نوافذ : «إنجاب الأطفال .. ليس بطولة»

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

العنوان (منقول) من قصة؛ يبدو؛ أنها واقعية، وقد انتشرت عبر وسيلة «الواتس أب» مع مطلع هذا الأسبوع، وملخصها أن ابنتين تعيشان في أسرة واحدة، وتدرسان في مدرسة واحدة، أحدهما تأتي إلى المدرسة، في أحسن صورة، والأخرى؛ على العكس من ذلك تماما، وعندما عزمت بعض المدرسات في ذات المدرسة تتبع حالة الطالبتين، وجدن أن الطالبة المعتنى بها بنت للزوجة الثانية، وأما الأخرى المهملة فهي بنت الزوجة الأولى المطلقة، لذات الأب وهناك تفاصيل أخرى للقصة، ليس هنا مجال مناقشتها.
منذ أعمارنا الصغيرة، ونحن نعايش هذه الحالات الاجتماعية التي تقوّض مفهوم «اجتماعية الإنسان» سواء هذه الاجتماعية التي يعيشها كل منها مع نفسه وأسرته، أو الأخرى التي يتقاسمها مع الآخرين من حوله، وعلى الرغم من التجربة الكبيرة، والطويلة، والعميقة في الشأن الاجتماعي، إلا أن حالات التناقض في السلوك، وفي الأداء، وفي الممارسة في كل ما يخص الجانب الاجتماعي، يعيش؛ وللأسف الشديد؛ حالة من اللامبالاة، تقوّض، أي مكتسب اجتماعي قطعته المجتمعات الإنسانية طوال سني تجربتها الحياتية، وكأن الإنسان يعود في كل مرة إلى مربعه الأول، ليبدأ رحلة البحث عن الذات؛ إن تجوز التسمية؛ من جديد، وفي كل مرة يعيد إنتاج أخطائه، ويكررها.
ومن أهم الأمثلة في هذا الجانب، هي العلاقة القائمة بين الطفل؛ الذي للتو يبدأ خطواته الأولى نحو الحياة؛ وبين هذا الكبير الذي خبر الحياة في جوانب كثيرة، واستطاع؛ عبر هذه التجربة؛ أن يقف على الكثير من القضايا والمشاكل، وأن يستخلص الدروس والعبر، وأن يجد الكثير أيضا من الحلول لمشاكله، ولكن مع ذلك ظل الطفل كما هو حاله، يرى في الكبير الأمل المنشود لاستيضاح أكثر لدروب الحياة، ولم ينل إلا الفتات، وظل الكبير، كما هو مستأسد على هذه اللبنات ويشكلها وفق ما تنادي به غرائزه، وما تذهب إليه نفسه الأمارة بالسوء، ولذلك ظل البون شاسعا، والقليل القليل من استفاق من غفلته، وأعطى الطفولة حقها من الاهتمام والرعاية.
وهذه المفارقة الاجتماعية في السلوك الإنساني بين الطرفين، لا يعيش مأزقها الأطفال من ذوي الأمهات «المتباينات» كزوجتين لرجل واحد، وإنما كثيرا ما سمعنا عن أطفال يعيشون تحت وطأة التعذيب، وهم أبناء رجل واحد، وأم واحدة، في حالات صادمة من الممارسات الغريبة والعجيبة التي تصدر من عقلاء؛ كما يفترض؛ ويصدرانها عبر هذه الأجساد الطرية، ويكون الناتج وجود أنفس مشوهة نفسيا، ومختلة عقليا يحتضنها المجتمع، حيث تكون كلفتها الاجتماعية، أكثر بكثير من عوائدها التي يفترض أن ترفد بها المجتمع، ليكون مجتمعا صالحا يعتزّ بأفراده، وهذه من الإشكاليات العميقة؛ كما أتصور؛ التي تعيشها كثير من المجتمعات، وخاصة؛ المجتمعات النامية، التي تكرس التسلط، والتشدد، وإعلاء الصوت الواحد في الكثير من العلاقات القائمة بين أفراده.
في المسافة التي تفصلنا بين الجهل والوعي، تحدث؛ غالبا؛ هذه الإربكات في مختلف جوانب الحياة، ولكن لأن الجانب الاجتماعي هو الجانب الحساس في كل العلاقات، تظل هذه الإرباكات مزعجة، وخطيرة، لأنها تقدم للمجتمع أفرادا مشوهين يضيفون أعباء أخرى للمجتمع، بدلا من أنهم يضاعفون من القيم المضافة التي تعلي من شأن المجتمع، وتساعده على الإسراع في الالتحاق بركب المجتمعات التي تعتمد التطور والتقدم منهج حياة.
ربما تشكل الأسر «النووية» اليوم بارقة أمل في التخلص من إرباكات العلاقة القائمة بين الأطفال والكبار، وذلك لمحدودية عدد أفراد الأسرة، واهتمام الأسرة بعدد أفرادها القليلين، فالعناية بطفلين أو ثلاثة أطفال بالكثير، غيره، العناية بخمسة أو ستة أطفال، ووجود منزل واحد حاضن لأسرة واحدة، غيره، وجود منزل واحد حاضن لثلاث أو أربع أسر، سواء من حيث الاهتمام، والعناية، والتركيز، والقدرتين؛ المادية والمعنوية في التحكم الآمن لمصير جميع أفراد الأسرة.