أدوات روسية تحتاجها إفريقيا اليوم وغدًا

د. عبد الحميد الموافي –

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أشار في مؤتمر قمة سوتشي إلى أن الناتج المحلي الإجمالي للقارة الإفريقية سيصل في عام 2050 إلى نحو 29 تريليون دولار، وهو حجم هائل بالتأكيد. وقد أعرب بوتين عن أمله في زيادة التبادل التجاري مع إفريقيا، البالغ الآن نحو 20 مليار دولار، تستحوذ مصر منها على 7.7 مليار دولار، أي بنسبة 40 % تقريبًا، من جانب آخر ألغت موسكو، خلال قمة سوتشي، 20 مليار دولار من الديون المستحقة لها على دول إفريقية، وهي خطوة تعزز ما قامت به موسكو عام 2009 من إلغاء بعض ديونها الإفريقية.

في الوقت الذي اتجهت فيه دول إفريقية متزايدة -جنوب الصحراء بالطبع- نحو استعادة قدراتها الذاتية على النمو والسير بخطى حثيثة للإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وتجاوز سنوات المواجهات المسلحة والحروب الأهلية وتمدد الجماعات الإرهابية، خاصة في تسعينات القرن الماضي والعشرية الأولى من هذا القرن، فان أطرافا وقوى دولية وإقليمية أيضا، حرصت، ولا تزال تحرص، على النفاذ إلى إفريقيا، ومحاولة اختراقها والتأسيس لوجود مباشر حينا، وغير مباشر أحيانًا أخرى، وهى تحدث نفسها، أو تمني نفسها بشكل أدق بفرص واعدة، ليست فقط استثمارية وتجارية واقتصادية، ولكن أيضا سياسية وأمنية وعسكرية، متعددة الأبعاد والأشكال، وذلك بحكم ما تتمتع به القارة الإفريقية بوجه عام من موقع استراتيجي، خاصة في الدول الواقعة أو القريبة من سواحلها الشرقية والجنوبية والغربية، فضلا عن الشمالية بالطبع، وبحكم حاجة الدول الإفريقية للاستثمارات الأجنبية وإلى أية مساعدات مخلصة وموثوق فيها ويمكن الاعتماد عليها، في المجالات الأمنية والتدريبية والتسليحية والعسكرية بوجه عام، بالنظر إلى مجموعة التحديات والتهديدات التي تواجهها دول القارة، شمال الصحراء وجنوبها أيضًا.
ومع إدراك أن الدول الإفريقية ترحب عادة بالاستثمارات العربية والأجنبية، للمشاركة في تطوير الموارد الاقتصادية الكبيرة التي تتمتع بها، ولتحقيق المصالح المشتركة والمتبادلة، إلا أن محاولات إنشاء وجود ما لدول أو قوى إقليمية ودولية انفتحت شهيتها على إفريقيا فجأة في السنوات الأخيرة، يتطلب بالتأكيد مقومات وعناصر قدرة لدى تلك الأطراف، وليس مجرد حالة الفقر أو التخلف التي تعيشها بعض الدول الإفريقية، أو التلاعب بالخلافات والصراعات الداخلية بعضها لخدمة طرف أو آخر في ظروف معينة، والاستفادة من ذلك، وهو ما أثبتت التطورات هشاشته إلى حد كبير، وبأكثر من أسلوب في الواقع.
على أية حال فانه ليس من المصادفة في شيء أن تلجأ أطراف إقليمية ودولية إلى التعامل مع إفريقيا على غرار النمط البريطاني عبر الكومنولث، أو النمط الفرنسي من خلال مؤتمرات الفرانكفونية، وإذا كانت بريطانيا وفرنسا – بحكم إمكانياتهما وتاريخهما في القارة السمراء، تملكان القدرة على ذلك، وهو ما يتوفر أيضا بالنسبة للولايات المتحدة والصين وروسيا الاتحادية، بحكم ما تمتلكه تلك القوى من قدرات متعددة، فان الأمر بالنسبة لقوى إقليمية عدة لا يستند على إمكانات قوية أو كافية، ومن ثم يكاد ينحصر في الرغبة أو التطلع إلى بناء وجود ما، ولو مظهري، يسمح برفع الاعلام الوطنية لتلك الأطراف على أراض إفريقية، أو عقد بعض الاتفاقيات في إطار الصراع مع قوى أو أطراف أفريقية أخرى، وهناك أكثر من مثال في هذا المجال، غير أنها في النهاية تعد محاولات قصيرة النفس ومحدودة التأثير من منظور المستقبل إلى حد كبير، ومن ثم لا يعتد بها.
