روسيا – افريقيا.. تحديات الواقع وآفاق المستقبل

إميل أمين –

جاءت قمة سوتشي الأخيرة التي عقدت منذ نحو أسبوعين على أراضي روسيا الاتحادية لتفتح الآفاق واسعة ومن جديد لمزيد من التعاون الروسي الافريقي، وذلك بعد نحو ثلاثة عقود من أفول حظوظ موسكو في القارة السمراء، تلك التي كان لها فيها نفوذ واسع في ستينات وسبعينات القرن الماضي.

تدرك روسيا الاتحادية وبقيادة الرئيس فلاديمير بوتين أن القارة السمراء سوف تكون محط الأنظار ومحل الصراع في القرن الحادي والعشرين، وذلك لأسباب مختلفة ربما في المقدمة منها انها لا تزال قارة بكر، مليئة بالخيرات الطبيعية، كما أن نسبة بالغة من دولها في حاجة حتى الساعة إلى المزيد من التنمية، والى معطيات دولية جديدة تفتح أمامها آفاق الاستثمار والاستقرار، وذلك بعد أن يستتب الأمن في ربوعها وتتجاوز الخلافات الأهلية.
كانت قمة سوتشي في واقع الأمر بداية ناجحة اذ شارك فيها 54 دولة وحضر منها 43 قائد من قادة دول افريقيا، ما يعني أن روسيا عازمة على انطلاقة جديدة تتجاوز الأخطاء التي ارتكبت في العهد السوفييتي تحت قيادة الحزب الشيوعي.
والشاهد أن تعزيز روسيا علاقاتها مع افريقيا أمر لا يخلو من لمحات ولمسات الصراع القطبي الكبير بين موسكو وبكين وواشنطن، الأمر الذي لفت اليه الانتباه البروفيسور «الكسندر زدانيفيتش» كبير المحاضرين في قسم الشؤون الافريقية بجامعة سان بطرسبرج بقوله: «منافسونا الرئيسيون في القارة، كما في الأيام الخوالي، دول الاتحاد الأوروبي الحالية، وعلى رأسها فرنسا والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة، بالإضافة إلى الصين، ومشيرا ايضا إلى أن الهند تحتل مكانة عالية ومرموقة هناك».
تسعى روسيا الاتحادية في الآونة الاخيرة إلى إقناع الافارقة بأنهم موثوقون وواعدون من وجهة نظر استراتيجية، وسياسية، واقتصادية، وبالتالي فان موسكو سوف تشكل مدارا معينا من البلدان التي ستكون لها ريادة وقيادة متقدمة في العقود القادمة.
ولعل الخطوة الطيبة التي قامت روسيا عليها بالنسبة لدول افريقية محملة بالديون منذ زمن طويل هو إلغاء هذه الديون وتحويلها الى أدوات للتنمية، ما يعني تعزيز الشراكات الافريقية الروسية في قادم الأيام.
تكتب المحللة السياسية «غالينا دودينا»، من صحيفة «كومرسنت» الروسية مشيرة إلى انه منذ الحقبة السوفيتية بقيت مديونية البلدان الافريقية تجاه روسيا تقدر بملايين الدولارات بسبب استيراد الأسلحة السوفييتية انذاك، ووفقا للرئيس بوتين ألغت روسيا ديونا قديمة بذمة الدول الافريقية تجاه الاتحاد السوفيتي تقدر بحوالي 20 مليار دولار.
ولعل الدافع الأول والرئيس في هذه العلاقة المتميزة بين الروس والافارقة بنحو خاص هو قلب الكرملين النابض فلاديمير بوتين، والذي يفكر بعزم ويعمل بحزم، وعنده أن إلغاء الديون السوفييتية المتخلدة بذمة افريقيا منذ الحقبة السوفييتية لم يكن كرما من جانب روسيا فقط، وإنما ايضا مظهرا من مظاهر الواقعية، لا سيما وان العديد من الدول الافريقية غير قادرة على دفع فوائد على هذه القروض، لذلك ارتأى ان إرساء التعاون وفتح صفحة جديدة يعد الخيار الأنسب بالنسبة الى الجميع.
ماذا عن الاستثمارات الروسية في القارة الافريقية؟
الجواب نجده عند «بنديكت اوراما»، رئيس البنك الافريقي للاستيراد والتصدير «افريسكيمبنك»، حيث يكشف عن حجم استثمارات روسيا في افريقيا والتي وصلت إلى نحو عشرين مليار دولار، تتركز غالبيتها في قطاعات الطاقة والتعدين والسكك الحديدية، ومن ضمن هذه المشروعات مشروع الضبعة لتوليد الطاقة النووية وإنشاء مجمع صناعي متطور بمصر.
