القمة الروسية – الإفريقية.. آفاق واعدة

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –
استحوذت القمة الروسية – الإفريقية في روسيا الاتحادية على اهتمام كبير من خلال الانفتاح الروسي المتأخر نوعًا ما على إفريقيا رغم أن هناك علاقات تقليدية بين عدد من الدول الإفريقية وروسيا في حقبة الاتحاد السوفييتي السابق خاصة تلك الدول التي كانت ذات توجهات اشتراكية ويسارية.
كما أن تلك القمه أعطت مؤشرات على أن روسيا أصبحت أكثر استقطابًا لعدد من الدول الإقليمية في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وقد رأينا الموقف الروسي الحاسم أثناء الأزمة السياسية في فنزويلا ووقوف موسكو مع الحكومة في كاراكاس.
ومن هنا فان روسيا تعيد دورًا تاريخيًا لعلاقات مع كتلة دول عدم الانحياز والتي كانت إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية أبرز محاوره الاتحاد الإفريقي والذي ترأسه مصر كان يمثل الجناح الإفريقي في القمة.
وعلى مدى عدة أيام كانت هناك مناقشات ورؤى حول تطوير تلك العلاقات والدفع بها إلى الأمام على الصعيدين السياسي والاقتصادي والسياحي كما أن موسكو لها أهداف استراتيجيه في إطار انفتاحها على المجموعات الإقليمية فالرئيس بوتين يملك أدوات مهمه في الداخل فهو لا يعاني من ضغوط كبيرة على غرار الرئيس الأمريكي ترامب كما أن الاقتصاد الروسي تحسن كثيرًا في السنوات الأخيرة بعد سنوات من الركود في أعقاب تفكك الاتحاد السوفييتي السابق.
كما تأتي تلك القمه الروسية – الإفريقية في إطار الاستقطاب لإفريقيا التي تمتلك ثروات طبيعية كبيرة وسوق واعدة وفرص استثمارية تنبهت لها الصين العملاق الآسيوي مبكرًا ومن هنا فإن المنافسة أو الاستقطاب الروسي لإفريقيا يأتي أيضًا من خلال المنافسة مع الصين وحتى فرنسا.

بين الاستقطاب والتبعية

منذ استقلال الدول الإفريقية وانتهاء الاستعمار الغربي وقيام منظمة الوحدة الإفريقية التي تحولت بعد ذلك إلى الاتحاد الإفريقي وهناك حركة تنموية واعدة في إفريقيا وهناك جهود سياسية متواصلة لإنهاء المشكلات بين الدول الإفريقية حتي تتفرغ القارة لمزيد من التحولات الاقتصادية وجلب الاستثمارات، ونحن نتحدث دومًا عن النموذج الأبرز في أفريقيا وهي رواندا والتي خرجت من براثن الحرب الأهلية لتصبح واجهة استثمارية وتجارية.
ولا يمكن الحديث بعد استقلال الدول الإفريقية بعد نصف قرن من الهيمنة الغربية عن استقطاب روسي- صيني لإفريقيا بل يمكن الحديث عن اهتمام بدول القارة من خلال الفرص الاستثمارية والتعاون المشترك وهو الأمر الذي أدركته القيادة الروسية وعقدت من خلالها القمه والتي تعد استكشافًا لإيجاد روابط قوية من التعاون الاقتصادي والاستثماري وحتى السياحي.
فهناك الملايين من الروس الذين يجوبون العالم للسياحة، كما أن الخبرة الروسية في مجال النفط والغاز كبيرة وينظر إلى أفريقيا على أنها منجم ينبغي اكتشافه، كما فعلت الصين مبكرًا واصبح لها استثمارات في إفريقيا تتعدى 100 مليار دولار حسب التقديرات الأخيرة للمؤسسات المالية الدولية.
إذن تحولت القارة الإفريقية من التبعية إلى التعاون والندية في العلاقات الثنائية ومن هنا يأتي المؤتمر الأفريقي-الروسي ليعطي زخمًا كبيرًا لعلاقات أوسع وتنسيق أكبر في عدد من المجالات الحيوية، كما أن روسيا تنظر إلى الحيز الجغرافي الإفريقي من خلال منظور استراتيجي من خلال الرؤية الأوسع للسلام والاستقرار في إفريقيا خاصة في مجال الإرهاب خاصة في الدول الإفريقية جنوب الصحراء كمالي وتشاد وغيرها من الدول وهناك الصحراء الليبية والخوف من امتدادات داعش بعد هزيمته في سوريا والعراق.

