السياسة الخارجية التي يريدها الأمـريكيـون حقـا

روبرت زوليك – واشنطن بوست – ترجمة قاسم مكي –

انتخاب دونالد ترامب، وانتقاده اللاذع لأسلافه من الرؤساء الأمريكيين وواضعي السياسات السابقين وخصومه، دفع العديدين من دعاة العالمية (أنصار التعاون الدولي) إلى التقهقر وإخضاع انفسهم طواعية لنسخة أمريكية من حملة «التعليم الذاتي» التي ابتدعها الزعيم الصيني ماو زيدونج.
رغما عن ذلك، عبر الشعب الأمريكي حين طرح عليه السؤال حول دور أمريكا في العالم عن قدر كبير من المعقولية.
فحسب استطلاع آراء عن عام 2019 أجراه مجلس شيكاجو للشؤون الدولية ونشر في سبتمبر تؤيد نسبة كبيرة من الأمريكيين (من كل الأحزاب) التحالفات الأمنية للولايات المتحدة وتعتقد أن التجارة مفيدة لبلدها وتحبذ تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان. وفي الحقيقة بدت بعض الإفادات عن الالتزام الشعبي تجاه الدور الدولي للولايات المتحدة أقوى منها في أي وقت مضى حسب استطلاعات مجلس شيكاجو التي قارب عمرها 50عاما.
تتباين هذه النتائج مع كتابات خبراء السياسة الخارجية الذين يفترضون أن إحباطات الأمريكيين من الأعباء الدولية تستلزم تقليص الدور العالمي لبلدهم. وفي الحق، يريد 69% من الأمريكيين أن تلعب الولايات المتحدة دورا نشطا في شؤون العالم. ويفضل 66% منهم اقتسام القيادة على أن يكون لواشنطن دور مهيمن (يحبذه 26 % منهم).
وعلى الرغم من انصراف ترامب عن التحالفات إلا أن شعبيتها تزايدت. إذ تفضل نسبة لافتة من الأمريكيين (74%) التحالفات العسكرية لبلدهم بما في ذلك مع اليابان (78%) وألمانيا (75%) وكوريا الجنوبية (70%). كما أشار الأمريكيون أيضا إلى وجوب اعتماد مقاربة استراتيجية لهذه الروابط.
أيضا يريد الأمريكيون المحافظة على التفوق العسكري (60%) ويقبلون بالاحتفاظ بقوات في البلدان الحليفة (51%). لكن 27% منهم فقط يعتقدون أن التدخلات العسكرية تجعل أمريكا أكثر أمانا.
ويتطلع الأمريكيون، مثلهم في ذلك مثل مؤسسي نظام التحالفات الأمريكية في منتصف القرن العشرين، إلى محافظة هذه الشراكات على السلم من خلال الردع والدفاع.
وفيما يخص التجارة،على الرغم من أن ترامب يمارس حمائية باهظة التكلفة للمصالح الخاصة، إلا أن الأمريكيين لايريدون اتباع سياسة العزلة الاقتصادية. على الكونجرس الذي لديه سلطة دستورية على التجارة أن يعلم بأن 87% من الأمريكيين يؤمنون بفائدة التجارة للاقتصاد الأمريكي. فحوالى 83% منهم يدركون أن التجارة تساعد الشركات الأمريكية.
كما يقول 77% من الأمريكيين أن على الولايات المتحدة التقيد بالأحكام التي تصدرها منظمة التجارة العالمية حتى إذا كانت واشنطن تخسر القضية. وفي حين ينظر ترامب إلى التجارة باعتبارها معادلة فائز وخاسر (معادلة صفرية أحد طرفيها يخسر ما يكسبه الطرف الآخر – المترجم) إلا أن 63% من الأمريكيين يدركون، عن حق، أنها مفيدة لكلا طرفيها.
يحدد استطلاع مجلس شيكاجو الانقسامات الحزبية حول الهجرة والمناخ. لكن حتى بعض هذه الاختلافات تتقلص عندما يتجه الناس إلى الحلول البراجماتية. إذ يتفق ما بين 65% و81% من الأمريكيين، كما يبدو، على سياسة هجرة تجمع بين مسار يقود إلى المواطنة للمهاجرين غير الشرعيين الذين يستوفون معايير معينة وتعزيز الأمن الحدودي وفرض غرامات على مؤسسات الأعمال التي توظف المهاجرين غير الشرعيين.
