خطبة الجمعة تدعو إلى غرس حب المصطفى في نفوس الناشئة

رسالة النبي الكريم بعيدة عن كل عنت ومترفعة عن كل مشقة –
تذكر خطبة وزارة الأوقاف والشؤون الدينية أن من تحقيق حبنا للنبي الكريم غرس حبه في نفوس أولادنا. وإن من وسائل ذلك ذكر شمائله، والتذكير بمواقفه، وما أكثر مواقفه! وما أجل مشاهده! فإن له مواقف في توقير الكبير، واحترام الصغير، والإحسان إلى الفقير، ورعاية المحتاج، وتعليم الناس، وإن له مواقف في التعامل مع من أساء إليه وعاداه، ولا عجب؛ فإنه رحمة الله للعالمين.
ومن وسائل غرس محبته في قلوبنا وقلوب أولادنا استحضار تواضعه ومشاركته الناس في مجتمعه في أفراحهم وأحزانهم، وآلامهم وآمالهم؛ فتجده قد ترك أثرًا حسنًا في قلب الكبير والصغير، والغني والفقير، والرجل والمرأة، بل إن اتباعنا لهديه، والتخلق بخلقه، من أعظم دلائل محبتنا لله ورسوله (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيم)، وإن التخلق بخلقه من أعظم وسائل التعريف بالنبي الكريم، وأنجح طرق بيان شمائله الغراء للعالمين.
وأوضحت: من تدبر كتاب الله وجد أن الله جل جلاله رفع ذكر نبيه صلى الله عليه وسلم، وحسبنا أن ربنا تبارك وتعالى يقول: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَك، وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَك، الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَك، وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَك)، وقد يكون شرح صدر النبي الكريم جعله واسعًا يسع العالمين؛ فوسع قلبه الصغير والكبير، والغني والفقير، والرجل والمرأة، وما من إنسان درس سيرته دراسة إنصاف إلا قادته نفسه إلى التسليم لمكانته، والاعتراف بمنزلته؛ فصدق فيه قول ربه (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين)، واستحق بذلك النبي الكريم وضع الأثقال التي لا يطيقها الإنسان، واستوجب رفع الذكر من الله؛ وانعكس رفع ذكره في الأرض؛ فلا تمضي لحظةٌ من اللحظات ولا وقتٌ من الأوقات إلا وتشرف القلوب بذكره، وتتعطر الألسنة بجريان اسمه، وتستريح النفوس بذكر شمائله، وزاده الله بعد ذلك مكافأةً بعد مكافأة، وجائزةً بعد جائزة؛ فيسر عليه كل عسير، وسهـل عليه كل صعب، وفتح له مغاليق الأبواب؛ فكانت له البشرى من الله (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا).
إن ربنا تبارك وتعالى يعلمنا في سورة الشرح أن من تمام التوفيق الاستمرار في العمل، ونفض غبار الكسل؛ فليس من شأن الموفقين أن يقف بهم قطار عمل الخير عند حد، أو يركنوا إلى الدعة بعد الجد، بل شأنهم (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ)، وغايتهم (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِين)، فتجدهم يرتفعون درجةً بعد درجة، ويصعدون منزلةً بعد منزلة؛ ولذلك قال الله جل جلاله لنبيه (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَب، وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب) نعم، إذا فرغت من عمل خير فانتقل إلى عمل خير؛ راغبًا بذلك فيما عند الله (وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى).
لقد وصف الله نبيه بصفات تدعو العاقل إلى التأمل فيها، وتحمل الكيس على النظر إليها، فلنتدبر أيها المؤمنون قول الحق تبارك وتعالى: (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم)، فالرسول الكريم من أنفسنا، يجري عليه ما يجري على المخلوقين؛ فإن النبي الكريم يحزنه القول المؤذي ويضيق صدره به، ولكنه يصبر في الله، ويقابل سوء القول بالحسن من القول محققًا قول الله جل جلاله (وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم)، فكان بذلك من الذين صبروا، وكان بذلك من أصحاب الحظ العظيم (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيم)، ولما كان من أنفسنا، ويجري عليه ما يجري عليـنا جعل لنا أسوةً حسنةً؛ لنسلك مسلكه، ونسير في دربه؛ فنصل من قطعنا، ونعطي من حرمنا، ونعفو عمن ظلمنا، ونحسن إلى من أساء إلينا، ولعمر الله إن من حملته نفسه على هذا الخلق قد وفق للتأسي بالرسول الكريم، وأخذ بحظ من ذلك الخلق العظيم (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا). إن من تجليات رحمة النبي صلى الله عليه وسلم حرصه عليـنا؛ فكانت شريعته حاملةً لكل يسير، متجافيةً عن كل عسير؛ متحققًا فيها قول الله (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، (يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) ووجه النبي الكريم نداءه للإنسانية: (يسروا ولا تعسروا، بشروا ولا تنفروا) وكانت رسالته بعيدةً عن كل ما فيه عنتٌ، مترفعةً عن كل ما فيه مشقةٌ؛ فكان كما وصفه ربه (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ)، وإن تعجب فعجبٌ رحمته بالناس؛ إنها رحمة والد بولده، بل هي أعظم؛ فكان كما أخبر عنه ربه: (بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم)، وكان كما أخبر عن نفسه: (أنا لكم مثل الوالد، أعلمكم أمر دينكم).