صلة الأرحام.. ود ووئام

اجتماعات دورية –
انتصار بنت سيف الحراصية –

«لابد أن يسعى الأقارب أن تكون لهم اجتماعات دورية تجمع القاصي والداني بهدف صلة الرحم وذلك مما يخلق في الأبناء أهمية معرفتهم لأرحامهم مهما باعدت بينهم السكنى ويولّد فيهم تربية النفس على صلة الرحم، فلا ينشأون ويكبرون وهم بعيدون عن هذه العبادة فيشق عليهم أداؤها، ولو سعى كل فرد لتطبيق ذلك وجعل على عاتقه أنه هو الواصل وليس بالمكافئ لعمر المجتمع بالترابط والتواد فالأسرة هي النواة التي كلما قويت قوي المجتمع بأكمله»

الحياة في هذه البسيطة قائمة على العلاقات بين الناس فكما ينسب لابن خلدون مقالته الشهيرة: «الإنسان مدني بطبعه اجتماعي بفطرته» وأن يكون الإنسان اجتماعيا بفطرته يعني أنه لا يستغني عن علاقته مع الآخرين ولأن الإسلام دين الفطرة فمن شأنه أن يرعى كل ما هو مناسب لفطرة الإنسان، لذلك حدد علائق الناس ببعضها البعض ونظم الروابط ووضع أطرا لها بل ووضح درجات العلاقات فمثلا عد من أولى العلاقات وأقدسها علاقة الولد بوالديه فحض على البر وقرن برهما والإحسان إليهما بعبادته سبحانه وتعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) ثم بين سبحانه في مواضع كثيرة أن الإنسان مأمور بصلة الأرحام. فقد أمر الله مع عبادته وعدم الإشراك به الإحسان إلى الوالدين وبذي القربى، كما حث الرسول صلى الله عليه وسلم على صلة الرحم حيث قال: «يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام»، وقد بين سبحانه في سورة الرعد صفات الذين يستحقون جنات عدن في الآخرة ومن بين أولئك الذين يصلون الأرحام فقد قال سبحانه: (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ)، ومن هنا تظهر أهمية صلة الرحم إذ أنها عبادة واجبة بلا خلاف وأن القائم عليها مستحق للجنة وهي لا شك الغاية التي يسعى لها المؤمن، كما تظهر أهمية صلة الرحم في أنها علامة من علامات تماسك هذا المجتمع، كما أن صلة الرحم لها أثر عظيم في بركة الرزق فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: « من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه»، وصلة الرحم فيها اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فها هي السيدة خديجة تواسي النبي صلى الله عليه وسلم وتذكره بأفعاله العظام: «كلا لن يخزيك الله أبدا فإنك لتصل الرحم..»، والواعي لهذه الأبعاد العظيمة لصلة الرحم تجده حريصا أشد الحرص على أن يمتثل لهذه العبادة العظيمة. فإذا كان الترغيب لواصل الرحم والتشديد على قاطعه فكما جاء في الرواية: «لا يدخل الجنة قاطع رحم» كل هذا في زمن كان التواصل فيه صعبا والمشقة متحصلة فلم تكن هناك وسائل نقل ولا تواصل. فكيف بهذا في عصر توفرت فيه وسائل النقل والاتصال.
وصلة الرحم قد تكون بالإحسان إلى الأقارب بالسؤال والزيارة والأرقى منزلة من ذلك الإحسان بالعطايا والسؤال ومن تعذر عليه ذلك فليصل رحمه باتصال أو برسالة مع نية الزيارة والتعهد بالسؤال المستمر ومشاركتهم الأفراح والأتراح. ومع كل هذا التسهيل في العصر الحديث يجدر بالمسلم عدم تفويت أجر صلة الأرحام لأن كثيرا من الناس يتحجج في أيامنا هذه بكثرة انشغالهم وزحمة أعمالهم فلا يجدون متسعا وفضلة من أوقاتهم لزيارة أرحامهم، وهذا مما لا يقبل، فصلة الرحم لا تعطى فضلة الوقت بل هي عبادة لابد أن تكون حاضرة في ذهن العبد وأن يعقد النية على عدم التقصير، كما أن كثيرا من الناس يتحججون بأن عدم صلتهم لأرحامهم بسبب عدم مبادلة الطرف الآخر تلك الصلة وهذه ذريعة من ذرائع الشيطان كفى بقول الرسول صلى الله عليه وسلم ردا: «ليس الواصل بالمكافئ، لكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها»، فعندما يصل الإنسان أرحامه إنما يصلهم تعبدا لله وامتثالا لأمره لا لينتظر المقابل أو ردا للزيارة. فإن كان واصل الرحم له الأجر العظيم فقاطعها لا شك أنه متوعد بالعقاب الشديد، كما أن قاطع الرحم لا يقبل عمله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أعمال بني آدم تعرض كل خميس ليلة الجمعة فلا يقبل عمل قاطع رحم»، وعنه صلى الله عليه وسلم انه قال: «أن الرحمة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم».
وعليه فالناظر لكل هذا الاستحقاق للعذاب لقاطع الرحم، ونقيظه للواصل فتجده مغمورا بفيض من الرحمات والأفضال والبشارات، يجعل المرء لا يتوانى ويحث الخطى فلا يرضى أن يفوته الفضل العظيم، ومن الأمور المعينة على صلة الرحم، بعد معرفة فضل الواصل، مغفرة التقصير وستر العيوب ومقابلة العيوب منهم بالعفو والصفح فإذا كان الصفح والعفو محمودا في المجمل فمن باب أولى في حق الأقارب: «والعافين عن الناس والله يحب المحسنين)، قبول اعتذارهم إذا ما صدر منهم خطأ أو تقصير، والتغاضي والتغافل، وترك المنة والبذل لوجه الله بعيدا عن انتظار ذكر الفضل والمنة عليهم: «ولا تمنن تستكثر» وإنزالهم منازلهم، وعدم الإكثار من المعاتبة والتي قد تنفّر أكثر منها تقرب، وبالمقابل إذا ما تعرض المرء لمثله فليتحمله بنفس راضية.
ثم لابد أن يسعى الأقارب إلى أن تكون لهم اجتماعات دورية تجمع القاصي والداني بهدف صلة الرحم وهو هدف كفيل أن يجعل سبحانه اجتماعهم اجتماعا مرحوما. كما أنه يخلق في الأبناء أهمية معرفتهم لأرحامهم مهما باعدت بينهم السكنى ويولّد فيهم تربية النفس على صلة الرحم، فلا ينشأون ويكبرون وهم بعيدون عن هذه العبادة فيشق عليهم أداؤها إذا ما كلفوا وفرضت عليهم خجلا أو حياء لاسيما في المجتمعات النسائية، ولو سعى كل فرد لتطبيق ذلك وجعل على عاتقه أنه هو الواصل وليس بالمكافئ لعمر المجتمع بالترابط والتواد، فالأسرة هي النواة التي كلما قويت قوي المجتمع بأكمله.

