تحيزات اقتصادية

مصباح قطب –

حين أعلنت جائزة نوبل فوز كل من: الهندي أبهيجيت بانيرجي، والفرنسية إستير دوفلو، والأمريكي مايكل كريمر، بنوبل الاقتصاد هذا العام 2019، فأنها بالتأكيد لم تكن تتوقع أن يثار حولها كل هذا الجدل. لقد قالت لجنة نوبل في حيثيات منح الجائزة: «… بعد أن أدت أبحاثهم إلى تحسين قدرة البشرية على محاربة الفقر على مستوى العالم». بينما قالت آراء أخرى لعلماء اقتصاد كبار بعضهم نشروا بشكل جماعي رأيهم في الجارديان وقالوا إن أبحاثهم قليلة الجدوى وليست جديدة ومنهجهم اجتزائي ولا تستحق الأعمال التي قاموا بها الوقت الطويل الذي أمضوه والتكاليف الكبيرة، وأن نموذجهم المعرفي لا يحقق السعادة للبشرية التي من أجلها تم إنشاء جائزة نوبل بالأصل، بل وذهبت مجموعة أخرى إلى وصف عملهم وبصفة خاصة الكتاب الذي ألفه اثنان منهم واسمه «اقتصاد الفقر» بأنه سطحي وكالعادة رأوا أن اللجنة تجاهلت مستحقين حقيقيين.
صحيح أن الجدل حول الفائزين بأي جائزة في مجال الإنسانيات والعلوم الاجتماعية ومنها علم الاقتصاد بشكل عام ظاهرة متكررة ربما لأن تلك العلوم تحتمل اختلافات واسعة وتقييمات مختلفة بطبيعتها خلافًا للعلوم الأساسية كالفيزياء والكيمياء والبيولوجيا والطب (ولو أن الأخير يتسم في جانب منه بطابع خلافي). من أجل ذلك طالما رأينا من يهاجم منح الجائزة في الأدب لهذا الأديب أو تلك الأديبة لماض له منكور أو لتوجه قليل القيمة أو العمق من وجهة نظرهم أو موقف اتخذه وأثار استياء واسعا أو لم يكن يتفق والمنتظر من أديب ينتصر لقيم الحق والعدل والجمال إلخ. وهناك خلاف رهيب هذا العام حول الفائز بنوبل الأدب بالمناسبة لموقفه مما جرى ضد البوسنيين من قتل وقمع، والخلاف ذاته حول الفائز/‏‏ الفائزين يمتد إلى حقل العلوم الاقتصادية فهي حمالة أوجه وفيها مدارس ومذاهب وبها تحيزات اجتماعية وسياسية، ويقف وراء البعض منها مباشرة شركات عالمية كبرى أو حتى دول تغدق على اتباع مدرسة معينة أو توجه معين وتحرم آخرين، أو وجود ضغوط من جامعات لها ثقل وتتمترس خلف عقيدة اقتصادية محددة (كمليتون فريدمان ومشايعوه من أهل مدرسة شيكاغو)، ويصل الجدل إلى أقصاه دائما فيما يتعلق بنوبل للسلام، وكم رأينا معارضة الصين وروسيا وإيران وغيرهم من الدول منح الجائزة لهذا أو ذاك من مواطنيها المعارضين، كما شهدنا اعتراضات جماهيرية على فوز شخصيات كبيرة بها لعدم الاقتناع أو لوضوح التسييس المفرط في المنح أو مناقضة المنطق، والطريف أن عدم حصول شخصيات عالمية كبيرة عليها يثير أيضا حفيظة جماهير واسعة، ولعل أشهر تلك الحالات في
التاريخ عدم حصول المهاتما غاندي عليها في حياته.
الخلاصة أن الجوائز العلمية أوسع قبولا وأكثر صدقية بينما الجوائز الخاصة بالإنسانيات محل شقاق وشجار مستمر وسيستمر، وقد كان هذا الموضوع محل فحص دقيق من علمين من رموز علم الاقتصاد في مصر والمنطقة العربية مؤخرا هما الدكتور جودة عبدالخالق أستاذ الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بالقاهرة ووزير التضامن الاجتماعي المصري الأسبق وصاحب الميول اليسارية وهو قيادى كبير في حزب التجمع الوطني الوحدوي اليساري، والدكتور محمود محيي الدين – النائب الأول لرئيس البنك الدولي للتنمية المستدامة وأستاذ الاقتصاد بذات الكلية وهو بالمصادفة من تلاميذ الدكتور جودة ويقول عن نفسه دوما انه لا ينتمي إلى عقيدة اقتصادية بعينها يمينًا أو يسارًا، حيث تم بينهما ما يشبه المناظرة العلنية، حول نوبل الاقتصاد وأهلها، أمام جمع غفير من الحضور والاختصاصيين والشخصيات العامة يوم الاثنين الماضي.
