ضرورة الاهتمام بالتدقيق الداخلي

حيدر بن عبدالرضا اللواتي –

يتوسع الجهاز الإداري الرسمي للدولة في ضوء الزيادة الحاصلة في عدد الوزارات والهيئات والشركات الحكومية سنويا، الأمر الذي يتطلب من الجهات المعنية تعزيز القدرات الإشرافية والرقابية ووسائل التدقيق لديها، وهذه السياسة من المفترض أن تشعر الموظف الحكومي بأن هناك جهة ما تتابعه وما يقوم به من إنجاز في العمل، بجانب تمسكه بقوانين وأنظمة المؤسسات التي يعمل بها. وهذه الإجراءات – بلا شك- تؤدي إلى كشف التلاعب والبيروقراطية والفساد الذي يمكن للموظف أن يمارسه في موقع عمله بعيدا عن أعين الرقابة والإشراف والتدقيق.
فغياب التدقيق الداخلي يؤدي أحيانا إلى تفشي الرشوة والفساد والمحسوبية والتأخير والاختلال في أنظمة العمل اليومي، ويكبّد موازنة الدولة ملايين من الريالات، بجانب ذلك فإن غياب التدقيق وخاصة الداخلي يؤدي إلى هضم حقوق بعض الموظفين على حساب مصلحة موظفين آخرين، وبالتالي تفقد المؤسسات الكثير من الموارد البشرية والمالية الكفؤة، وتسجّل خسائر سنوية على حساب مصلحة بعض المستفيدين والمتعاملين داخل وخارج تلك المؤسسات التي تتعامل معها كشركات المناقصات والاستشارات والمقاولات وغيرها، وهذا ما تم كشفه في السنوات الماضية.
فالتدقيق الداخلي مهم جداً في المؤسسات، فهو يعمل المحافظة على القوانين والأمور المالية والإدارية للمؤسسات سواء أكانت تابعة للحكومات أومؤسسات القطاع الخاص، كما أنه يؤدي إلى تطوير ورفع أداء العاملين بها، بجانب ذلك فإن التدقيق الداخلي يعطي للمسؤولين والقائمين عليها ولمجالس الإدارات التأكيد على أن هناك تطبيقا واضحا للسياسات التي تم اعتمادها في إطار مسؤوليات واختصاصات الموظفين والعاملين، وكيفية إدارة الأعمال وفق ما ورد في الهيكل التنظيمي لتلك المؤسسات، الأمر الذي يساعدها على تحسين إدارة الموارد والمحافظة على أصولها وتنميتها وفق النظم والسياسات المرسومة لها.
ففي الأجهزة الرسمية تتابع المؤسسات عملية التدقيق من الداخل من خلال إدارتها، بينما من الخارج يقوم جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة بهذه المهمة، ومن ضمنها ضرورة إقرار الذمة المالية للموظف والمسؤول الحكومي قبل أن يتسلم مهام عمله، حيث يتم من خلال هذه الآلية معرفة ما له ولزوجه وأولاده القصر من أموال نقدية وما يملكون من عقارات أو أملاك منقولة داخل السلطنة أو خارجها بما في ذلك الأسهم والسندات، والحصص في الشركات، ومعرفة حساباتهم في البنوك وكل ما يدخل في هذه الشأن من حقوق والتزامات وغيرها من الأمور الأخرى .
وهذا الإقرار للذمة المالية – كما يؤكد عليه جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة – يُعد إحدى الأدوات التي تستخدم من قبله في حماية الأموال العامة، وتجنب تضارب المصالح، كما أن هذه الأداة تستخدم لرصد أي ملامح للإثراء تطرأ على المسؤول أثناء شغله للوظيفة العامة، والعمل على الحد من تضارب مصالحه الخاصة مع المصالح العامة. وهذا يشمل كل مسؤول حكومي سواء أكان مواطنا أو وافداً، حيث يتم التعامل مع هذه الإقرارات بكل سرية ومهنية، ويمنع لغير الأشخاص المخولين بالاطلاع على تلك التقارير إلا في الحالات التي ينبغي لأجهزة الدولة الاطلاع عليها.
إن أحد أسباب فشل الكثير من أنشطة المؤسسات الحكومية العربية والهيئات والشركات الحكومية التابعة لها تُعزى إلى قلة الاهتمام بالتدقيق الداخلي الذي من المفترض العمل به بصورة جذرية في إداراتها، الأمر الذي يؤدي إلى فشل تلك المؤسسات في أداء واجبها وفق منظومة العمل الداخلي والخارجي. فالتدقيق الداخلي لا يبحث عن الأخطاء والممارسات الخاطئة للموظفين والمتعاملين مع المؤسسات والأشخاص فحسب، بل يعمل على إضافة قيمة الأعمال وأنشطة المؤسسات داخليا وخارجيا، الأمر الذي يساعدها في تحقيق المزيد من الأهداف دون مشاكل وتحديات.