 

أحب الأعمال إلى الله –
محمد الكريمي راشد –
إمام وخطيب جامع أبو بكر الصديق بالوطية –

«الإنسان إذا أراد أن يفعل شيئاً يخصص له جزءاً من الوقت كالطعام والنوم والتنزه وغيرها؛ فلماذا لا يخصص بعض الوقت لهذه العبادة العظيمة وهي صلة الأرحام، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يزور ذوي رحمه مع تحمله لمهام الدعوة، فلزيارة الرحم أثرها الطيب في توطيد العلاقات، وخاصة إذا صوحبت بهديةٍ، ولا يكن وصل الرحم بمجرد الزيارة فقط، بل يمكن الاطمئنان عليهم برسالةٍ كتابية أو شفهية أو بالهاتف».

إن ديننا الإسلامي الحنيف دين الصلة ودين البر والرحمة فهو يأمر بالصلة وينهى عن القطيعة مما يجعل جماعة المسلمين مترابطة، متآلفة، متراحمة ويدعونا إلى التواصل وعدم الهجر مع عامة المسلمين، ويتأكد ذلك مع أولي الأرحام، وقد اهتم الإسلام بالأسرة والعلاقات العائلية بين أفراد الأسرة الصغيرة والكبيرة، لذا فرض على جميع المسلمين الحفاظ على صلة الرحم، وقد حثنا ديننا على صلة الرحم لأنها من أحب الأعمال إلى الله تعالى لقول النبي – صلى الله عليه وسلم – :«أحبُّ الأعمال إلى الله إيمان بالله، ثم صلة الرحم، ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» والرحم : رحم المرأة، ومنه استعير الرحم للقرابة لكونهم خارجين من رحم واحدة.. ويطلق الرحم على كل من يجمعك وإياه نسب من جهة الذكور أو من جهة النساء. هذا بالإضافة إلى آثار صلة الرحم الحميدة على الفرد والجماعة من نشر المودة والألفة والمحبة بين ذوي الأرحام، وصلة الرحم مما أمر به القرآن وحث عليه سيد الأنام، والاتصاف بها من محاسن الإسلام، فقد وعد الله بأن يصل من وصل رحمه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الرَحِمُ مُعَلَّقَة بالعَرشِ تَقولُ مَن وَصَلَني وَصَلَهُ اللّهُ وَمَن قطَعَني قَطَعَهُ اللّهُ » وَقَالَ بَعْضُ الْفُصَحَاءِ : مَنْ وَصَلَ رَحِمَهُ وَصَلَهُ اللَّهُ وَرَحِمَهُ وفي الحديث عنه – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: «من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أجله فليصل رحمه». وهذا الحديث بشرى عظيمة أن صلة الرحم تورث سعة الرزق، ورغد العيش، والبركة في العمر، وحفظ الصحة والذكر الحسن بعد الموت، والذرية الصالحة، والتوفيق لطاعة الله، والشعور بالسعادة وطمأنينة القلب وصلة الرحم من الأعمال الجليلة التي رغب فيها القرآن، وحث عليها، ورغب فيها الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – فالله يقول: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ)، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه» وقال بعض أهل العلم : وصِلَةُ الرَّحِمِ وَاجِبَةٌ، وَلَوْ بِسَلَامٍ وَهَدِيَّةٍ وَتَحِيَّةٍ، وَهِيَ مُعَاوَنَةُ الْأَقَارِبِ وَالْإِحْسَانُ إلَيْهِمْ وَالتَّلَطُّفُ بِهِمْ وَالْمُجَالَسَةُ لَهُمْ وَالْمُكَالَمَةُ مَعَهُمْ وقال القرطبي رحمه الله : اتفقت الملة على أن صلة الرحم واجبة وأن قطيعتها محرمة؛ وأصل الرحم من اسمه سبحانه وتعالى، الرحمن فعن عبد الرحمن بن عوف، قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «قال الله تبارك وتعالى: أَنا الرحمن، خلقتُ الرَّحِمَ، وشققتُ لها اسمًا من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بَتَتُّهُ». فهذه الرحم التي خلقها الله سبحانه وتعالى وسماها باسم مشتق من اسمه، وسماها بشيء مشتق من صفته، وهي صفة الرحمة. وقال الإمام السعدي رحمه الله: قرَن الله تعالى الأمرَ بتقواه، بالأمر ببر الأرحام، والنهي عن قطيعتها، ليؤكد هذا الحق فقال سبحانه: «واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام » وصلة الرحم من أخص صفات المؤمنين بل إنها من أبرز صفات سيد المرسلين كما قالت السيدة خديجة – رضي الله عنها – لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – لتهدأ من روعه: « كلا لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم.. »
وكما أن صلة الرحم طاعة عظمى لله عز وجل لها من الثواب والأجر العظيم نجد في المقابل أن قطيعة الرحم إثم كبير وجرم عظيم، والإنسان الذي يقطع رحمه ولا يصلها، عصى الله ورسوله- صلى الله عليه وسلم-، وارتكب ما حرم الله سبحانه وتعالى عليه، وقطع ما أمر الله به أن يوصل، والقاطع لرحمه يدخل في هذا الوعيد الشديد وهو اللعن والطرد من رحمة الله تعالى كما قال تعالى: ((فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم. أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم))، وأشد من ذلك في الوعيد على قاطع الرحم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة قاطع رحم»، وللأسف الشديد فإن الكثير من الناس يفرطون في هذا الأمر العظيم ويزهدون في هذا الثواب الكبير فيقطعون أرحامهم، وقد يكون ذلك متعمداً وتلك مصيبة عظمى، وقد يكون تكاسلاً ونسياناً في بعض الأحيان ونجد البعض يتعلل ببعض الأسباب والأعذار منها: أن قرابته لا يصلونه ولا يحسنون إليه، وهذا فهم سقيم؛ إذ أن الواجب على المسلم أن يصل رحمه وإن قطعوه كما جاء في الحديث فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها). وعن أبي هريرة رضي الله عنه: «أن رجلا قال: يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي، فقال: «لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك» والمل هو الرماد الحار، وهذا تعبير نبوي بليغ كناية عن سوء حالهم. والبعض يتعلل بكثرة الأشغال والأعمال في المال والعيال ولا يجد وقتاً لصلة الأرحام، والحقيقة أن الإنسان إذا أراد أن يفعل شيئاً يخصص له جزءاً من الوقت كالطعام والنوم والتنزه وغيرها؛ فلماذا لا يخصص بعض الوقت لهذه العبادة العظيمة وهي صلة الأرحام، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يزور ذوي رحمه مع تحمله لمهام الدعوة، فلزيارة الرحم أثرها الطيب في توطيد العلاقات، وخاصة إذا صوحبت بهديةٍ، ولا يكن وصل الرحم بمجرد الزيارة فقط، بل يمكن الاطمئنان عليهم برسالةٍ كتابية أو شفهية أو بالهاتف. والحلول التي يمكن طرحها في هذا الجانب ليكون المسلم من الواصلين لرحمه، أولاً: أن يستعين بالله ويطلب منه الهداية والتوفيق، ويسأله العون والسداد. وثانياً: أن يعلم المسلم أن صلة الرحم أمر واجب وليس نافلة، فإذا اعتقد ذلك وأقنع نفسه به سارع إلى الفعل. وثالثاً: تخصيص وقت ـ يوم في الأسبوع مثلاً- لصلة الأرحام. ورابعا: الإنسان يحب أن يصله أرحامه فعليه أن يحب لهم ما يحب لنفسه.

