الدروس الغائبة عن الحراك في العراق ولبنان

د. عبد العاطي محمد –

بعيدا عن أى تقييم مسبق لمشهد الحراك الذي اندلع في كل من العراق ولبنان، هناك خصائص لشكل وطبيعة المسار تجمع بين كل منهما وبين ما جرى من موجات للتغيير ضربت بلدان عربية أخرى بنهاية العام 2010 وخلال العام 2011.
ومع أن هذه الخصائص لم تؤدي إلى ما كان منشودا من هذه الموجات وفقا لحسابات من تصدروا مشاهدها، بما كان يفترض أنه تم استيعاب الدروس وبات من الضروري تجنب تكرار نفس المسار حتى لا يحدث نفس المصير، وذلك تطبيقا لمقولة أنه لا يمكن الحصول على نتائج مختلفة لنفس المقدمات، إلا أن شيئا من ذلك لم يحدث.
ومن المؤكد أن تجارب التغيير لا تأتي استنساخا لبعضها البعض، بل تكون لها بصماتها الوطنية المختلفة، لأنها تتعلق بالبشر الذين هم مختلفون بالطبيعة في الفكر والحياة الاجتماعية والتطور التاريخي والهوية الوطنية بل وعرقيا ولغويا ودينيا أيضا، هذا فضلا عن مدى تأثير العوامل الخارجية عليهم. ومع ذلك فإنهم كثيرا ما يتلاقون في أهداف وآليات أو مسارات متشابهة، خصوصا إذا ما تعلق الأمر بإحداث تغيير أو إصلاح عميق، ينقلهم من وضع لا يرضون عنه إلى وضع أفضل.
ولا شك أن موجات التغيير التي ضربت بلدان عدة قبل بضع سنوات، هي تونس ومصر وسوريا واليمن وليبيا والسودان، ومن قبل كانت العراق سباقة في هذا الاتجاه، ضمت شعوبا لها تجاربها التاريخية المختلفة من حيث التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي، برغم انتمائها العربي والإسلامي الواحد. ورغم هذا التنوع أو التباين، إلا أن موجاتها كان لها أهداف واحدة وشقت مسارها بأسلوب وآليات أو أدوات واحدة أيضا.
وباستثناء السودان بحكم أنه مر بتجربة حديثة زمنيا، ومنح نفسه ثلاث سنوات تقريبا لكى يفعل مطالب التغيير، فقد انتهى مصير جميع هذه التجارب بأزمات أشد وطأة عما كانت عليه بلدانهم في السابق، اختلفت في حجم الكوارث التي سببتها على كل الأصعدة، ولكنها بالمجمل قادت إلى انقسام اجتماعي وسياسي حاد ووقوع ضحايا كثر (سوريا فقدت نحو نصف مليون من أبنائها) ودمار مادي قضى على ما تحقق من إنجازات طوال مراحل التنمية السابقة. واضطر بعضها إلى أن يبدأ مجددا من الصفر بحثا عن النهوض الاقتصادي والسياسي، بينما دخل البعض الآخر في نفق مظلم بشكل أو بأخر.
والملفت أن الرأي العام العربي خرج بدروس من هذه التجارب ليس لوقف التغيير الذي هو سنة الحياة ومبدأ التطور، وإنما لكى لا تتكرر نفس المسارات مستقبلا، فالعبرة دائما هي بالنتيجة، تلك النتيجة التي جاءت مخيبة للآمال لمن تصدروا مشاهد التغيير ذاتهم قبل غيرهم سواء ممن آثروا السلامة ونأوا بأنفسهم عن الانخراط في هذه المشاهد، أو من اختاروا صف الاعتراض عليها.
