مع ترمب.. السياسة الخارجية الأمريكية.. أين تتجه؟

عاطف الغمري –

عندما تنصب اعتراضات كبار الكتاب، والسياسيين ومنهم مؤيدون لترامب، على نهج سياسته الخارجية، بتعبيرات لا تكتفي بوصفها بالفشل، بل والإضرار بمصالح الشعب الأمريكي وأمنه القومي، فإن هذه الموجة المتصلة المتصاعدة، تفرز معاني، إذا كانت تخص بلادهم، فإنها تحدث انعكاسات على دول أخرى ارتبطت مع الولايات المتحدة لسنوات طويلة، بتعاقدات ترتكن عليها في إدارة ما يتعلق بأمنها القومي ومصالح شعوبها.
من ثم يكون السؤال: هل نظل نرى ونبصر شؤوننا من المنظار الأمريكي، أم أنه قد آن الأوان، لكي تتشكل لنا نظرتنا الذاتية، أمنيا، ووطنيا، وقوميا؟.
أحد كبار الكتاب المرموقين – نيكولاس كريستوف – طرح السؤال بهذه الكلمات المختصرة:
من الذي يثق في أمريكا في عهد ترامب؟…
ويلحق بالسؤال في سياق مقاله، تعبير «التزيب المتعمد، وهو ما يسميه ترامب سياسة».
في نفس السياق كان تعبير الكاتب روجر كوهن في النيويورك تايمز: إنه يوما بعد يوم تعمل تصرفات الرئيس على تفكيك فكرة الثقة. فالنظام العالمي الذي تقوده أمريكا من بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، قام على تعهدات مقنعة للحلفاء. وهذا شيء قد مات. وأن ما سيحل محله هو أمر غير واضح. في مواجهة التناقضات.
ثم يسأل: أين نحن الآن في الشرق الأوسط؟.
وحيث أن مصداقية أمريكا بدأت تتآكل منذ أوباما.
وراحت التعبيرات تتوالى في وصف السياسة الخارجية لترامب، انتقالا من تصرفاته ما بين قضية وأخرى، وصولا إلى آخر مواقفه في سوريا، بسحب قوات أمريكا، وإفساح المجال لأردوغان لغزو سوريا، والهجوم على الأكراد الذين وصفوا بحلفاء أمريكا في دحر تنظيم داعش.
ثم القول بأن ما معناه من خيانة للأكراد، وتعريضهم لخطر جرائم حرب على يد تركيا، سيجعل سجل التاريخ الأمريكي ملطخا بالدم.
إن التشكيك في مصداقية سياسة ترامب الخارجية مستمر حتى من جانب المقربين منه، ومنهم مؤيدين له. فمثلا – مبعوثة الخاص السابق بريت مكورك، علق على وصف ترامب لحلفائه الأكراد بأنهم ليسوا ملائكة، بقوله أنه تعبير فاحش، وكلام يتسم بالجهل.
أيضا ميتش مكونيل أحد الجمهوريين البارزين وزعيم الأغلبية بمجلس الشيوخ، اتهم ترامب بخلق كابوس استراتيجي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بسحبه القوات الأمريكية من أجزاء من سوريا.
ومكونيل لحق بذلك بالجمهوريين الذين أصبحوا ينتقدون الرئيس علانية، مع إنهم كانوا حريصين على إبقاء انتقاداتهم له داخل جدران حزبهم.
ومكونيل لجأ إلى عرض آرائه في صحيفة واشنطن بوست، التي درجت على انتقاد ترامب، وقال : لقد رأينا داعش تنتعش في العراق بعد انسحاب أوباما. وسوف نرى مثل هذه الأحداث تتجدد في سوريا وأفغانستان لو تخلينا عن شركائنا، وانسحبنا من هذه النزاعات، قبل أن يتحقق النصر لأطرافها.
وإذا كان ترامب قد وصف الحروب في منطقة الشرق الأوسط بأنها بلا نهاية، فمن حقنا نحن شعوب المنطقة، أن نسأل:
ومن الذي صنع هذه الحروب وأشعل نيرانها؟.
… أليست أسبقية المصالح الأمريكية العسكرية، والاقتصادية، بالالتزام بتبادلية المصالح؟.
إن صنع هذه الحروب بما يستجيب لاحتياجات الصناعات العسكرية الأمريكية، وبالتالي الاقتصاد المدني المتداخل مع صناعات السلاح، كانت له خطط وأدوات، معترف بها من جانب الأمريكيين أنفسهم، لصنع الفوضى الخلاقة والحروب بالوكالة، وما يلزمها من تنشيط منظمات إرهابية، وتسليحها بوسائل التكنولوجيا الحديثة، خدمة لهدف الحروب بلا نهاية.
ثم كان هذا التعبير المنشور ضمن مقال على الصفحة الأولى للنيويورك تايمز، بأن ترامب قد أفسد سنوات من العمل في الشرق الأوسط.
إن هذه التوصيفات للسياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط، على وجه الخصوص، يفترض أن تدفع دول المنطقة إلى لحظة استيعاب لكافة معانيها وأبعادها، والبدء بلا أي تردد في صياغة استراتيجية علمية وموضوعية وقومية، تستند إلى قواها الذاتية – صلبة وناعمة – من أجل حماية شعوبها، ومصالح أمنها القومي.
وإذا كان ما قيل في أمريكا عن ضياع الثقة في سياستها الخارجية، من جانب حلفائها، هو جرس إنذار مبكر للجميع، فإن الوثائق الأمريكية المعلنة تقول أن هذا التغيير ليس وليد اليوم، بل كانت له مقدمات في عهود رؤساء سابقين لكن ما كشف عنها الغطاء، أن ترامب أكثر اندفاعا في سياساته، حتى ولو كانت صادمة لأصدقاء وحلفاء تقليديين وهو اندفاع كان سابقوه يحرصون على عدم الكشف كلية عن خباياه.
إننا الآن أمام لحظة تاريخية فاصلة، في حياة أمتنا العربية، وإذا كان من ينبهون إلى تبعاتها الخطيرة هم أنفسهم أمريكيون، فليس معقولا ولا منطقيا أن نصم الآذان عن سماعها واستيعاب معانيها، والتصرف بما يحقق مصالح دولنا أولا، لا أن نجلس في صفوف المتفرجين، ننتظر ما سوف يفعل بنا.