وفي إطار ما يمكن تسميته بالصراع الدولي والإقليمي أيضا على إفريقيا، وهو صراع تدفع إفريقيا ثمنه بالتأكيد، فان مؤتمر قمة سوتشي الروسية الإفريقية، الذي عقد قبل أيام في منتجع سوتشي الروسي، يعد أحدث مظهر من مظاهر محاولات القوى الدولية النفاذ إلى إفريقيا وترتيب وجودها في القارة السمراء عبر رؤى وأدوات تمتد لسنوات قادمة.
وفي هذا الإطار فانه يمكن الإشارة باختصار إلى عدد من الجوانب، لعل أهمها ما يلي:
أولا: إنه مع اليقين أن القارة السمراء تمثل في الواقع أكثر قارات العالم قدرة على التطور والنمو وتحقيق درجة ملموسة من النهوض بمستويات المعيشة لأبنائها، بحكم مواردها الكثيرة والمتنوعة والبكر أيضا، إلى حد كبير، وهو ما تعيه كل الأطراف الإقليمية والدولية دون استثناء، ويفسر الكثير من أهدافها أيضًا، إلا أن القارة الإفريقية من جانب آخر لا تزال تحتاج إلى جهود كثيرة وكبيرة ومتضافرة، لأكبر عدد من القوى والأطراف الدولية لمواجهة المشكلات التي تعيشها القارة السمراء، ليس فقط فيما يتصل باعتبارها المصدر الرئيسي للهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، ولكن أيضا لنمو وتعدد الفصائل الإرهابية، التي أخذت تنمو، مستفيدة من الاتساع الهائل للصحراء الكبرى، بما فيها تنظيمات «القاعدة» و «داعش» و»بوكو حرام» والتنظيمات الجهادية الأخرى في الساحل الإفريقي، وهو ما يتطلب في الواقع تعاونًا دوليًا كبيرًا وحقيقيًا، تشارك فيه أوروبا والولايات المتحدة وروسيا والصين وغيرها، من أجل تقليص التمدد الإرهابي ومحاولة حصره والقضاء عليه خلال السنوات القادمة، إلى جانب مواجهة مشكلة الهجرة غير الشرعية بأساليب تنهض بمستوى الدول الأفريقية المصدرة للهجرة الشرعية والحد من عوامل الطرد الموجودة بها، عبر تنمية توفر فرص عمل وآمال للشباب، وهو ما بدأت أوروبا في التفكير فيه، ولكنه يحتاج إلى إرادة سياسية قوية وقادرة على تحويل المقترحات إلى خطط وبرامج على الأرض، وهو ما يتسع بالضرورة إلى مشاركة مختلف القوى الدولية الأخرى فيه وفق مصالحها. وحتى الآن، على الأقل، فان القوى الدولية تعمل في اطر منفصلة، خاصة بكل منها، ومن منطلق رؤيتها الذاتية لمصالحها، وهو أمر له سلبياته التي تنعكس على الدول الإفريقية بالطبع.
ثانيا: انه من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن موسكو، وهى تعود بقوة وإصرار إلى الساحة الإفريقية، إنما تعود إلى ساحة لعبت فيها أدوارًا قويةً، ولسنوات طويلة في ستينيات وسبعينيات وحتى منتصف ثمانينات القرن الماضي تقريبا، حيث كانت للاتحاد السوفيتي السابق، قبل تفككه عام 1991، قواعده العسكرية، ومعاهدات التعاون العسكري، وصفقات السلاح مع العديد من الدول الإفريقية، شمال الصحراء وجنوبها أيضًا، في إطار الحرب الباردة والصراع السوفيتي الأمريكي الغربي على النفوذ في إفريقيا وغيرها من مناطق العالم. وكان لموسكو أكثر من 40 ألف مستشار عسكري واقتصادي وثقافي في دول أفريقية في عام 1970، وهو ما تأثر بشدة بعد طرد السادات للخبراء الروس في عام 1972 قبيل حرب أكتوبر عام 1973.
