان كل مرة حاولت الصين الرسمية انتشال بنوكها من أزمات مشابهة أو كبح جماح الاقتراض من ناحية المستهلكين، وسواء كانوا أفرادا أو شركات، فإن الاقتصاد العالمي تصيبه رجفة في القلب، ويضطرب أداؤه إلى درجة بعيدة، ما يجعل أصحاب القرار الاقتصادي والسياسي يخففون من قبضتهم على الائتمان ليدخل الجميع مرة جديدة في دائرة من دوائر الديون التي لن يقدر لهم سدادها، ليتشابه موقفهم مع الموقف الأمريكي.
هل يعني ما تقدم أن الخطر الاقتصادي داهم بالفعل ؟ يحتاج الجواب إلى قراءة قادمة إن شاء الله.