نوافذ :معان.. واستخدامات

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

في عام 2005م، وفي إحدى مناسبات إقامة مهرجان مسقط السياحي، كلفت من قبل الجريدة بتغطية فعاليات المهرجان في حديقة القرم الطبيعية، وقادتني الصدفة إلى جناح المملكة المغربية؛ حيث كانت تشارك عدد من الدول العربية، وغيرها من دول العالم، بأجنحة تعرض من خلالها سلعها ومصنوعاتها التقليدية؛ على وجه الخصوص، وكانت كلمة «يعطيك العافية» على لساني حاضرة حاضرة، لأني للتو عائد من المملكة الأردنية الهاشمية مكملا دراستي الجامعية، حيث يكثر استخدام هذه الكملة ثناء، وشكرا، وإعجابا بما يقوم به الطرف الآخر، وعندما بادلتها الشقيق المغربي استثقلها في البداية، ولكنه بعد برهة ابتسم، وردد: شكرا شكرا، فأخذني الفضول للسؤال عن موقفه هذا، وقال؛ مبتسما: «العافية» عندنا في المملكة المغربية تعني «النار» ولكنني أتفهم شعوركم الصادق، من أنكم لا تقصدون النار، وإنما الشكر والثناء والتعزيز.
هذا الموقف جعلني أبحث عن معنى كلمة «العافية» في المعجم، فمن ضمن معانيها: الصحة التامة؛ الأضياف؛ طلاب المعروف؛ طلاب الرزق من الناس؛ ورجل كثير العافية؛ كثير الضيوف، وغيرها من المعاني التي تختلف بين أن تكون مصدرا أو فعلا، وفي ذات السياق تأتي كلمة «ربنا يخليك» وهي كلمة متداولة بكثرة، وخاصة عند أشقائنا المصريين، وحتى معنا هنا في عمان بلفظ «الله يخليك» وعند العودة إلى المعاجم، وجدت معناها: «التخلية في اللغة: الترك، ومعنى «الله يخليك»: الله يتركك ويبعدك» والمعنى الدارج من «الله يخليك» هو «الله يبقيك» أي يطول في عمرك، وفي شروحات أخرى لذات الكلمة أشارت بعض المصادر إلى أن هناك نهيا عن الدعاء بهذا اللفظ، وحتى الدعاء بطول العمر، كلفظ «طول الله في عمرك» وهذه مستعملة في بعض دول الخليج بكثرة، لأن العمر محدد من رب العالمين سبحانه، وإنما يستحب الدعاء بالصحة، والسعة في الرزق، وصلاح الأبناء وغيرها من مثل ذلك.
هذان المثالان يقودانني إلى الحديث عن الدلالات غير المباشرة لكثير من الكلمات التي يستخدمها الناس، من غير قصد، ومن غير معرفة أيضا؛ بدلالاتها الحقيقية، وإلا لما كانت شائعة عند كثير من الناس، وبقدر هذا الاستسهال في الاستخدام غير الموفق لمثل كثير من الكلمات، فإن ذلك لا يقدم عذرا لمن يستمر على ذلك، فـ «الله يعبد على بصيرة» كما هو الفهم الواجب، ومن ذلك أيضا تجد أناسا كثيرون يأتون بألفاظ من القرآن الكريم في استخدامات كثيرة فيما بينهم؛ ظنا منهم أنها تخدم ذات المعنى الذي يتفوه به المتحدث، وهذا خطأ جسيم، ومن ذلك قول الله سبحانه وتعالى (يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم، وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم) – الآية (14) – سورة التغابن، فالمعنى هنا لا يجب أن يؤخذ على تخصيصه؛ على سبيل المثال؛ الزوجة والولد؛ فقد يكون الزوج/‏‏ الأب هو من يكون عدوا للطرف الآخر، وذلك عندما يذهب بهم إلى ارتكاب المعاصي، أو الحيلولة دونهم من الوصول إلى مظان الخير، وهناك تشديد كثير على الرمي بالكلمات دون التأكد من المعاني الصحيحة للكلمة «إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم سبعين خريفا» كما جاء في الحديث.
وهناك جمل تحمل معاني غير التي تظهر، وإن كانت منحى إيجابيا، لكن قد تكون لها ردة فعل غاضبة، مثل قول: «يا جبان الكلب» فهذه في معناها الدلالي الكرم، وارتياد كثرة الناس على منزل صاحب هذا الكلب، ولذلك لم يعد ينبح الناس، ولكن عند قولك لأحدهم ذلك، فللوهلة الأولى قد يقابلك برد عنيف، فهو؛ لا جبان ولا كلب، وقد تعرضت شخصيا لموقف مشابه.