نبض المجتمع : علاقات إلكترونية

خصيب القريني –

إن الحديث عن العلاقات الإنسانية حديث متشعب ومتداخل، ويكمن ذلك من اختلاف طبيعة البشر أنفسهم، فلاوجود لتعميمات مطلقة يمكن الاتكاء عليها في الحديث عن مجمل مايدور بين بني الإنسان من تواصل سواء كان إيجابيا أم سلبيا.
ومع التطور الحضاري ودخول الإنسان في ثورات تكنولوجية متعاقبة، كان للعلاقات الإنسانية نصيب هي الأخرى من مجالات التطور تلك، فلا يمكن أن يتم التطور في مجال دون أن يصيب بقية المجالات بسهام تأثيره، فقد أصيبت العلاقات بين بني البشر بكل ما جادت به ثورة التكنولوجيا سواء كان ذلك إيجابيا أو سلبيا كما اسلفنا، إذ يسرت تلك الثورة طرق التواصل والتعارف واصبح نطاق تلك العلاقات متباعدا جغرافيا ليشمل مختلف بقاع الأرض، وانتجت البرامج المتخصصة لذلك الغرض بغية إتاحة الفرصة لجميع البشر لتكوين علاقات إنسانية لا تحدها حدود زمانية أو مكانية، وحازت تلك البرامج الإلكترونية على أكبر نسبة اشتراك على مستوى العالم بالمقارنة مع غيرها من البرامج، وهذا في حد ذاته يعد إنجازا رائعا يحسب لتلك البرامج في قدرتها على إيجاد بيئة تعارف عالمية، وربما يكمن السر في اعتقادي في الاتجاه إلى استغلال الرغبة في تكوين علاقات من وجود فجوة مجتمعية في ما يتعلق بالتواصل ما بين الأفراد في المجتمعات الغربية والناتجة من عوامل مختلفة لعل أبرزها عدم وجود وقت لدى الأفراد للتواصل المباشر نتيجة تسارع نمط الحياة في تلك الدول واللهاث وراء المادة، من هنا جاءت تلك الفكرة التي اجتاحت العالم بأكمله سواء كانت تلك المجتمعات الجديدة تعاني من تلك السلبية في العلاقات أو لم تكن تعاني.
ولعل المجتمعات العربية هي أقل المجتمعات حاجة لمثل هذه البرامج بحكم طبيعة مجتمعاتها وقدرة أفرادها على تكوين تلك العلاقات في محيطها المحلي بدون الحاجة للانغماس في علاقات إلكترونية إذا جاز لنا التعبير، لكن ورغم ذلك وبتأثير العولمة والثورة التكنولوجية فقد انجرت مجتمعاتنا المحافظة إلى هذا النوع من العلاقات رغم ما يكتنفه من سلبيا، بل وتفوقت على المجتمعات الغربية في هذا الأمر وأصبح شغل الأفراد الدائم البحث عن علاقات جديدة بغض النظر عن ماهية هذه العلاقات وطبيعتها، ولعل مرد ذلك في اعتقادي الشخصي هو غياب الوعي التكنولوجي في عملية استخدام منتجات هذه الثورة، فقد تلاشت علاقاتنا الطبيعية في محيطنا الضيق والتي هي الأساس الذي يجب البناء عليه،واتجهنا للبحث عن علاقات بعيدة لا نعرف منها سواء ما يريد أن يحدده الطرف الآخر من معلومات، دون أن نعي حقيقة ماهو الأساس الذي بنيت عليه هذه البرامج.
إن وجود وعي حقيقي بأهمية وكيفية توظيف مختلف البرمجيات سواء ذات العلاقة بطبيعة التواصل البشري أو غيره من المجالات وإدخالها ضمن البرامج الدراسية وتثقيف النشء بها هو أحد السبل التي يمكن التعويل عليها لإيجاد نوع من العلاقات البشرية التي تعمل على التوازن ما بين ما يسمى بالعلاقات الحقيقية في محيط المجتمع المحلي وتلك الإلكترونية التي تشمل العالم أجمع دون مبالغة أو تهويل في استخدامها.