قال الدكتور جودة عبدالخالق أن لديه تحفظات قوية جدًا على منح جائزة نوبل للثلاثة الذين فازوا بها هذا العام بعد أن كان رحب في البداية بفوزهم على اعتبار انهم مهتمون بقضية الفقر، مشيرًا إلى انه بعد أن قرأ عنهم ولهم عرف أن الفائزين استخدموا منهجا ليس جديدًا، وهو ما يسمى بالتجارب «العشوائية/‏ المحكومة» والترجمة من عنده وهو ينصح دائما بالاجتهاد في ترجمة المفردات العلمية المستجدة، وتعنى العبارة إجراء تجارب على عينات عشوائية من الفقراء في مناطق فقيرة في إفريقيا والهند وقياس النتائج على عينات يتم التحكم فيها، لضبط القياس، لكنه منهج يتعامل مع الفقراء كأرقام ويخلو من الإنسانية ويعيش في دائرة معلوماتية مغلقة تدعى لنفسيها اكتمال المعرفة بما أنهم عاشوا في الواقع سنوات، وبالتالي لا يسمح بنقاش حقيقي، ثم انه منهج يتجاهل تماما اللامساواة واثرها على إنتاج الفقر، وهي عامل جوهري في مفاقمته، وأشار جودة إلى أن الباحثين قالوا إنهم أمضوا 15 عامًا في عملهم وتجولوا في 50 بلدًا ولكن الحصيلة التي خرجوا بها لا تساوى كل ذلك وعلى سبيل المثال فقد قالوا عن فلاحي قرية فقيرة انهم لم يستخدموا الأسمدة لأنهم لم يكونوا يعرفون فوائدها وكيفية استعمالها؟. قال جودة خلال المناظرة التي تمت تحت عنوان (نوبل في الاقتصاد 2019.. اقتصاد الفقر أم فقر الاقتصاد)، انه هو من اختار عنوان الندوة إيمانا منه بأن فوز هؤلاء معناه برأيه أن علم الاقتصاد أفلس أو أصبح فقيرا وغير قادر على إنتاج أفكار كبيرة تغير من الواقع الاقتصادي والاجتماعي الذي لا يني أن يدفع بالملايين إلى حافة الفقر أو إلى جوفه كل عام، وأضاف: إن مثل هؤلاء الباحثين فسروا الماء بعد الجهد بالماء وخلاصة رأيهم أن الفقر مسؤولية الفقير. ولفت جودة إلى أن هناك أساتذة كبار يستحقون نوبل لكن لا يتم منحها لهم لأنهم «يساريون» بحسب العدسة الأمريكية أو الغربية المؤثرة ومن هؤلاء «توماس بيكيتي» الذي أثبت أن عدم العدالة متجذر في الرأسمالية وانه لابد من فرض ضرائب على الثروة، ورغم أن بيكيتي انتهى إلى توصيات أقل بكثير مما وثقه من مآسٍ للرأسمالية إلى أن ذلك لم يغفر له.
وطالب جودة بالتعامل مع جذور الفقر، وليس مع مظاهره الخارجية، وحث الباحثين العرب على عدم الانجرار إلى الطروحات الآتية من الخارج بل قراءتها بشكل نقدي، وأشار إلى أن تقرير اللامساوة العالمي الأخير يؤكد أن من استفاد من النمو من 1980 إلى 2017، هم أهل الواحد بالمائة الأثرياء بينما خسر 50 % من الفقراء.
وبدوره قال الدكتور محمود محيي الدين: إن الجدل حو الفائزين بنوبل متصل وأن من فازوا هذا العام هم أنفسهم قالوا إنهم لا يقدمون أفكارا كبيرة ولكن خلاصة مفيدة وواقعية في ضوء انصات جيد للفقراء ومشاهدات وملاحظات من الواقع الميداني لقرى الفقراء في بلدان عدة بالذات في كينيا وغرب إفريقيا والهند يمكن أن تفيد في مساعدة صناع السياسات والفقراء على الخروج من فقرهم ولفت إلى أن جردية فايننشيال تايمز أثنت على اختيار فائزي هذا العام مؤكدة الأهمية العملية لما توصلوا إليه. أوضح أن الأهم في أي بحث علمي أن يفيد صناع القرار ويقدم أدوات للتغيير قائمة على المعلومات والتجربة الواقعية والتحليل السليم واعتبر أن تجربة الصين في مكافحة الفقر تستحق نوبل في الاقتصاد فقد تمكن هذا البلد خلال أربعين سنة من إخراج 850 مليون مواطن من الفقر وقد تعهدت الصين مؤخرًا بأنها ستقضي تمامًا على الفقر المدقع في 2020 بتقديم غذاء وكساء و تعليم جيد حتى السنة التاسعة ورعاية صحية وسكن مقبول للفقراء. أوضح محيي الدين أن أهم ما في تجربة الصين أنهم اعتمدوا على المؤسسات القديمة وطوروها وأدركوا أهمية الاستثمار في البشر بالإنفاق المدروس على التعليم والصحة والتدريب والتعليم، وأعطوا بناء السياسات حقه انطلاقًا من فكر الاقتصاد السياسي العالمي وراعوا متابعة ردود الأفعال على ما يتم اتخاذه من سياسات وآمنوا بأن الإعلام مكون أصلي في بناء السياسات والتمهيد لها، وليس متابعتها والتوعية بها فقط. وأضاف: إن الصينيين قاموا كذلك بعملية تواصل مباشر من أسفل ومن أعلى وعملوا بالمثل الروسي الذي يقول «قبل أن تقص قم بالقياس سبع مرات». أكد محيي الدين أن بناء التراكم وعدم الانقطاع أساسي لتحقيق نقلة منوها إلى أن ذلك يغيب عن المنطقة، ومن المهم أن تكمل في الطريق الذي بداته بغض النظر عن التوجه السياسي الذي تعتنقه وأخيرا فإن الصين أعلت من شأن المدخرات واستخدمت قواعد السوق بطريقة منضبطة ومحكومة وجعلوا سياساتهم دائمًا متجهة إلى المستقبل وأنهوا المنازعة بين المركزية واللامركزية واستخدموا التكنولوجية في تعظيم مزايا المركز والأطراف وزيادة تكامل أدوارهما.
