روسيا والروابط التجارية بأفريقيا.. البداية المتواضعة

يسرا الشرقاوي –

في وصف العلاقات التجارية والاقتصادية بين روسيا والقارة الأفريقية على خلفية القمة التي جمعت الطرفين وعقدت مؤخرا في «سوتشي» الروسية، علق موقع «يورو نيوز» الإخباري الأوروبي معتبرا الشراكة الواعدة بمثابة تمهيد لـ«مكاسب متبادلة». وتعليق الموقع الأوروبي دقيق، ولكن ينقصه التوضيح أن مجريات القمة تعكس مجرد «بداية» لعلاقة المكاسب المنتظرة، والتي ينقصها الكثير من الدفع والتطوير.

وفقا للتقارير الإعلامية، وفي مقدمتها تغطية صحيفة «فايننشال تايمز» المتخصصة في الشؤون الاقتصادية، فإن إجمالي الاتفاقات التي تم التوصل لها بين الجانبين الروسي والأفريقي خلال قمتهما، بلغت 12.5 مليار دولار. أما عن تفاصيل تلك الاتفاقيات، فإن أغلبها يتعلق بتمديد وتعظيم التفاهمات القائمة والمتعلقة بالإمدادات الروسية من السلاح، ما يبرز عنصر «عدم التوازن» في العلاقة التجارية، وذلك لصالح روسيا. ولا تعتبر هذه التفصيلة تحديدا مفاجئة، خاصة وأن معهد استكهولم لأبحاث السلام الدولي سبق وكشف عن أن مبيعات روسيا من منتجات السلاح إلى الدول الأفريقية في عام 2017 تضاعف عن معدلاته قبل خمس سنوات.
فإجمالي اتفاقيات توريد السلاح الروسي إلى حوالي 30 دولة أفريقية تبلغ قيمتها 14 مليار دولار، وبعض هذه الاتفاقيات تتم في هيئة مساعدات من جانب موسكو لدعم الدولة المستهدفة وإحراز مكاسب جيوسياسية. ورغم أن الصين والولايات المتحدة يعتبران موردين لا يستهان بهما فيما يتعلق بالسلاح إلى دول القارة الأفريقية، إلا أن روسيا تتقدمهما بتوريدها نحو 40% من إجمالي السلاح الوارد إلى القارة الأفريقية بين عامي 2013 و2017. وبخلاف قطاع السلاح، شهدت القمة الثنائية اتفاقيات تتعلق بقطاع تعدين وصناعة الماس، وصادرات الخنازير.
الاتفاقيات الثنائية تناولت أيضا قطاعات استراتيجية في مقدمتها توقيع «لوكاويل» شركة البترول الروسية مذكرة تفاهم للتنقيب والحفر في غانا الاستوائية ونيجيريا. كما أبرمت «روزاتوم» اتفاقا مبدئيا لتشييد مفاعل نووي في إثيوبيا. هذا الجانب الأخير، عكس مع وصفه موقع «كوارتز» الإخباري بـ «دبلوماسية الطاقة».
فقطاع الطاقة الأفريقي بمختلف تفريعاته أصبح وجهة رئيسية للاستثمارات الروسية خلال السنوات الأخيرة، وتحديدا مع تركيز موسكو استثماراتها بقطاعات الطاقة في دول غانا، ومدغشقر، وليبيا، مع تنافس قوي من جانب الشركات الروسية على خلق موضع قدم قوي لها في أسواق الطاقة الناشئة بالقارة الأفريقية كما هو الحال بالنسبة إلى مصر وموزمبيق.
تبدو الإنجازات قوية ومبشرة وتحقق الحلم الأفريقي الخاص بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وفقا لتعليق تقرير مجلة « فورين بوليسي» المتخصصة والصادر بتاريخ 25 أكتوبر الماضي.
وفقا للتقرير المعنون بـ «بوتين لديه حلم لأفريقيا»، فإن استضافة بوتين لقمة «سوتشي»، ومحاولته إنعاش الروابط التجارية والاقتصادية بين الجانبين، تعتبر محاولة لتجديد العلاقات التاريخية التي سبق وخلقها الاتحاد السوفييتي. فموسكو قديما كانت ذات تأثير استراتيجي قوي في محيط القارة الأفريقية، وذلك اعتمادا على أكثر من نقطة ارتكاز فاعلة. تلك النقاط الارتكازية كان أولها وأهمها، مبدأ «الدعم» لمساعي التحرر لدول القارة الأفريقية المستعمرة من جانب قوى أوروبية، ذلك التاريخ من دعم مساعي التحرر، حقق لروسيا شعبية في الأوساط الأفريقية سواء على المستوى الشعبي أو النخبوي السياسي والاقتصادي.