التواصل التاريخي

ترتبط إفريقيا والاتحاد السوفييتي السابق بعلاقات تاريخية حيث لعبت موسكو دورًا مهمًا خلال ثورات التحرير من الاستعمار الغربي وهناك مساعدات عسكرية ومدنية قدمتها موسكو للدول الإفريقية خاصة تلك الدول التي تنتهج أيديولوجية يسارية أو شيوعية، كما هو الحال في أمريكا اللاتينية أو جنوب شرق آسيا حيث تواجدت الحروب والصراعات بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وظهور الاستقطاب الروسي – الأمريكي من خلال الحرب الباردة والتي كانت إفريقيا من أماكنها البارزة، حيث وجود الثروات الطبيعية والموقع الاستراتيجي والتهديدات المحتملة وعلى ضوء تلك العلاقات التاريخية بين إفريقيا وروسيا الاتحادية جاء المؤتمر الأخير ليعيد شيئا من الدفء لتلك العلاقات بعد سنوات من انكفاء روسيا داخليا من خلال المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والتي أعقبت تفكك الاتحاد السوفييتي في نهاية عقد الثمانينات من القرن الماضي.
القمه الإفريقية-الروسية تعد من القمم المشتركة المهمة، وهي تعطي مؤشرًا إلى تحرك روسي نشط في المنطقة العربية وروسيا في ظل التراجع الأمريكي بالمنطقة ومن هنا فان التنافس على إفريقيا أصبح الآن بين الصين وروسيا، وهو تنافس على التعاون وفتح الأسواق والاستثمار علاوة على قضايا استراتيجية تهم موسكو وبكين.
ومن خلال المؤتمر فتحت ملفات أساسية في مجالات مدنية وعسكرية، حيث لا تزال إفريقيا سوقًا مهمةً للسلاح الروسي وهناك دول تعد ذات تسليح روسي ومنها مصر لعقود عديدة وحتى السودان وأثيوبيا وليبيا والجزائر وغيرها من الدول والتي ارتبطت في عقدي الخمسينات والستينات بعلاقات قوية مع الاتحاد السوفيتي السابق، ومن هنا فان العلاقات بين روسيا وإفريقيا ومن خلال تلك القمة تستعيد شيئا من ذالك الماضي والذي شكل محورًا مهمًا في الدعم الروسي للقارة الإفريقية.
مجالات التعاون الثنائي التي بحثتها القمة عديدة وإفريقيا تحتاج إلى الخبرة الروسية في مجالات عديده أهمها قطاع الغاز والنفط والقطاع اللوجستي والاستثمار والسوق المفتوحة علاوة على الهواجس الأمنية في القارة وفتح آفاق جديدة من العلاقات المتطورة بعيدًا عن الاستقطاب والحرب الباردة وهناك فرص واعدة في القارة السمراء استشعرتها الصين خلال العقدين الأخيرين، حيث أصبحت بكين اكبر مستثمر في إفريقيا وهنا يمكن تفسير التحرك الروسي في الفضاء الإفريقي، وربما يكون ذلك ميزة لإفريقيا من خلال المنافسة الاقتصادية من قبل الدول الكبرى بهدف استقطاب المزيد من الاستثمارات والفرص الواعدة والتي تتوفر في إفريقيا بشكل كبير فالبنية الأساسية في إفريقيا تحتاج إلى مزيد من استقطاب رؤوس الأموال وهناك حاجة إلى التكنولوجيا المتطورة علاوة على شبكات حديثة للسكك الحديدية والمطارات واستغلال الثروات الطبيعية لصالح الشعوب الإفريقية وإيجاد مقاربة لرؤية اقتصادية تقترب من دول جنوب شرق آسيا.

آفاق العلاقات

وعلى ضوء مخرجات القمه الروسية – الإفريقية من بيان متفائل فان هناك توافق على رؤية تلك العلاقات الواعدة في المرحلة القادمة لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه من اتفاقيات ومذكرات تعاون تعيد تلك العلاقات التاريخية إلى سابق عهدها ولكن من خلال أسلوب التعاون الاقتصادي وفي مجال مكافحة الإرهاب وفي مجال استقطاب الاستثمارات الروسية إلى إفريقيا.
والخطوة الأولى قد انطلقت في مجال تعزيز تلك العلاقات خاصة وان الرئيس الروسي بوتين اصبح اكثر انفتاحا على منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا حيث الدور الروسي في سوريا كما أن الزيارات الأخيرة لبوتين لعدد من دول المنطقة تعطي مؤشرًا على اهتمام روسي متزايد بالمنطقة في إطار التراجع الأمريكي.
ومن خلال المؤشرات فان نتائج تلك القمة كانت إيجابية ويمكن لروسيا أن تكون شريكًا اقتصاديًا فاعلًا لإفريقيا خاصة وأنها تراقب الصين وهي تتوسع في مجال الاستثمار في إفريقيا بشكل كبير، ومن خلال النظرة المستقبلية لإفريقيا فإن هذه الأخيرة سوف تكون المستفيد الأكبر من خلال الاهتمام الروسي وقبله الاهتمام الصيني ونأمل أن يكون هناك اهتمام عربي بالقارة السمراء والتي تعد جزءًا أصيلًا من الجغرافيا العربية.
روسيا أصبحت في قلب المشهد الإفريقي وعقد قمة في روسيا مع إفريقيا يعني تطورًا كبيرًا واتجاهًا لبناء تعاون مهم في كل المجالات مع قارة واعدة بها عدد كبير من الفرص في المجال الاستثماري والتجاري وبناء قاعدة صلبة من الإنشاءات المدنية ومن هنا فإن آفاق العلاقات الروسية – الإفريقية تتجه بشكل إيجابي يعزز من نجاح تلك العلاقات ويعطي مؤشرًا بأن مستقبل إفريقيا يبشر بالخير وفق المعطيات الموجودة في الأرض الإفريقية ولعل إنهاء الخلافات الإفريقية سوف يكون المدخل الصحيح نحو بناء إفريقيا الجديدة المتطورة والتي تملك إمكانات ومقدرات تضعها في مصاف الدول المتطورة في العالم.