وحتى الصين، التي تثير حفيظة معلقي السياسات العدائيين من كلا الحزبين، كانت ردود الأمريكيين على أسئلة الاستطلاع بشأنها أكثر دقة. فحوالى 42% من الأمريكيين ينظرون إلى النفوذ العالمي للصين، بدافع من القفزة الكبيرة في عداء الجمهوريين، كمهدد بالغ الأهمية. لكن يفضل 68% منهم تعاونا وديا وارتباطا مع الصين مقارنة مع 31% من الأمريكيين الذين يريدون العمل في همة لوضع حد لنفوذها. وهنالك نسبة لافتة (74%) تفضل التجارة مع الصين.
سيلزم «خليفة» ترامب البناء على هذا الشعور الكامن بمبادرات تخاطب المشاكل الحالية. هنالك نقطة بداية واضحة لذلك وهي التعامل مع جيران أمريكا الشمالية كشركاء وليس تحويلهم إلى أكياس تدريب على الملاكمة (انتقادهم بدون مبرر).
(حقا) تحتاج الولايات المتحدة إلى الأمن الحدودي لكن عليها أيضا العمل مع المكسيك وكولومبيا وكوستاريكا وبنما لإيجاد ظروف آمنة وفرص اقتصادية في أمريكا الوسطى. يجب أن تكون أمريكا الشمالية قاعدة قارية آمنة لثلاثة ديموقراطيات مزدهرة يمكن أن للولايات المتحدة أن تبدي منها نفوذها الدولي.
لقيادة التحالفات، على دبلوماسية الولايات المتحدة الجمع بين شركائها وليس تفريقهم. وبالتركيز على المهددات المتنامية (الهجمات على الإنترنت والتدخل في الانتخابات والانتشار النووي والصاروخي و»تنمر» الدول السلطوية وبذر بذور داعش) يمكن للولايات المتحدة إعادة بناء الانسجام والإحساس بالهدف المشترك.
وبدلا عن معاقبة التجارة من خلال فرض الرسوم الجمركية يمكن للولايات المتحدة الجمع بين الاتفاقيات التجارية والبيئية لفتح الأسواق وفي ذات الوقت تقديم حوافز لخفض انبعاثات الكربون وحماية التنوع الأحيائي خصوصا في بلدان الاقتصادات النامية. يمكن أن تشجع المساعدات الأمريكية، إلى جانب النمو الاقتصادي، على اتخاذ خطوات بناءة مثل إعادة إحياء الغابات (بما في ذلك التوسع في موائل وممرات الحياة البرية) وحماية «مصارف» الكربون وإثراء «الكربون العضوي في التربة» للزراعة والمحافظة على الطاقة وتطوير ونشر تقنيات الطاقة البديلة.
على الولايات المتحدة الوقوف إلى جانب حكم القانون وضد الفساد بدلا عن التلاعب بالسياسة والتحقيقات من أجل مساعدة الديماغوجيين (المهرجين) على التمسك بالسلطة.ومن شأن الحلفاء التقليديين والشركاء في أوروبا وآسيا والجدد في أمريكا اللاتينية وإفريقيا حشد جهودهم لحماية فضاء الإنترنت والانتخابات وجعل السلطويين في موقف الدفاع في بلدان مثل روسيا والصين وكوريا الشمالية وفنزويلا وكوبا.
يؤكد استطلاع الشؤون الدولية أن الأمريكيين ليسوا على استعداد للتخلي عن المرتكزات الأساسية للسياسات الخارجية التي جعلت الولايات المتحدة القوة الأكثر نجاحا في تاريخ العالم.

يتمثل التحدي الوطني (للولايات المتحدة) في التعرف على القادة السياسيين الذين يمكنهم تطبيق هذه المبادئ على «جيل» جديد من المشاكل وإعادة ربط النفوذ الأمريكي بأهداف الولايات المتحدة.

  • الكاتب عمل رئيسا للبنك الدولي كما شغل منصبي الممثل التجاري للولايات المتحدة ونائب وزير الخارجية الأمريكي