إبراهيم الصوافي: الأمة مطالبة بالاقتداء بسيرته العطرة والدور الإصلاحي الذي قام به

ذكرى مولده الشريف فرصة للأمة لالتقاط أنفاسها وترتيب أوراقها ومراجعة أفكارها –
حــاوره : سالم الحسيني –

هذه المناسبة الغالية فرصة للأمة لالتقاط أنفاسها وترتيب أوراقها ومراجعة أفكارها وآرائها واستغلالها في التعريف بالمبادئ العظيمة التي جاء بها الرسول الكريم، فإن ما يمر به المسلمون اليوم هو اختبار وابتلاء سوف تعقبه وحدة وتمسك بكتاب الله وسنة نبيه الكريم، والأمة مطالبة بأن تقف وقفة صادقة مع نفسها والتفتيش عن عيوبها ودفعها إلى الاقتداء به صلى الله عليه وسلم.. ذلك ما أكده الحوار التالي مع الشيخ إبراهيم بن ناصر الصوافي أمين فتوى بمكتب الإفتاء بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية.
وقد أكد الصوافي أن من سنته الشريفة الدعوة إلى حفظ الدماء والأعراض والأموال ونبذ الفرقة والخلاف، وإلى تعمير الأرض.. وعلى هذا ينبغي أن يفكّر الإنسان في الدور الإصلاحي الذي قام به النبي صلى الله عليه وسلم في فترة قصيرة مؤيدا بالوحي ونور القرآن، فإنه صلى الله عليه وسلم سعى إلى إيجاد الاستقرار ودفع الخلافات والخصومات وإلى حسن التعامل.. المزيد من ذلك نقرأه في الحوار التالي مع فضيلته…

حدثنا بداية فضيلته عن هذه المناسبة العظيمة، حيث قال: هذه مناسبة عظيمة جليلة تتكرر على المسلمين في كل عام هجري وتختلف الأحوال والظروف التي يمر بها المسلمون من سنة إلى أخرى ومن وقت إلى آخر وفي كل الأحوال فإن الأمة مطالبة بأن تنظر إلى قربها أو بعدها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنّ تذكّر يوم مولده ليس مجرد عاطفة جياشة أو مرور عابر أو مظاهر يأتي بها الإنسان وإنما وهو وقوف صادق مع النفس والتفتيش عن عيوبها ودفعها إلى الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم.

تمر هذه المناسبة العظيمة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام على الأمة الإسلامية وهي تضمّد جراحها، ولا تزال تمشي القهقرى بعدما اعتلت سامق المجد في عهده صلى الله عليه وسلم، وعهد الخلفاء الراشدين من بعده سيرة وعلما وخلقا وحضارة.. ما هي أسباب ذلك التقهقر في نظركم؟ وأين يكمن الحل؟
ننبه ابتداء إلى أن هذه الأمة هي أمة خير وفيها من الصالحين ومن المظاهر الإيجابية ما يبقي جذوة الأمل مشتعلة في النفس، وقد قلنا اكثر من مرة بأن ما مرّ بالإسلام وبالمسلمين على مختلف القرون لو مر بأي ديانة أو توجه فكري آخر لما استطاع أن يصمد، ولا أن يبقى بل اضمحل ثم انتهى، ولكن بما أن هذا الدين هو دين رباني محفوظ بحفظ الله فإنه لا يستطيع أحد أن يطفئ نوره، أو أن يمحو وجوده، وهذه من أهم مزايا هذا الدين الخالد، وما يمر به المسلمون اليوم هو اختبار وابتلاء ينبغي لهم أن يستفيدوا منه اعظم الفوائد، وأن تعقب هذا الشتات وهذا الضياع وحدة وتمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وينبهنا إلى انه من الخطأ الثقة بأعداء الإسلام أو الركون إليهم فإنهم مهما أظهروا لنا من لين الجانب أو حسن النوايا فإنه لا يؤمن جانبهم ولا شرهم، ولذلك حذّرنا الله عزّ وجلّ من موالاتهم، وأمرنا أن نتمسك بتعاليم ديننا الإسلامي الحنيف، وهو أيضا رسالة أن العالم يعيش في حراك مستمر ولا يمكن أن يقف على حالة واحدة، وهذا ما يدعو حكام المسلمين إلى أن يحدثوا في بلدانهم من التطور وتحسين المستوى المعيشي للشعوب ما يحقق لها الحد الأدنى من العيشة الكريمة التي لا يتصور بقاء الإنسان بدونها، ومن ناحية أخرى فإنه يعطيها درسا بأن قوة العلاقة بين الحاكم والمحكوم هي أكبر صمّام أمان لحماية الأمة من التشرذم والانقسام. وأعظم ما نستفيده أيضا أن الله سبحانه قال: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ)، وفي هذا ما يشير إلى ضرورة التعايش بين بني البشر، وأن نكل أمر المحاسبة إلى الله عز وجل، قال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)، في هذه الآية يبيّن الله عز وجل أن الفصل بين أصحاب المذاهب والأفكار موكول إلى الله سبحانه فهو العالم بعباده الخبير بأفعالهم. لكن ذلك يستدعي فهما سياسيا في المقام الأول ثم وجود علماء ربانيين يسعون إلى الوحدة ولمّ الشمل ويتجاوزون الخطابات المذهبية وخطابات رفض الآخر واستبدالها بعبارات تدعو إلى التعايش السلمي وإلى التحاور بين أصحاب الأفكار وهنالك خلط عند كثير من الناس خلط بين التعايش وبين التماسك بالمبادئ ويظنون أن التعايش يعني بالضرورة تخلي الإنسان عن مبادئه وهذا غير صحيح فإن الإنسان لا يمنع من تمسكه بمبادئه التي يؤمن بها، ولا يجوز الضغط عليه للتخلي عن أفكاره ولكن ذلك لا يعني القطيعة أو التنازع أو الاقتتال أو غير ذلك من صور الإفساد في الأرض الذي لا يحبه الله عز وحل.

