رماد : فرح الذاكرة

عبد الله بن محمد المعمري –

كانت الساعة تشير إلى الواحدة ظهرا، والشمس الساطعة بنورها الساخن تسيطر على المكان، لا ظل ولا نسمة هواء تبرد تلك الحرارة العالية، إلا أنه ومع كل هذه الحال ومحاولة الهروب من الجو الشديد الحرارة عبر المكان نفحة عطر أشعلت في الذاكرة فتيل الماضي، الذي ولّدَ الحنين لأيام قد خلت، وأعاد طيفا راحلا منذ زمن، لتعود الذاكرة لفرح جميل بثّ في الرّوح السرور، وفي النّفس السعادة، وما أجمل فرح الذاكرة حينما هكذا يكون.

التوقف لبرهة ليست بالقصيرة مع تلك الذاكرة الجميلة، لم يمنعه حالة طقس شديد السخونة، ولا توقيت في منتصف النهار، بل كان التوقف لأجل رحلة مع الزمن، تعود بكل تفاصيل الماضي مع ذلك الطيف المُحِب، لتتوالى على الذاكرة صورة تلوَ أخرى، ومع كل صورة ذكرى من أروع ما تكون.

تسلسلت الأحداث بمشاهد لا تتكرر، ولكنها ظلّت باقية إلى اليوم في صندوق الذاكرة، وكان مفتاحه نفحة عطر تشبه الشذى الذي كان يفوح من الطيف الراحل، فما أبلغ الذكرى حين تقود إلى هكذا جمال. ليبقى في الروح بعض من السعادة التي نعيشها مع من نُحب، حتى وإن رحلوا وتباعدت المسافات، وظن العقل بأن النسيان سيكون سيد الموقف بعد الرحيل، لتثبت الذاكرة بأنها هي سر الفرع المرهون بالماضي الجميل، وأن فناء الفرح لا يكون إلا بموت الذاكرة.

وكما أن للفرح ذاكرة، فإن لما نعيشه اليوم ذاكرة تُنسج خيوطها مما قد مضى، لنعيش ذكرى للذكرى بأننا نتذكر ما قد مرّ بمثل هكذا حال، ولنرسل للروح رسالة بأن الحب لا يموت بالرحيل، وأن النفس توّاقة لاسترجاع الذكريات.

فسبحان الخالق الذي أنعم على الإنسان بذاكرة تختزن حياة الماضي، ليس فقط مُرّها بل حتى حلوها، ذاك الذي يرسم تفاصيل الفرح والسرور في لحظات التأفف والضجر من واقع نعيشه في ذات الزمان. وسبحان من أوجد في الإنسان مساحة في جسده تحفظ ما مضى من أيام عمره، لتُعيد له أطياف الراحلين عن ناظره.