وقبل أن يندلع الحراك في كل من العراق ولبنان، كان الانطباع الأعم في صفوف الرأي العام هو أنه لا عودة لنفس المسار إن كانت هناك رغبة شعبية ما في التغيير، حيث بات المصير واضحا لدى الجميع إذا ما تكرر الأمر، وهو عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي والمزيد من التدهور الاقتصادي، والبديل هو اللجوء إلى الوسائل المعتادة المشروعة لتفعيل الإصلاح، ذلك المفهوم الذي أضحى مفضلا بدلا من مفهوم الثورة.
العراق من جهته لم يكن بعيدا عن الاحتجاجات أو الانتفاضات إن جاز التعبير طوال السنوات التي تلت سقوط نظام صدام حسين، وواجهت الحكومات المختلفة خلال العهد الجديد سلسلة من الاضطرابات لأسباب طائفية أو اجتماعية أو سياسية (صراعات الأحزاب والمكونات السياسية الأخرى حول كعكة السلطة)، ودفع الشعب العراقي ثمنا باهظا لهذه الاضطرابات سواء على صعيد القتلى والجرحى أو مناحي الحياة المعيشية، وزاد رصيد الخسائر في البشر والحجر مع ظهور تنظيم «داعش».
ولكن الاحتجاجات الأخيرة اختلفت عن سابقتها إلى حد كبير مما دفع البعض إلى إطلاق وصف الثورة عليها. فمن ناحية جاءت عامة، أي شملت معظم إن لم يكن كل مناطق العراق، ومن ناحية أخرى اتسمت بأنها شعبية وليست حزبية، حتى أن المتظاهرين انتفضوا ليس فقط على الحكومة وإنما على الأحزاب القائمة، ومن ناحية ثالثة اندلعت لأسباب معيشية بالأساس اعتراضا على تفشي البطالة وتردي الخدمات العامة وشيوع الفساد.
وأما لبنان فقد ظل بعيدا عن أجواء الثورات أو القلاقل الاجتماعية منذ انتهاء الحرب الأهلية، وشهد فقط أزمات سياسية عديدة تعلقت بتشكيلات الحكومات المختلفة وبالصراعات الطائفية وبالعلاقة مع سوريا، وكان يتم احتواءها بالطريقة اللبنانية القائمة على الحوار ولا غالب أو مغلوب ومبدأ العيش المشترك. وعندما اشتعلت المواجهة بين تيار المستقبل وحزب الله وأنصار كل منهما وكادت البلاد أن تعود للحرب الأهلية أمكن احتواء الأزمة بوساطات عربية ودولية. وبوجه عام اتسمت كل الاضطرابات السابقة بالطابع السياسي الحزبي – الطائفي، ولم تعكس تمردا شعبيا على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية السائدة. هذه المرة الأمر مختلف إلى حد كبير بما يجعله تطورا ملفتا في تاريخ لبنان المعاصر. فقد خرجت المظاهرات من البداية ساخنة وتحمل عنوان الثورة، وكانت الشرارة هي فرض ضرائب جديدة وصلت إلى فرض ضريبة على خدمة الواتس آب!، وشعر قطاع عريض من اللبنانيين بأنه لم يعد بإمكانهم تحمل أعباء الحياة المعيشية، بينما هناك أوجه عديدة لفساد النخبة الحاكمة (وفقا لما رددوه من شعارات)، وباتت الثقة منعدمة بينهم وبين أهل الحكم سواء الحكومة أو البرلمان أو حتى الرئاسة ذاتها.
إلى هنا يمكن تفهم غضبة الشارع في كل من العراق ولبنان، خاصة أن كبار المسؤولين في البلدين لم ينكروا أسباب الغضب الشعبية، بل أعلنوا تأييدهم لمطالب المتظاهرين هنا وهناك، وطرحوا حلولا، إلا أن المتظاهرين لن يقبلوها، وتواصلت مظاهر الاحتجاج وتصاعدت حدتها. وما يدعو إلى القول بأن الشارع، ممثلا في من تصدروا المشهد في البلدين، وضع الدروس المستفادة من مسارات تجارب التغيير العربية السابقة جانبا، مع أنها تجارب قادت إلى كارثة لم تبرأ منها بلدانها حتى الآن، وقرر أن يكررها كما هي، ما يدعو إلى ذلك هو أن المتابع العربي يستطيع بسهولة أن يرصد أوجه التشابه في المسار.