أكد أن نجاح أي دولة هو في النهاية أمر إدارة وقيادة وتوجه فالتنمية قضية وطنية بالأساس. ولم يفته أن يقول إن أمام توماس بيكيتي فرصة وثانية وثالثة فهو ما زال صغير السن للفوز بنوبل وأن على الشباب الدارسين العرب أن يكون لديهم الطموح بالفوز كذلك فالإبداع الاقتصادي له تاريخ في منطقتنا.
خلال المناظرة قالت الدكتورة علياء المهدي – استاذ الاقتصاد
– إن نوبل للعلوم الاجتماعية فيها جانب له علاقة بحملات
العلاقات العامة وتساءل الدكتور سمير رضوان- وزير المالية الأسبق- عن ماهية المؤسسات التي تكافح الفقر في بلادنا، وعن مصير الدراسات السابقة عن الفقر وتوزيع الدخل التي قام بها رواد كبار عربيا مثل: الراحل عمرو محيي الدين.
وقالت الدكتورة هبة الليثي: إن الواجب أن نفكر في الفقراء من داخل ثقافتهم ولا نفرض عليهم ما نتصور أنه حلول أفضل لهم.
تحدث الحاضرون عن التكنولوجيا ودورها في التقليل من الفقر والإصلاح السياسي وما يمكن أن يقدمه للفقراء واثر الإصلاح الاقتصادي على البنية الطبقية للمجتمع.
في النهاية فإن التعليق الذي بقي في وجداني وترسخ بقوة هو أن مكافحة الفقر من جذوره -بتعبير الدكتور جودة- هو قضية انشغال بال حقيقي أكثر مما هي ذات صلة بالعقيدة الاقتصادية التي يتبناها الشخص، فقد يكون المرء يساريا يقول ليل نهار أنه مشغول بالفقراء وبالعدالة الاجتماعية ولا يفعل الكثير أو لا ينتج الكثير من الأفكار الفعالة التي تقود إلى تحقيق ما يأمله أو جزء منه، وقد يكون يمينيًا عينه على تحسين مناخ الأعمال وتشجيع القطاع الخاص وحرية الأسواق والمنافسة، بينما يقدم عمليًا الكثير مما يحقق نقلة في حياة الفقراء وفي أمر تمكينهم . ولأنى أعرف الدكتور جودة وقرأت سيرته الذاتية المذهلة في عصاميتها، وتعلمت منها كيف يكون الإنسان نفسه، وكيف يكون صادقًا مع تاريخه وعلمه وحياته، فقد قدرت أن مما يشكل خطورة على اهتمامنا بالفقر – خارج دائرة برامج الحماية الاجتماعية الحكومية أو المساعدات الخيرية الطيبة والمفيدة من القادرين – أن الحياة المعاصرة تأخذ الجميع إلى تقوقعات اجتماعية وإنسانية وفكرية وعلمية وثقافية تجعل الشعور بالهم الحقيقي الذي تحدثت عنه قليل النصيب من الأنفس والأفئدة والعقول والضمائر. إنها الحياة «الكمبواندية» التي أسميتها كذلك ليس انتقادًا لمن يعيشون في الأحياء المسيجة حفاظًا على هدوء ينشدونه، أو خصوصية يريدون أن ينعموا بها وسط كل هذا الصخب في المدن المعاصرة، ولكن إيمانا بأن البعيد عن العين بعيد عن القلب وأن المعايش المشتركة تولد تفهمًا ومشاعر تبادلية أعمق بين البشر وبعضهم البعض ومن ثم تتشكل في العقول دوائر اهتمام بضرورة التصدي للفقر بشكل شامل، فهو ذلك الرجل الذي تمنى الأمام على أن يقتله، وواجبنا أن نطيح به أو نطرحه أرضا على الأقل.