دور إصلاحي

ما الذي ينبغي أن يستفيده المسلم وهو يعيش هذه الذكرى العطرة؟ وما الذي ينبغي أن يتبادر إلى مخيلته وهو يعيش هذه المناسبة الغالية؟
ينبغي أن يفكّر الإنسان في الدور الإصلاحي الذي قام به النبي صلى الله عليه وسلم في فترة قصيرة مؤيدا بالوحي ونور القرآن، فإن النبي صلى الله عليه وسلم سعى إلى إيجاب الاستقرار وإلى رفع الخلافات والخصومات وإلى حسن التعامل مع الناس فإنه صلى الله عليه وسلم رغم ما أصابه من أذى المشركين في سنوات عدة غلّب جانب العفو والصفح عندما مكّنه الله عزّ وجلّ من رقاب القريشيين ودخل مكة فاتحا، وهكذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم عندما هاجر إلى المدينة عندما آخى بين الأنصار أنفسهم وبين الأنصار والمهاجرين والأنصار من جهة أخرى، وبناء على هذا فإن المسلم وهو يمر بهذه المناسبة ينبغي أن يسأل نفسه سؤالا صريحا ومباشرا: ما هو الدور الإصلاحي الذي قمت به في مجتمعي؟ وما هو النفع الذي قدمته للناس؟ وأعني بذلك «مشروعي في الحياة».
والإسلام يدعو إلى الإبداع والابتكار والتطوير فينبغي لنا أن نعمل عقولنا وأفكارنا وأن نحرص على إيجاد الجديد والمميز والنافع في نفس الوقت للبشرية جمعاء، فإن هذا أكبر إصلاح يمكن أن يقدمه الإنسان إلى أمته ومجتمعه.

نشأة صالحة

ما الذي يجب على الآباء والمربين تجاه الأبناء لتوجيههم نحو حبه صلى الله عليه وسلم والاقتداء به؟ وكيف لهم أن يغرسوا ذلك في نفوسهم؟

هذه المناسبة فرصة لالتفاف الأولاد حول آبائهم وأمهاتهم ويتذاكروا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأخلاقه العظيمة ويحببون شخصه إلى الناشئة ويوقفونهم على صور من قيمه ومبادئه وصبره وتضحيته لهؤلاء الناشئة ليزداد حبهم للنبي صلى الله عليه وسلم فإنه مع زيادة حبهم له ليدفعهم ذلك إلى الاقتداء بسيرته والسير على نهجه، وبسبب مشاغل الحياة الكثيرة فإن لقاءات الآباء بأبنائهم أصبحت قليلة، ولذلك فلابد من اغتنام هذه الفرص لزرع القيم والأخلاق النبيلة التي نرغب في تنشئة أولادنا عليها.

