نوافذ : عالم «مهرجي» السوشل ميديا

عاصم الشيدي –
assemcom@hotmail.com –

جرت العادة في كل مكان أن تكون المدارس والجامعات وحتى المؤسسات الحكومية الرسمية التي ترعاها الدولة مكانا آمنا لحركة الأفكار المستنيرة والأصيلة وحائط صدّ يتكسر أمامه الدخيل منها ولو إلى حين. لكن ما يحدث اليوم يعكس الآية تماما. فقد وجدت الكثير من تلك الحركات بيئة خصبة لها في المدارس. فعلى سبيل المثال وجد «نجوم السوشل ميديا» ساحة مفتوحة لهم في الكثير من مدارسنا وفي مؤسسات التعليم العالي، تقدمهم هذه المؤسسات باعتبارهم صفوة المجتمع في أفكارهم و عاداتهم وفي الطريقة التي يعيشون بها، بل وهم من يقدمون في مناسبات المجتمع الوطنية والدينية والاجتماعية. وتفتح لهم ساحات طابور الصباح، وفي القاعات المدرسية ويبدأ الطلاب في البحث عن هذه القدوات التي تقدمها لهم المدرسة وعن أنماط حياتهم وتقليعاتهم في وسائل التواصل الاجتماعي لتقليدهم و الاقتداء بهم، ويبحثون عن من يتابعهم، بل يصبح التعرف عليهم أو حتى مجرد متابعة حياتهم اليومية التي يعرضونها في حساباتهم غاية ما يمكن أن يبحث عنه هؤلاء الطلاب. في حين أن المجتمع به قدوات كثيرة يمكن أن تكون مجال فخر دائم ومساحة لبناء شخصياتهم وتحصينهم اجتماعيا بدل الكثير من هذه النوعيات التي يعتبر الكثيرون أنها النتيجة السلبية التي أفرزتها وسائل التواصل الاجتماعي والتي تمسكنا بها في العالم العربي فيما تمسك غيرنا بالجوانب الإيجابية.
صحيح أن وسائل التواصل الاجتماعي بها نوعيات تستحق المتابعة وتستحق التعليم ولكنها، مع الأسف الشديد، لا تلقى الحضور الكبير، وتغلب النوعيات التي يمكن أن توصف «بالتهريج» في أفضل الأحوال، ولا تعطي متابعتها أي فائدة أو هجرها أي خسارة.
ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل صارت الكثير من مؤسسات الدولة تجري وراء هذه النوعيات من أجل الترويج الإعلامي. وصارت هذه المؤسسات لا تدعو الصحفيين لتغطية فعالياتها ولكنها تدعو «المغردين» و«المهرجين» على «الانستجرام»، وتحجز لهم على الدرجة الأولى لمرافقتها «شبابا أو شابات» في المهمات الخارجية، وتبقى الصحف بعيدة عن التغطية الصحفية فهذه المؤسسات وبعضها حكومي لم تعد ترى في الصحافة ما كانت تراه في أزمنة مضت.
لا أطرح هذه القضية في سياق غيرة الصحف والصحفيين حول ما يمكن أن يسمى مؤسسات الإعلام التقليدي أمام نجومية رواد وسائط الإعلام الحديث، ولكن أطرح هذا الموضوع من جانب آخر أراه مهما جدا وهو صناعة الأجيال الجديدة.. المدارس والجامعات مؤسسات لها قداستها ولا يمكن أن تُحَوّل إلى مؤسسات تسطح الفكر والمعرفة وتعرض نماذج مهزوزة برزت في وسائط التقنية الحديثة التي نحاول في بيوتنا أن نبعد أبناءنا عنها فيما تأتي بهم المدارس إلى عقر دارها.
وفي المقابل لا يمكن لمؤسسات الدولة أن تركن الصحف بهذه الطريقة لصالح نفس النماذج أعلاه، مهما كان حضور هذه الوسائل براقا في المجتمع وتأثيرها. وأحسب أنها ظواهر ستعبر إذا لم تلقَ هذا الاحتفاء وهذه الرعاية التي لم تلقها الصحافة في أيام مجدها.