إحدى اهم نقاط التعاون الافريقي الروسي بنوع خاص التي تستوجب التوقف أمامها هي جزئية التعاون في أسواق الطاقة، وهنا نشير الى جزئيتين مهمتين الأول تتعلق بالنفط، لا سيما وان القارة الافريقية بها الكثير من الدول المنتجة للنفط بغزارة لا سيما نيجيريا، وهناك أخرى بها حقول غير مستكشفة حتى الساعة، وروسيا لها حضور متقدم ومهم في عالم النفط بوصفها من كبرى الدول المصدرة، ولهذا فانها من ناحية تقوم على مساعدة العديد من الدول الافريقية على المزيد من الاستكشافات النفطية لا سيما من خلال زراعها النفطي الكبير المتمثل في شركة «روسنفط» الشهيرة.
ومن ناحية أخرى تعمل على إيجاد وسائل لتصدير والعمل على توازن الاسواق النفطية الافريقية الساعية للصعود إلى العالمية، وهي تدرك جيدا ان اي مربعات نفوذ موصولة بالطاقة تتركها روسيا سوف تقوم بكين بنوع خاص بملئها في القارة الأفريقية.
الجزئية الأخرى في التعاون الروسي الافريقي على صعيد الطاقة تتعلق بالطاقة النووية، والمعروف أن روسيا لها باع طويل في بناء وصناعة المفاعلات النووية السلمية، ولأن غالبية دول افريقيا لا تزال في حاجة إلى المزيد من مصادر الطاقة، ولأن النفط مصدر قابل للنفاذ، لذا فان كثيرا من الدول الافريقية ترى في المفاعلات النووية السلمية التي تجيد روسيا بناءها المفر والمهرب وافضل طريق للالتحام بعصر الصناعة والتقدم من خلال توفير طاقة كهربائية من تلك المفاعلات النووية، وربما يكون المفاعل النووي الروسي الذي تبنيه بالشراكة مع مصر في منطقة الضبعة على ساحل البحر الأبيض المتوسط، مثالا ونموذجا لهذا التعاون، والذي تمتزج فيه العناصر الاقتصادية، بمعنى القروض التي تقدمها روسيا لدول افريقيا، مع الخبرة الفنية والتكنولوجية التي حازتها وتحوزها روسيا طوال السنوات الماضية.
ماذا عن المجالات الأخرى التي يمكن للتعاون الروسي الافريقي أن يجد آفاقا مفتوحة فيها في المستقبل القريب والمتوسط؟
تبقى مساقات التعاون الثنائي بين الجانبين عريضة ومفتوحة، ومن بين أهم المسارات التي تتصاعد أهميتها يوما تلو الآخر، التعاون في جانب التسليح، وهنا فان نظرة تاريخية تبين لنا ماذا جرى في العقود الأربعة المنصرمة.
يمكن القطع بانه حتى أوائل ثمانينات القرن المنصرم كانت نسبة غالبة من دول افريقيا تعتمد على السلاح السوفييتي، وربما هذا ما راكم الكثير من الديون عليها، غير انه ومنذ تسعينات القرن الماضي وبعد الاضطرابات التي جرت في الاتحاد السوفييتي وتفككه، لجأت غالبية تلك الدول إلى سوق السلاح الأمريكي بنوع خاص.
على انه بعد الصحوة الروسية الحديثة التي انطلقت مع الرئيس بوتين، ومع النهضة التكنولوجية التي عرفتها المصانع الحربية الروسية، وإنتاجها لأنواع متقدمة من الأسلحة لا تقل في الكفاءة والمستوى عن نظيرتها الأمريكية، بدا واضحا أن الكثير من الدول الافريقية تسعى إلى تنويع مصادر تسليحها، والهدف الرئيس في هذا السياق هو عمل موازنات تتعلق بسياسات الدول، وحتى لا تضحى عند نقطة زمنية بعينها رهينة تحكم جماعات ولوبي السلاح في هذه الدولة او تلك.