 

الصلة قرين التقوى –
د. سعيد بن سليمان الوائلي –
كلية العلوم الشرعية – مسقط –

«لقد كان التشديد بالغا في قطع الأرحام وتقطيع الصلات بين الناس بصفة عامة وبين الأقارب بصفة خاصة، إلى درجة المبالغة التي يعبر فيها عن قطع الرحم بقطع الصلة مع الله، فإدراك الإنسان لأهمية صلة الرحم وما يتبعها من فوائد ومصالح تعود على الإنسان نفسه عندما يمتثل هذا الأمر، وتربية الأولاد عليه بالقدوة وغيرها من وسائل التربية، هذا يكون من جملة الحلول القاضية على القطيعة»

لندرك أهمية صلة الرحم في ديننا الإسلامي ننطلق في الحديث عنها من أصل أربع نقاط: من أن الله تعالى «الرحمن» خلق الرحم وشقق لها اسما من اسمه عز وجل، وأن صلة الرحم من جملة ما أمرنا الله تعالى بوصله، وأنه تعالى قرنها بتقواه، وأنه تعالى نهانا عن قطيعتها.
فأولا: خلق الله الرحم وشقق لها اسما من اسمه، فالله هو الرحمن الرحيم، والحروف المكونة لاسم الرحم من اسم الرحمن عز وجل، وقد جاء هذا المعنى في الأثر المروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله عز وجل: أنا الله وأنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته». ونجد في معنى هذا الحديث ما يفيد تعظيم أمر الرحم وبيان مكانتها في التشريع الإسلامي، حيث قدر لها أن تكون مرتبطة في اسمها بما يقرب في الذكر من الرحمن تعالى ذكره وتقدست أسماؤه، فيتفاعل معها المؤمنون تفاعلا إيمانيا يدفعهم إلى مراقبة حق الله تعالى في وصلها وما يكون من أمرها.
ثانيا: لئن كان الوصل ضد الهجر والتواصل ضد التصارم، فإن صلة الرحم من جملة ما أمرنا الله تعالى بوصله، حيث قال عز وجل في وصف أولي الألباب الذين وعدهم بعقبى الدار: (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ)، كما ذكر الله تعالى الوعيد على من قطع ما أمر بوصله لأنه مخالف لما شرع الله تعالى من وصله فقال سبحانه في وصفهم: (الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ). ولو تصفحنا كتب التفسير لوجدنا ما يربطنا بصلة الأرحام من دلالة أمثال هذه النصوص، فقد جاء في بعض كتب التفسير: أن المراد بـ(الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل) ما يصدق على الفريق الذين يوفون بعهد الله. ومناسبة عطفه أنّ وصْلَ ما أمر الله به أن يوصل أثر من آثار الوفاء بعهد الله وهو عهد الطاعة الداخل في قوله: (وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم).
وقد جاء في الحديث النبوي: (من أراد أن يطول عمره فليصل رحمه)، تكرر في الحديث ذكر صلة الرحم، قال أبو الأثير: وهي كناية عن الإحسان إلى الأقربين من ذوي النسب والأصهار والعطف عليهم والرفق بهم والرعاية لأحوالهم، وكذلك إن بعدوا أو أساؤوا، وقطع الرحم ضد ذلك كله. وكذلك عندما يرد في آيات القرآن قرابة الإنسان بمثل قوله تعالى: (ذوي القربى) وهم من يتصل بهم الإنسان من قرابته وهم أولى من مدت إليهم يده بالعطاء والإحسان، كما جاء في الحديث المروي: (الصدقة على المساكين صدقة وعلى ذوي الرحم اثنتان صدقة وصلة)، فهم أولى الناس ببرك وإعطائك وقد أمر الله تعالى بالإحسان إليهم في مواضع من كتابه العزيز. ولأهمية صلة الرحم نجد النقطة الثالثة التي فيها قرن تقوى الله بالأرحام، كما جاء في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً). ومن المعاني التي يذكرها علماء التفسير في هذا الموضع ما يدل على تعظيم مكانة الأرحام وما يدل على صلتها، فعلى قراءة الجمهور بفتح حرف الميم من كلمة الأرحام يكون المعنى مأموراً بتقواها على المعنى المصدري أي اتّقائها، وهو على حذف مضاف، أي اتّقاء حقوقها، وعلى قراءة أخرى يكون تعظيماً لشأن الأرحام أي التي يسأل بعضكم بعضاً بها، وذلك قول العرب مثلا: (ناشدتك اللَّه والرحم).
