التحكيم والمحاكم القضائية

د. عبدالقادر ورسمة غالب –

اللجوء للمحاكم القضائية من الحقوق الدستورية التي يتمتع بها كل شخص للحفاظ والمطالبة بحقوقه في مواجهة أي طرف ثالث. ولعبت المحاكم، وما زالت، تقوم بدور كبير وأساسي في تحقيق العدالة وتطبيق القانون وإرساء سيادة حكم القانون. ومع تطور الزمن وتعقيد المعاملات وتطورها، زادت القضايا اليومية أمام المحاكم، ولكن في المقابل لم تزدد المحاكم بنفس القدر وكذلك لم ترتفع نسبة تعيين القضاة لمجابهة سيل القضايا المتدفق أمام المحاكم. وهذا أدى لتأخير الأحكام القضائية، وأصبح الفصل في القضايا يأخذ وقتا طويلا للدرجة التي يفقد فيها بعض أصحاب الحقوق الأمل في وجود العدالة خاصة وأن تأخير العدالة يرقى لدرجة نكران العدالة.
وبسبب التأخير في الفصل في القضايا أمام المحاكم القضائية، إضافة لعدة أسباب أخرى، بدأت الحاجة الماسة في البحث عن بدائل أخري مناسبة لتحقيق العدالة وسرعة الفصل في القضايا. ومن أهم البدائل المتوفرة، أن لم نقل أهمها على الإطلاق، نجد «التحكيم» الذي أصبح يتمتع بمكانة واضحة في خط سير تحقيق العدالة.
والتحكيم من الناحية المبدئية، معروف منذ فترة طويلة جدا، ولكن مع زيادة الحاجة له وزيادة اللجوء إليه، قامت الغالبية العظمى من الدول بإصدار قوانين محلية بغرض تقنين اللجوء للتحكيم كبديل لتسوية المنازعات لمن يرغب في اختيار هذا الطريق البديل. وأيضًا، تم اعتماد العديد من الاتفاقيات الدولية لقبول التحكيم والاعتراف بدوره وبالأحكام الصادرة من هيئات التحكيم أو المحكم الفرد وتنفيذ هذه الأحكام والاعتراف بها وفق الضوابط القانونية والبروتوكولات الدولية.
ونظرا لهذه التطورات الهامة والمتسارعة، في إرساء ثقافة التحكيم وأهمية بل ضرورة اللجوء إليه للفصل في المنازعات، أخذ مسار التحكيم يحتل وضعًا بارزًا في تسوية المنازعات بشتى أنواعها خاصة المنازعات ذات الصبغة الفنية المحضة نظرًا للتعقيدات المرتبطة بها. وتزامنًا مع هذه الخطوات، تم إنشاء العديد من مراكز التحكيم المحلية والاقليمية والدولية في شتى بقاع العالمـ ولبعضها شأن كبير الآن. وهذه المراكز، من دون شك، لعبت دورًا بارزًا ومؤثرًا في إرساء القواعد القانونية والممارسات السليمة لترسية وتأصيل مهنة وصناعة التحكيم بهدف تحقيق العدالة الناجزة وإعادة الثقة في حكم القانون وإرساء دولة القانون.
ومن الواضح للعيان، أن التحكيم لعب دورًا كبيرًا في الفصل في العديد من القضايا المهمة على المستويين المحلي والدولي، والأحكام الصادرة من التحكيم أرست قواعد قانونية مهمة مما يشكل إضافة للتطور القانوني مع منح العمق القانوني لإرساء قواعد العدالة الناجزة. وكل هذا، يقود وبصفة يومية، لزيادة اللجوء للتحكيم للفصل في المنازعات، وهذا بدوره أدى لزيادة الأعمال والمعاملات التجارية في مختلف القطاعات ومختلف أرجاء العالم. والفضل يعود للتحكيم وما يقوم به من مهام مهمة وملحوظة للعيان.
ولكن وبالرغم من الدور المهم الذي ظل يقدمه التحكيم، الا أن التحكيم يحتاج للمحاكم في عدة أمور لا بد منها لتكتمل العدالة ويشعر بها الجميع. ومن الضروري أن نفهم، أن القضاء والتحكيم جسمان مكملان لبعضها البعض، ولجودهما مع بعض الأثر البالغ في ترسية قواعد العدالة. ولهذا يحتاج التحكيم للمحاكم في العديد من المهام القانونية الأساسية وذلك نظرًا لما يتمتع به القضاء من القوة التنفيذية الحبيرية المباشرة.
ومن ضمن الحالات التي يلجأ فيها التحكيم للقضاء، نجد الطلب من المحاكم باتخاذ العديد من الإجراءات التحفظية الوقتية والأوامر المستعجلة. وهذا نجده، مثلا، عندما تطلب هيئات التحكيم من المحكمة المختصة إصدار الأوامر بالحجز التحفظي على المنقولات أو العقارات أو الحسابات البنكية أو إصدار الأمر بالمنع من السفر أو تقديم الضمانات وغيره من الأوامر الضرورية العاجلة التي لا بد منها لحفظ الحقوق ولو بصفة مؤقتة لحين الفصل النهائي في النزاع.
أيضا، يستعين التحكيم ويلجأ للمحاكم لتنفيذ القرارات الوقتية أو القرارات النهائية الصادرة من هيئات التحكيم. ووفق قانون الإجراءات فان للمحاكم سلطات كبيرة في كل ما يتعلق بتنفيذ الأحكام وكل ما يرتبط بها. وهذه السلطات الإجرائية القانونية لا تملكها هيئات التحكيم ولذا فان هذه الإجراءات الضرورية تتم عبر المحاكم ووفق القوانين الساربة. وبالطبع، فان تدخل المحاكم في إصدار الأوامر لتنفيذ قرارات التحكيم يمثل دفعة قوية لمسار التحكيم لأنها تضع قراراته في وضع التنفيذ الجبري والقضائي عبر المحاكم المختصة.
ووفقًا للقانون، فإنه يجوز اللجوء لمحكمة التمييز، في حالة طلب الطعن بالنقض وذلك وفقًا للحالات المذكورة في قوانين التحكيم، وهي حالات محددة يتدخل فيها القضاء. وهكذا، فان المحاكم القضائية تمثل صمام الأمان للجميع خاصة وأن قرارات التحكيم نهائية ونافذة ما لم يتم الطعن بالنقض فيها أمام محكمة التمييز حيث تصدر قرارها في الطعن. وفقًا لاختصاصها، وفي هذا دلالة واضحة على أهمية وأزلية العلاقة بين التحكيم والمحاكم القضائية. وعبر هذه العلاقة تصان العدالة ونجدها تسير بين الناس.