ما الذي ترتب على مبعثه صلى الله عليه وسلم من خير للبشرية؟ وما الذي يجب على الأمة المسلمة أن تصنع الآن، وقد بعدت كثيرا عن هذا المصدر العذب الزلال؟
يقول الله عز وجل في محكم كتابه العزيز: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)، فقد ترتب على بعثته صلى الله عليه وسلم انتشار الرحمة ومبادئها في كل أنحاء هذا الكون وعمّ مختلف المخلوقات، فما من مخلوق من هذه المخلوقات إلا وشملته الرحمة المحمدية فقد كانت توجيهاته تهدف إلى حفظ الدماء والأعراض والأموال وإلى نبذ الفرقة والخلاف ونشر مبادئ التعايش وإلى رفض العنف والنظرة التشددية وإصدار الأحكام على الآخرين، كما شملت رحمته صلى الله عليه وسلم البيئة عندما جاءت تعليماته تنهى عن الإفساد في الأرض، وعن إهلاك الحرث والنسل، والدعوة إلى تعمير الأرض وإلى السير فيها والانتفاع بمواردها وكل ذلك من شأنه أن يجعل البيئة صالحة لحياة الإنسان وغيره من المخلوقات، كما شملت رحمته صلى الله عليه وسلم، الحيوانات والبهائم عندما نهى عن قتلها لغير مأكلة، وعندما أمر بحسن الذبح وعدم إيذاء البهائم وعندما جاءت تعاليمه تنهى عن قتل الأمم من الحيوانات فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها) فقد منع النبي صلى الله عليه وسلم قتلها لغير ضرورة معللا ذلك بأنها أمة من الأمم التي خلقها الله عزّ وجلّ فلا يسوغ إبادتها ولا التعرض لها بالقتل والإيذاء، ما لم يتعين ذلك بسبب كثرة إيذائها.

التعريف بالمبادئ

هل من كلمة أخيرة تقولونها بهذه المناسبة العزيزة؟
هذه المناسبة فرصة للأمة لالتقاط أنفاسها وترتيب أوراقها ومراجعة أفكارها وآرائها ولابد أن تفعّل هذه المناسبة في تقريب وجهات النظر وإقامة مؤتمرات وجلسات للحوار التي من شأنها أن تقرب وأن تؤلف وأن تردم الفجوات الحادثة بين بني البشر، نتيجة اعتزاز كل واحد بمبادئه على حساب الآخرين، كما ينبغي لكل المؤسسات التربوية والإعلامية أن تستغل هذه المناسبة في تعريف الناس بالمبادئ العظيمة التي جاء بها الرسول الكريم، وواجبنا تجاه هذه التعاليم وكيف يمكننا أن نستفيد من سيرته صلى الله عليه وسلم فإن البشرية الآن تنفق الملايين من أجل محاربة العنف والتشدد وإيجاد الأجواء المناسبة للتعايش ولو أن هذه الأمم اشتغلت في نشر المبادئ التي جاء بها الأنبياء والمرسلون جميعا لكان ذلك من أقوى عوامل القضاء على كل مظاهر التشدد ودعوة إلى قبول الآخر.
وينبغي أن توجد برامج نوعية وأن نجدد في الطرح وأن نوجد خطابا جديدا يتناسب مع المعطيات الحديثة ومع وسائل المعرفة في هذا العصر وأن نقترب من الناشئة لنعرف كيف يفكرون وماذا يريدون وما الذي ينقصهم لكي يوفر لهم هذا البديل المناسب من خلال سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأخلاقه، فإن الناس أو كثيرا منهم لا يريدون الاستماع إلى الخطابات الطويلة أو قراءة الكتب الكبيرة وإنما يحتاجون خطابا قصيرا واضحا مناسبا، وينبغي للدعاة والعلماء أن يحسنوا توظيف هذه الوسائل فيما يحقق الاتحاد ولمّ الشمل وفيما يحصّن شباب هذه الناشئة في وجه المغريات والغزو الفكري والثقافي الذي يتعرضون له، حيث أصبحت الوسائل سهلة وميسورة وفي متناول الجميع ويستطيع الواحد أن يخاطب العالم كله بضغطة زر واحدة، فهذه نعمة عظيمة ينبغي لنا أن نستشعر قدرها، وأن نحسن توظيفها وأن تكون وسيلة تطور ورقي وحضارة وليست وسيلة تقهقر وتخلف مع سوء استعمال لهذه الوسائل.