وحول نقطة الارتكاز الخاصة بـ «دعم التحرر»، كانت تتشعب نقاط أخرى مساعدة لدعم العلاقات الثنائية بين الجانبين الروسي والأفريقي، توريد السلاح كان أحداها، والعلاقات التجارية والاقتصادية المتنوعة كانت بينها. ويوضح ريد ستانديش، كاتب تقرير الـ « فورين بوليسي» ، أنه بالرغم من أن القارة الأفريقية لا تشكل في الوقت الحاضر «رأس» أولويات السياسة الخارجية بالنسبة إلى روسيا، بالمقارنة مع قطاع شرق ووسط أوروبا، مثلا، إلا أن للقارة أهمية استراتيجية مستمرة بالنسبة إلى موسكو. ويقول ستانديش أن «الكرملين يرى أنها تربة خصبة لتعميق العلاقات مع شركاء قدماء وجدد، ومزج السياسة بالأعمال للنيل من العقوبات الغربية ودعم المكانة الجيوسياسية لروسيا فيما تحرز نقاط على حساب الولايات المتحدة».
ولكن القراءة الدقيقة لطبيعة الاتفاقيات التي تمت خلال القمة الأخيرة ولتفاصيل إجمالي مشهد العلاقات التجارية والاقتصادية بين الجانبين الروسي والأفريقي، يكشف عن أن المسألة لا تزيد عن مجرد «بداية متواضعة». فيلاحظ أن إجمالي حجم التبادل التجاري بين الجانبين، وذلك وفقا لما كشفه الرئيس الروسي بوتين، تبلغ 20 مليار دولار، ما يشكل 10% من إجمالي حجم التبادل التجاري بين دول القارة الأفريقية والصين. ويلاحظ، أيضا، أن هناك خللا واضحا في توزيع علاقات التبادل التجاري. فحوالي 40% من إجمالي حجم التبادل التجاري بين الجانبين، بقيمة 7.7 مليار دولار، يتم بين روسيا ومصر، ليترك ذلك 60% من التبادل التجاري مع باقي دول القارة الأفريقية. ووفقا لتقرير « فورين بوليسي»، فإن أوجه القصور في العلاقات التجارية والاقتصادية بين الجانبين لا يمكن التغلب عليها في ليلة وضحاها، خاصة وأن التنافس قوي ممثلا في الصين ومشروعها لإنشاء محور الحزام والطريق، والذي يربط عددا من دول القارة الأفريقية عبر شبكة من المشاريع التنموية والاقتصادية، وتحديدا تلك المشاريع المتعلقة بدعم وتطوير قطاع البنية التحتية وقطاع الاتصالات. وتعتبر مساعي روسيا للعودة كشريك تجاري واقتصادي مفهومة وذات فرصة نجاح كبيرة. فروسيا تسعى إلى تجاوز أزماتها مع العقوبات والتحرشات السياسية من جانب الولايات المتحدة وأوروبا، عبر التعاضد مع الدول الأفريقية. وتنتهز في سبيل ذلك عدة عوامل.
أولها، الاحتياج الأفريقي لتعدد نقاط التحالف، خاصة وأن الشراكات مع دول الاتحاد الأوروبي عادة تكون مرهونة باشتراطات سياسية واجتماعية محددة. كما أن الولايات المتحدة قد تراجع اهتمامها بالشأن الأفريقي إجمالا، سواء منذ عهد الرئيس السابق باراك أوباما وتركيزه على سياسة «التوجه نحو آسيا»، أو في عهد خلفه دونالد ترامب وتوجهاته اليمينية المتشددة، التي تتضمن مواقف معلنة وعنصرية إزاء دول القارة.
كانت روسيا ماثلة لاستغلال فرصة تراجع التواجد الأمريكي تحديدا، والأوروبي بدرجة أقل، لتحقيق مكاسب منشودة تتمثل في خلق مسار جديد للالتفاف على العقوبات والضغوط الغربية من جانب، ومناطحة كل من بروكسل وواشنطن داخل محيط النفوذ المنسي حاليا من جانبهما. إلا أن الأزمة بالنسبة لفرص الشراكة التجارية والنفوذ الاقتصادي لموسكو تبدو بالغة المحدودية إذا ما تمت مقارنتها بالخطوات الشاسعة التي قطعتها الصين في سبيل تدعيم الشراكة الاقتصادية والسياسية أيضا مع دول القارة الأفريقية.