ومع أن الظروف اختلفت الآن، سواء بالنسبة لرؤية موسكو لعلاقاتها مع الدول الأخرى ومنها إفريقيا، أو بالنسبة لظروف العديد من الدول الأفريقية التي تسير نحو الأخذ باقتصاديات السوق والحرص على تنويع علاقاتها وارتباطاتها الدولية على نحو يختلف عما كان عليه الأمر من قبل، إلا أن روسيا الاتحادية قادرة، بحكم خبراتها السابقة ورصيدها السابق مع الكثير من الدول الإفريقية، على استعادة خطوط الاتصال، وفتح مزيد من الآفاق أمام تعاون يحقق المصالح المتبادلة مع الدول الإفريقية، خاصة وان أساليب روسيا الآن تحرص على تجنب وصفها أو تصنيفها وفق تصنيفات الحرب الباردة، وهو ما يشجع الدول الإفريقية على التعامل معها، من أجل تنويع ارتباطاتها وعلاقاتها الدولية، خاصة وأن الصين قامت على مدى السنوات الماضية ببناء وجود صيني قوي ومتعدد الأشكال في إفريقيا وعلى نحو غير مسبوق، ولا سيما في مجال التنقيب عن النفط واستغلاله، وفي مجال استغلال الموارد المعدنية الإفريقية النادرة ومنها اليورانيوم والألماس وغيرها، وهو ما سيتدعم أكثر في إطار استراتيجية….. والطريق الهادفة إلى ربط الصين بالعالم. ومن المؤكد أن القوى الدولية الأخرى، ولا سيما فرنسا والصين والولايات المتحدة وبريطانيا ترصد عن قرب هذا التحرك الروسي النشط وتدرس ما يمكن أن يترتب عليه من نتائج بالنسبة لها، الآن وفي المستقبل.
ثالثا: إن مما له دلالة عميقة أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أشار في مؤتمر قمة سوتشي إلى أن الناتج المحلي الإجمالي للقارة الإفريقية سيصل في عام 2050 إلى نحو 29 تريليون دولار، وهو حجم هائل بالتأكيد.
وقد أعرب بوتين عن أمله في زيادة التبادل التجاري مع إفريقيا، البالغ الآن نحو 20 مليار دولار، تستحوز مصر منها على 7.7 مليار دولار، أي بنسبة 40 % تقريبًا، من جانب آخر ألغت موسكو، خلال قمة سوتشي، 20 مليار دولار من الديون المستحقة لها على دول إفريقية، وهي خطوة تعزز ما قامت به موسكو عام 2009 من إلغاء بعض ديونها الإفريقية، وهو ما يفتح المجال أمام زيادة معدلات التبادل التجاري بين موسكو وإفريقيا.
من جانب آخر، فإن موسكو تمتلك في الواقع أدوات هامة لتعزيز آفاق علاقاتها مع إفريقيا، برغم التنافس الشرس الذي تواجهه من قوى دولية أخرى، فموسكو تقوم بتوفير صفقات السلاح المتطور والرخيص الثمن نسبيا لدول إفريقية، وقد تم عقد بعض الصفقات خلال معرض السلاح الروسي في يونيو الماضي ومنها مالي على سبيل المثال. كما تقوم بتقديم تسهيلات التدريب في معاهدها العسكرية، والقبول باستيراد المنتجات الزراعية والمعدنية الإفريقية لتسديد ثمن صفقات السلاح أو جزء منها، كما تقوم بالتعاون الأمني والاستخباراتي، وحتى التعاون في المجالات النووية مع بعض الدول الإفريقية مثل: مصر والجزائر، وبتسهيلات مغرية. على أية حال فإن التحرك الروسي النشط في إفريقيا الآن هو في جانب منه محاولة روسية لتأكيد قدراتها ودورها الدولي المتنامي على نحو ملحوظ، خاصة في الشرق الأوسط وإفريقيا، وهو ما يأتي على حساب النفوذ الأمريكي الذي يتقلص بشكل متعمد من جانب إدارة ترامب.
ويبقى التساؤل هو إلى أي مدى يمكن أن تتوافق موسكو وبكين في العمل في إفريقيا، خاصة انه إذا تم ذلك فانه سيؤثر بالتأكيد على الأوضاع الاستراتيجية في القارة السمراء لعقود قادمة؟.