قصة جبلية قديمة

محمود الرحبي –

كان الصياد، بعد كل مرة يغيب فيها عن بيته وأبنائه، يظهر ممسكا بإحدى يديه أرنبا أو رافعا فوق ظهره وعلا.
ولكنْ، ذات يوم، بعد أن بحث عن طريدته بلا جدوى، شعر بالتعب فالتجأ إلى ظل شجرة ليستريح. ولكنه ألفى بالقرب منه حفرة صغيرة فشرع في توسعتها.
تحسست يده الغائصة في بطن الأرض جسما صلبا. وحين أخرجه وجد جرة مغلقة بفلينة. تساءل بينه وبين نفسه عما تدّخر الجرة القديمة قِدم الزمان في جوفها؟ ولم يطل تفكيره حين قرر أن يرفع الفلينة، فإذا بدخان يخرج من تلك الجرة ويرتفع في الفضاء. ثم يجثم على هيئة سحابة سوداء على صدر الجبل.
أجفل الصياد في مكانه وهو ينظر إلى تلك الكتلة الشاهقة التي خرجت من جرة في حجم الكف. ولكن السحابة السوداء شرعت تتشكل إلى أن استقرت على صورة مارد ضخم غطت هيئته الجبل الذي بدا ككرسي قياسا بالحجم الهائل للمارد.
تلفت المارد حوله، فرأى الرجل. طلب منه دون مقدمات أن يستعد للموت، لأنه عاهد نفسه على أن يقتل مخلصه عند أول غروب شمس يصادف يوم خروجه؛ وكان الوقت حينذاك ظهرا.
توسل الصياد إلى المارد أن يعفو عنه ويطلق سراحه وذكّره بأنه يعيل سبعة أفواه تنتظره ليأتي لهم بالطعام. ولكن المارد هز رأسه بالرفض وقال، صارخا: لا بد من إيفاء النذر بموتك المحتوم.
وبعد مضي ساعة والرجل في همّ ووجوم، عبرت قافلة فيها مائة رجل. فسعى الصياد إليهم وطلب منهم أن يقنعوا المارد بالعفو عنه.
أمام قاعدة الجبل، هتفت مائة حنجرة بتضرع في وجه المارد الذي قاطعهم بصوته المروع قائلا لهم إنكم تضيعون الوقت سدى. فلا سبيل أمامه إلا انتظار الغروب وقتل الرجل الذي أخرجه. فاعتذروا للصياد، معربين عن ضيق حيلتهم إزاء مشكلته.
وبعد مضي ساعة أخرى والصياد في همّ شديد يرقب الوقت، عبر خمسون رجلا مع قافلتهم. طلب منهم مثلما طلب من سابقيهم، فهتفوا متضرعين للمارد أن يعفو عن الرجل الفقير. ولكنه صدّ عنهم وطلب منهم ألا يضيعوا وقتهم في ما لا طائل منه. فاعتذروا للصياد، معربين بدورهم عن ضيق حيلتهم.
وبعد مرور ساعة أخرى، ظهر رجل يمشي وحيدا وهو يحمل أسماله. فطلب منه الصياد أن يكلم المارد فربما يسمع له.
صرخ عابر السبيل بأعلى صوته، ولكن طلبه ارتدّ إليه من الجبل حين لم يعره المارد أدنى التفات، فمضى في حال سبيله.
وبعد ساعة أخرى، وقد شرعت السماء في إرسال نذرها المعتمة، والصياد في أشد حالاته قلقا ورعبا، عبر نصف رجل.
كان في حالة شبه هلامية، بنصف جسد ونصف وجه وساق وذراع. وكان يمشي قفزا، متكئا على عصا يحملها في يده الوحيدة. فأوقف الصياد نصف الرجل هذا وأفضى إليه بمحنته. فما كان منه إلا أن ذهب إلى الجرة التي خرج منها المارد وقهقه وهو يهتف بأعلى صوته :
-هل يعقل أن ماردا بحجم الجبال يمكنه أن يخرج من هذه الجرة الصغيرة؟ إن ماردك هذا أضعف من أن يسكن في هذه الجرة فما بالك بقدرته على قتلك. لا تخف يا أخي فلا يمكن تصديق أن ماردا عملاقا يمكنه أن يسكن هذه الجرة الصغيرة، فما هو إلا محتال كذاب لا كلمة ولا عهد له.
غضب المارد حين وصلته هذه الكلمات وصرخ بملء حنجرته حتى اهتزت الأرض وقال: سأريك إن كنت أستطيع أن أسكن هذه الجرة الصغيرة رغم حجمي الكبير. فما كان منه إلا أن قفز من مكانه في صدر الجبل وانطلق إلى السماء ثم سقط هاويا في فم الجرّة. في تلك الأثناء هب نصف الرجل إلى السدّادة وأغلقها عليه وقال، وهو يكمل قهقهته العالية:
-اخرج الآن أيها الأبله، ودفنه مكانه.