لقد أصبح من الضرورة العناية بقضايا التدقيق الداخلي حيث إنها تمثّل نشاطا مستقلاً وموضوعياً للمؤسسات، وهدفها تقديم تأكيدات وخدمات استشارية لها بهدف تحسين ظروف العاملين وتنمية مواردها، بجانب تحسين العمليات اليومية للمؤسسات من خلال اتباع أساليب منهجية منظمة وفعالة تتسم بالحوكمة والرقابة والمتابعة للبنود التي تعمل من خلالها المؤسسات في مجال إدارة المخاطر والرقابة.
ويلاحظ أنه خلال السنوات الماضية قام جهاز الرقابة المالية والإدارة للدولة في تنظيم العديد من الندوات وورش عمل توعوية في هذا الشأن، بجانب توعية الموظفين بشأن إقرار الذمة المالية، فيما تقوم مختلف وسائل الإعلام من جانبها بمسؤولية توعية المجتمع بضرورة التقيد بأنظمة المؤسسات الحكومية، الأمر الذي يخلق نوعا من الردع لدى أولئك الأشخاص الذين ينون مخالفة الأنظمة والدخول في الفساد، فيما نص عدد من المواد على فرص عقوبات على المخالفين منها المالية أو السجن أو غيرها. فمثل هذه التوعية تهدف إلى نشر المعرفة بأهمية الشراكة في حماية المال العام وتبني أفضل الممارسات في إدارة الموارد المختلفة بما يعزز من أداء تلك المؤسسات، بجانب تعزيز النزاهة ومكافحة الفساد.
واليوم فان وسائل التقنيات والمعلومات الحديثة أصبحت تساعد تلك المؤسسات في عملية الرصد والتدقيق والمتابعة، وهي متاحة للجميع لتطوير أدائهم وبسرعة أكبر وبدقة متناهية من خلال المدقق الداخلي، وتقوم بسرعة في معالجة البيانات المحاسبية من خلال برامج ونظم المعالجة الإلكترونية الحديثة، الأمر الذي يمكّن المدقّق من أداء عمله في مجال التدقيق بمهنية وحرفية تامة.
ولأجل تحقيق مزيد من الأداء المهني فانه من الضرورة لإدارات التدقيق الداخلي أن تتوفر لها الموارد البشرية المتخصصة في العلوم المالية والأجهزة ووسائل الاتصالات الحديثة المطلوبة ليتمكن المدقق في المؤسسات العمل بكل كفاءة، حيث إن عدم توفيرها يؤثر بشكل سلبي على جودة وكفاءة مهنة التدقيق ودورها في تقديم الحلول والمعالجات من اجل تطوير العمل ومكافحة حالات الفساد في المؤسسات الحكومية.
إن غياب التدقيق الداخلي هو الذي يؤدي إلى نشر الفساد في المؤسسات، ومعظم الدول العربية تعاني اليوم من الفساد وتأتي في ذيل المؤشرات التي تعني بمكافحة الفساد نتيجة لذلك، وبالتالي تسبب في إفشال خطط التنمية المستدامة التي تخططها جهات التنمية والاقتصاد. والأرقام التي تتحدث عن الفساد في الدول العربية تشير إلى أن كلفة الفساد تبلغ حوالي 3% من الناتج المحلي، وتقدر بنحو 90 مليار دولار سنويا، فيما أظهرت بعض الدراسات والإحصاءات أن المؤسسات في العالم تخسر نحو 6% من متوسط دخلها السنوي نتيجة الاحتيال وسوء الاستخدام في المؤسسات. وهذه الأموال بلا شك تدخل في حسابات وجيوب بعض المسؤولين عن تلك المؤسسات، وممن يتعاملون معهم من شركات المناقصات والاستشارات، والمقاولات والوسطاء، الأمر الذي يؤكد ضرورة توفير إدارات كفؤة للتدقيق الداخلي في المؤسسات، مع ضرورة توفير قواعد الديمقراطية والتداول السلمي للسلطات، لكي لا يبقى المسؤول لعشرات السنين في موقع معين، بل يتطلب ترحيله إلى جهاز آخر ليقدّم ما لديه من خبرات ويعمل على مكافحة الفساد من الموقع الجديد.
إن مهنة التدقيق الداخلي تحظى اليوم باهتمام عالمي كبير من قبل المؤسسات وتلقى دعما مستمرا من الجهات المعنية نظرا للفضائح المالية الكبيرة التي تشهدها المؤسسات من اختلاسات وخسائر وتراجع في الإيرادات السنوية، الأمر الذي يؤثر على تشغيل القوى العاملة من جهة وتحرّم الدولة من الحصول على مواردها المالية السنوية. وما نراه اليوم في شوارع بعض الدول العربية من مظاهرات واعتصامات تعود إلى الفساد الذي مورس من قبل كبار مسؤولي تلك الدول، والمتظاهرون يطالبون اليوم بضرورة استرجاع الأموال التي نهبت من قبل هؤلاء الأشخاص في حسابات مصرفية خارجية، ومن هنا فان التدقيق الداخلي يتحمل جزءا كبيرا من المسؤولية في كشف حالات الفساد والإعلان عن المختلسين والفاسدين وإحالة قضاياهم إلى الجهات المعنية لاتخاذ اللازم تجاههم.

haiderdawood@hotmail.com