في هذا السياق وعلى هامش قمة سوتشي الأخيرة كان المدير العام لشركة «روس اوبورن اكسبورت» الروسية، «الكسندر ميخييف» يفيد بان روسيا تخطط، وفقا لنتائج العام الحالي، لتزويد افريقيا بأسلحة ومعدات عسكرية بما قيمته 4 مليارات دولار، والحديث يدور عن المعدات الخاصة بالقوات الجوية وقوات الدفاع الجوي والمدرعات والأسلحة الخفيفة والصواريخ المضادة للدبابات.
ومن الواضح أن التعاون العسكري الروسي الافريقي ماض بالفعل على قدم وساق، اذ تقوم روسيا حاليا بتنفيذ صفقات توريد أسلحة إلى 20 دولة افريقية، بما في ذلك اوغندا ورواندا وموزمبيق، كما أن هناك العديد من الدول الافريقية قد أبدت رغبتها في استيراد المزيد من الأسلحة الروسية المتقدمة لا سيما الطائرات من طراز سوخوي، ومنظومات الصاروخ «بانتسير» المتميز للغاية في عالم الدفاع الجوي.
مجال آخر يبقي أفقا واعدا للتعاون بين الجانبين، ويتعلق بالعمل الأمني والاستخباراتي المشترك من اجل مواجهة الارهاب، بكافة أشكاله وأنواعه، وهنا ينبغي علينا الإشارة إلى أن روسيا مهمومة ومحمومة بالمواجهة الحاسمة والحازمة مع الإرهاب والإرهابيين، بمعنى انها تدرك ان هناك قوى عالمية أخرى تتخذ من الإرهاب كعب أخيل الذي يسمح لها باختراق دول ثابتة ومستقرة والعمل على تفكيكها وتفخيخها.
يدرك الروس جيدا ان غالبية التنظيمات الإرهابية الدولية في الأعوام الأخيرة قد ولت وجهها شطر القارة الإفريقية، معتمدة في ذلك على ضعف الأحوال الأمنية، وعلى وجود بنية تحتية ضعيفة تسمح للإرهابيين بتجنيد المزيد من العناصر الإرهابية، ولهذا فان الحضور الروسي هناك يقطع طريق الإرهاب والإرهابيين من المنبع، وفي هذا إفادة كبرى لموسكو، والتي لن تتكلف عملا عسكريا جديدا كما اضطرت اليه سابقا في سوريا خلال الأعوام الخمسة الماضية.
ولأن شعوب القارة الافريقية في حاجة إلى المزيد من التعاون الذي يسمح لها بالحياة والمشي على بطونها، فان روسيا تنظر إلى سوق القارة الافريقية بأنه مجال رائع لتوزيع منتجاتها على اختلاف أنواعها وأصنافها، وهذا ما يتوقعه المدير العام لمركز التصدير الروسي «اندريه سليبنيف» والذي يتوقع أن يتضاعف التبادل التجاري بين روسيا والدول الافريقية خلال السنوات الثلاث القادمة.
لا يتوقف التعاون الافريقي الروسي عند مجرد التصدير والاستيراد فقط، أي الأمر ليس قاصر على المسائل الاقتصادية، بل يتجاوزها الى القضايا السياسية، ومن ثم عودة روسيا ليس كمراقب للأحداث الكبيرة والمهمة فقط، بل صانع رئيس لها، ومشارك عميق فيها، اي عودة روسيا كوسيط نزيه وموثوق في قضايا القارة المعقدة. على سبيل المثال يمكن ان يكون الدور الروسي بناء وإيجابي في أعمال الوساطة عندما يحتدم الجدل ويشتد الفراق ويسود الافتراق بين دول القارة الافريقية، كما هو الحال في الوقت الحاضر بالنسبة لأزمة سد النهضة الاثيوبي والذي تبنيه فوق نهر النيل الأزرق، الأمر الذي يمثل مخاوف وإزعاجا كبيرين لمصر التي تعتمد على مياه النيل كمصدر رئيس لها ولحياتها منذ آلاف السنين. هنا كانت موسكو حاضرة وزعيمها بوتين يبدي استعدادا إيجابيا لوساطة بين الجانبين تسمح بالوصول إلى حلول مقبولة من كل الأطراف، الأمر الذي يعني أن روسيا تعود فعلا إلى افريقيا من نافذة الحضور السياسي الفاعل والنافذ وليس فقط من خلال أدوار تجارية او البحث عن حفنة دولارات كمبرادورية.
نجح القيصر بوتين بالفعل في أن يجعل بلاده رقما صعبا في القارة الافريقية وهو نجاح مرشح له أن يتصاعد في الأعوام القادمة.