آفاق جديدة للشراكة الروسية الإفريقية

د. أحمد سيد أحمد –

إن روسيا كقوة دولية صاعدة وبارزة في النظام الدولي اقتصاديا وسياسيا وعسكريا يمكن أن يشكل تواجدها وتطوير التعاون بينها وبين إفريقيا، توازناً مع القوى الكبرى الأخرى التي على شاكلتها مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بحيث تصبح لدى الدول الإفريقية شراكات اقتصادية وسياسية وعسكرية متنوعة تمكنها من الاستفادة من تلك القوى التي تتنافس عليها على كافة المستويات.

أصبحت القارة الإفريقية منطقة مهمة وبارزة لتنافس القوى الاقتصادية والسياسية الكبرى والصاعدة في النظام الدولي «الاقتصادي» و«السياسي»، وهو ما يصطلح عليه بالـ«تنافس الدولي»، من أجل الاستثمار وبناء الشراكات مع القارة على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والأمنية بل والثقافية أيضا، وشهدنا تنافساً دولياً لوضع صيغ مؤسساتية تنظم التعاون في المجالات: الاقتصادي والسياسي والتجاري والأمني على مستوى القمة بين الدول الإفريقية.
ولعل المتابع للمشهد قد شهد قمما سابقة على الصعيد نفسه مثل «القمة الصينية الإفريقية»، و«القمة اليابانية الإفريقية» و«القمة الأوروبية الإفريقية» وغيرها من تجمعات ومنتديات أصبحت قارة إفريقيا فيها طرفاً أصيلا، وهو ما يعكس الأهمية الإستراتيجية المتزايدة لإفريقيا.
وفي هذا السياق جاءت القمة الروسية الإفريقية الأولى التي عقدت فى مدينة سوتشي الروسية مؤخرا، لتؤسس مرحلة جديدة في التعاون الاقتصادي وبناء شراكة متكاملة بين روسيا وإفريقيا، وتطرح العديد من التساؤلات حول ما تريده روسيا من إفريقيا، وما تريده الأخيرة من الأولى، وماذا يمكن أن يقدم كل طرف منهما إلى الآخر، وهل تسهم القمة في بناء شراكة حقيقية بين الجانبين خلال السنوات المقبلة؟
وتتميز روسيا في علاقاتها مع القارة السمراء عن منافسيها من القوى الأخرى فيما يتعلق بالنظام الدولي بعدة خصائص تساعدها على دفع وتطوير تلك العلاقات، أبرزها أن روسيا لم يكن لها تاريخ استعماري في إفريقيا مثل الصين، بل على العكس، فقد ساعدت روسيا إبان الاتحاد السوفييتي غالبية دول القارة الإفريقية على استقلالها من المستعمر الأوروبي، وقدمت كل صور الدعم الاقتصادي والسياسي والمعنوي واللوجيستي لحركات التحرر الإفريقية، كما استضافت العديد من قادة تلك الحركات الذين أصبح عدد كبير منهم قادة لبعض الدول الإفريقية في مراحل ما بعد الاستعمار، وهو ما يعطي روسيا ـ خلاف الدول الكبرى الأخرى ـ رصيداً سياسياً وثقافياً ضخما داخل إفريقيا يمكنها من البناء عليه مستقبلا، ويسهم ذلك في تعميق العلاقات ودفعها إلى الأمام بين روسيا الاتحادية ودول القارة الإفريقية، كما أنه ليس لروسيا أي مطامع أو أجندات خاصة فيها مثل التواجد العسكري أو غيره.
وبرغم ذلك، فإن حجم التبادل التجاري والتعاون الاقتصادي بين روسيا والقارة لم يرتق بعد إلى مستوى التاريخ الكبير بينهما خلال فترة الحرب الباردة، والدور الذي لعبه الاتحاد السوفييتي السابق في دعم القارة.
وقد شهدت القمة الروسية الإفريقية توقيع أكثر من 50 اتفاقية تعاون تجاري واقتصادي، من شأنها أن تسهم في تدفق الاستثمارات الروسية إلى دول القارة، كما أسهمت روسيا في جهود التخفيف من أعباء المديونيات عن البلدان الإفريقية.
وفي ظل التنمية الاقتصادية التي شهدتها روسيا فإن انفتاحها الاقتصادي على القارة سيحقق لها عديد من المزايا، أبرزها وجود سوق أفريقية واسعة للمنتجات والسلع الروسية تستهدف ما يقارب المليار نسمة، إضافة إلى امتلاك الدول الإفريقية لثروات طبيعية ضخمة أبرزها المعادن مثل اليورانيوم والحديد والماس، وغيرها. كما أن العديد من دول القارة الإفريقية تشهدت معدلات نمو مرتفعة يمكنها من جذب الاستثمارات الروسية، خاصة في مجال النقل، والزراعة، والتكنولوجيا، والطاقة الشمسية، والبتروكيماويات، وكذلك في مجالات التعليم والسياحة. وفي المقابل يمكن للدول