ورابعا: لقد كان التشديد بالغا في قطع الأرحام وتقطيع الصلات بين الناس بصفة عامة وبين الأقارب بصفة خاصة، إلى درجة المبالغة التي يعبر فيها عن قطع الرحم بقطع الصلة مع الله، فقد جاء في الحديث عن جابر بن زيد قال: بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله تعالى: من وصل رحمه فقد وصلني، ومن قطع رحمه فقد قطعني». وجاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك. قالت: بلى. قال: فذاك لك. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرؤوا إن شئتم: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ)». وفي رواية عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله». ومن الأحاديث المنفرة عن قطيعة الرحم ما جاء عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة قاطع». قال ابن أبي عمر قال سفيان: يعني قاطع رحم.
ولما نأتي إلى واقع الناس الذي يعيشونه، ندرك أنه لا يوجد مانع من تواصلهم فيما بينهم ومن صلة أرحامهم والإحسان إلى أقاربهم إلا ما يتعذرون به من أعذار واهية، يظنون أنها مانعة لهم من وصل ما أمر الله به أن يوصل، كمثل ما يتعذرون به من الاشتغال بالوظائف والأعمال، أو الارتباط بما يكون من الارتباطات الاجتماعية، أو ما يكون من سوء فهم وعلاقة تدفع بعضهم إلى مقابلة الإساءة بمثلها، وقد يتعذر بعض الناس ببعد المسافة بينه وبينهم، فيجعل سببا في بعده وجفاه عن أرحامه وأقاربه الذين أمر بالإحسان إليهم ووصلهم. وكل هذه الأعذار لا مبرر لها في القطيعة المذمومة ما بين الأهل والأرحام، ولنا أن ندفعها بما يقابلها، فإن الوظيفة والعمل مهما ارتبط به الإنسان ليكون فاعلا في مجتمعه ومنتجا في حياته، فإن ذلك لا ينافي ولا يتعارض مع التواصل بأهله وأرحامه، خاصة ونحن في عصر تيسرت فيه وسائل الاتصال والتواصل، فلا أقل من أن يتواصل معهم بالاتصالات الهاتفية وإن بعدت أماكنهم، وإن تزاحمت به الأعمال والارتباطات.
ومن أبرز الحلول التي ينبغي أن يعمل عليها للحد من ظاهرة القطيعة: التعاون بين المؤسسات العامة والخاصة لحسن التوعية فيما يتعلق بأهمية العلاقات بين الأرحام والأقارب، ولعل ما يظهر من اهتمام بهذه النقطة في خطب الجمعة على منابر بلادنا الحبيبة له أكبر الأثر في ذلك، فإننا نلمسه في السنوات الأخيرة بصورة واضحة، ولو زكيت هذه الروح من قبل المؤسسات الأخرى لأدى إلى ثمرة أينع ونتائج أفضل بإذن المولى عز وجل. أما على مستوى العائلة، فإن إدراك الإنسان لأهمية صلة الرحم وما يتبعها من فوائد ومصالح تعود على الإنسان نفسه عندما يمتثل هذا الأمر، وتربية الأولاد عليه بالقدوة وغيرها من وسائل التربية، هذا يكون من جملة الحلول القاضية على القطيعة أيضا. ولذلك كانت الآثار المروية تبين للناس ما يكون من فوائد صلة الرحم كما جاء في الحديث عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في رجاء فليصل رحمه». وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة في الأثر». ومعنى قوله منسأة في الأثر يعني زيادة في العمر. ويستعان على ذلك بما يكون من وسائل الإعلام المتميزة في إبراز هذا الأمر في أحسن صورة وأبلغ أثر وأقوى تأثير على الجمهور والمتابعين، ليصل ما قطع، ويصلح ما أفسد، ويقضى فيه على ما لا يرضي ربنا سبحانه وتعالى.