أول ما يسهل رصده أن الاحتجاجات في البلدين ليس لها قيادة، تماما مثلما حدث في التجارب العربية سالفة الذكر باستثناء السودان التي كان لها قيادة واضحة من اليوم الأول ممثلة في قوى «الحرية والتغيير».
وعندما تقدمت مجموعة من المتظاهرين العراقيين لتجعل نفسها ممثلة للثورة أو الاحتجاجات لنقل المطالب للحكومة لم تنجح في ذلك وتم الرجوع عن الفكرة، وأما في لبنان فقد تمسك المتظاهرون (حتى الأيام العشرة الأولى) بأنه لا أحد يمثل ثورتهم. وترتب على ذلك أن الاحتجاجات في البلدين لم يظهر لها برنامج سياسي واضح تستطيع قياداتها تنفيذه إن قدر لها النجاح في الوصول إلى السلطة.
في السودان نجحت الثورة بسبب وجود قيادة لها برنامج. ومما يمكن رصده أيضا أن المتظاهرين في البلدين خرجوا رافعين شعارات السلمية، ولكن لم يمض وقت طويل حتى برز العنف بين الصفوف وسقط المئات من الضحايا كما تم الاعتداء على مقرات حزبية وحكومية في العراق، بينما أشعل المتظاهرون في لبنان النيران في إطارات السيارات وقطعوا الطرقات، وشهدت الأيام الأولى اعتداء على الممتلكات، واصطدم الجيش بهم لفتح الطرقات.
ومن جهة أخرى انتفض الناس سواء في العراق أو لبنان ضد الطبقة السياسية ممثلة في الأحزاب والشخصيات القيادية، ووصل الحال إلى الانتفاض داخل الطائفة الواحدة في لبنان، بما يشير إلى أن الاحتجاجات فيهما كررت ما حدث عند الآخرين في الماضي القريب، وهو الإطاحة بدور المؤسسات والأحزاب واللجوء إلى العمل الجماعي الشعبي كقوة واحدة. ولا يصح إهمال تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في صناعة هذه الاحتجاجات وتأجيجها، تماما مثلما حدث لدى السابقين.
وكان أخطر ما حدث، مذكرا بما جرى في التجارب السابقة، هو الانقسام المجتمعي بين من يرفعون المطالب ومن يتصدون لهم انطلاقا من فكرة البحث عن الخصم لتحميله المسؤولية، فبدا الوضع وكأن الشارع في البلدين قد انقسم إلى فسطاطين كل منهما يتأهب للانتقام من الآخر ويلمس إنذارا بتحول التطورات إلى مواجهة متبادلة بين أبناء الشعب الواحد، وهى نفس الحالة في الوضع العراقي. وأخيرا فإن مطالبات المتظاهرين في البلدين بإسقاط النظام (دون بديل يعول عليه) كررت نفس شعارات الاحتجاجات 2010 و2011 التي فجرت العنف وعدم الاستقرار السياسي والانهيار الاقتصادي. ومن الوارد أن يتمكن أهل الحكم هنا وهناك من احتواء الموقف بالتوصل إلى طريقة لاستعادة ثقة الشارع عبر حزمة من الإصلاحات، ولكن هذا يتوقف على مدى تقبل هذه الإصلاحات، هل هي كافية بالنسبة لمن يتصدرون المشهد أم لا، وإن لم تكن كافية ومن ثم يتفاقم الوضع بشكل أكبر (الصدام بين أبناء الشعب الواحد)، فإن الفراغ السياسي يصبح عنوان المرحلة (غياب الدولة). لقد غابت الدروس المستفادة، فوقع المحظور.