الإفريقية الاستفادة من التجربة التنموية الروسية القائمة على المزج بين استخدام التكنولوجيا الحديثة والصناعات كثيفة العمالة، وكذلك مشروعات ريادة الأعمال، بالإضافة إلى مزايا نسبية تتمتع بها روسيا فى مجال الزراعة مثل زراعة القمح، وكذلك في مجال الطاقة النووية، والتي يمكن أن تسهم في بناء العديد من محطات الطاقة النووية السلمية في عدد من دول القارة، إذا ما اتخذنا مصر نموذجا لذلك، بعد الاتفاق على إنشاء محطة الضبعة النووية، كما تشكل السوق الروسية الكبيرة هدفا لترويج السلع والمنتجات الإفريقية، حيث يمكن أن تصبح روسيا مفتاحا ومدخلا للدول الإفريقية داخل قارة آسيا، وكذلك وسط وشرق أوروبا. كذلك استقطاب السياحة الروسية التي تمثل مصدرا مهما للعملة الصعبة لدى العديد من دول القارة مثل مصر على سبيل المثال. وتربط روسيا في مجال التعاون العسكري التقني اتفاقيات مع أكثر من 30 بلدا إفريقي، وكما كان الاتحاد السوفييتي المصدر الأساسي لتسليح العديد من الدول الإفريقية في مرحلة ما بعد الاستعمار، فإن روسيا تسعى للعب الدور ذاته لكي تصبح مصدرا مهما للأسلحة والمعدات الحديثة خاصة فى مجال الطائرات مثل «السوخوي» و«الصواريخ الباليستية» مثل صواريخ «إس 300» و«إس 400»، حيث تحتل روسيا الآن المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة في مجال تصدير الأسلحة، بالإضافة إلى ما يمكن أن تقدمه في مجال عمليات التدريب العسكري، خاصة مع الدول التي تشهد صراعات مسلحة وتحتاج إلى إعادة بناء أجهزتها الأمنية من الجيش والشرطة.
وفي المجال الأمني، فإن هناك مصلحة مشتركة تربط بين روسيا وإفريقيا للتعاون في مواجهة خطر الإرهاب والتطرف، خصوصاً أن روسيا لديها تجربة في محاربة التنظيمات المتطرفة، وفي المقابل فإن إفريقيا تشهد الآن تواجد العديد من التنظيمات الإرهابية مثل «داعش» و«القاعدة» و«بوكو حرام».. وغيرها، وهو ما يشكل خطرا عالميا يهدد الأمن والسلم الدوليين، لذلك أكدت القمة الروسية الإفريقية على ضرورة التعاون بين الجانبين فى مواجهة الإرهاب والفكر المتطرف. كذلك دعم التعاون الثقافي، حيث افتتحت روسيا عددا من المراكز الثقافية يصل إلى 41 مركزاً، تقوم من خلالها بعرض الأفلام الروسية وزيارات لفرق الباليه والأوركسترا وهناك أقسام لدراسة اللغة الروسية في عدد من الجامعات الأفريقية.
ومن الناحية الإستراتيجية فإن روسيا كقوة دولية صاعدة وبارزة في النظام الدولي اقتصاديا وسياسيا وعسكريا يمكن أن يشكل تواجدها وتطوير التعاون بينها وبين إفريقيا، توازناً مع القوى الكبرى الأخرى التي على شاكلتها مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بحيث تصبح لدى الدول الإفريقية شراكات اقتصادية وسياسية وعسكرية متنوعة تمكنها من الاستفادة من تلك القوى التي تتنافس عليها على كافة المستويات، وكذلك تسهم في تغيير النظرية القديمة التي تصور أفريقيا على أنها مجرد سوق للدول الغربية والكبرى لتصريف منتجاتها، ومصدرا للحصول على المواد الخام بأسعار زهيدة، إلى نظرية جديدة تقوم على الشراكة الحقيقية والندية الكاملة بين إفريقيا وتلك الدول، وأن تدعم القوى الكبرى التنمية الحقيقية الشاملة والمستدامة في القارة الإفريقية، وكذلك مساعدتها في مواجهة مشكلاتها وتحدياتها التي من أبرزها الفقر والأمراض والمجاعات والتصحر والحروب والصراعات الأهلية، إضافة إلى الإرهاب والهجرة غير الشرعية التي ازدادت بصورة كبيرة قاصدة دول أوروبا خلال السنوات الماضية. ومما لا شك فيه أن إفريقيا كتجمع يضم 54 دولة تتباين في مستويات النمو الاقتصادي والمشكلات الداخلية، تحتاج إلى بلورة إستراتيجية موحدة لتعظيم الاستفادة من التنافس الدولي عليها، وفي بناء شراكات حقيقية مع الدول الكبرى خاصة روسيا الاتحادية، والتي أسست القمة الأفريقية الروسية الأولى لشراكة حقيقية بينهما للبناء عليها في المستقبل في اتجاه دفع وتطوير العلاقات بين الجانبين.