التجربة العمانية

دكتورة – لمياء محمود – رئيس شبكة صوت العرب – الإذاعة المصرية –

أسعدتني دعوة كريمة من وزارة الإعلام العمانية بأن أكون شاهد عيان على تجربة عربية مهمة، جدير بنا أن نتوقف عندها، وهي انتخابات مجلس الشورى في سلطنة عمان، الدورة التاسعة 2019 /‏‏ 2023. الاستعدادات بدأت قبل الموعد المحدد في السابع والعشرين من شهر أكتوبر 2019 بأشهر. ولم تكن هذه الاستعدادات من قبل المترشحين فقط، الذين يقومون بإعداد البرامج الانتخابية، التي تبحث عما يحتاجه المواطن في أولوياته اليومية، والتخطيط لوضعها في برامج تنفيذية تجعل الناخب يعطى له الثقة، ويختاره ممثلًا له في مجلس الشورى، بل امتدت الاستعدادات على الجانب الآخر الخاص بالدولة في التهيئة للانتخابات، والذي تمثل في مراجعة الجداول الانتخابية التي بلغ عدد المسجلين فيها ما يزيد عن واحد وسبعين ألف ناخب نصفهم تقريبًا من النساء، ويمثل عدد الناخبين هذا نسبة ثمانية وعشرين ونصف في المائة من عدد المواطنين العمانيين، والموزعين على مائة وعشرة مراكز انتخابية في جميع ولايات السلطنة، بنظام يضمن إدلاء الجميع بصوته بكل سهولة ويسر، كما يعطى حق التصويت لأبناء المحافظات البعيدة ممن حتمت عليهم ظروفهم الوجود خارج مقراتهم الانتخابية في يوم الانتخاب.
وكما تسعى السلطنة دائمًا لإيجاد الجديد والمبهر كان العمل على إدخال التصويت الإلكتروني، واستخدامه في جميع اللجان للتصويت، والمبهر أن جهاز التصويت الإلكتروني «صوتك»عماني مائة في المائة، في التصميم والتصنيع، وقد تمت تجربته حتى تم اعتماده وتعميمه واستخدامه في الدورة التاسعة لانتخابات مجلس الشورى.
حان يوم الحدث، بدأ تحرك الوفود الإعلامية التي تمثل كل وسائل الإعلام من كل قارات العالم إلى اللجان الانتخابية للتعرف على سير العملية، وهنا كان الإبهار الذي اعتادت عليه سلطنة عمان. نظام دقيق في محيط كل لجنة انتخابية، دعم كامل من كل المرافق من كهرباء ومياه وإسعاف وسيارات إطفاء وغيرها تحسبًا لأية طوارئ، لافتات إرشادية واضحة في كل مكان. داخل اللجان صفوف طويلة منتظمة أمام كل لجنة انتخابية، واحد فقط يدخل لمكان الإدلاء بالصوت، يدخل بطاقة الهوية، ويضع بصمته على الجهاز، وفي حال التطابق تظهر قائمة المترشحين كاملة بالأسماء والصور، فيختار الناخب من يرغب في اختيارهم، وهم اثنان للولاية التي يزيد عدد سكانها عن ثلاثين ألفًا، وواحد فقط للولاية التي يقل عدد سكانها عن ذلك، ثم يؤكد الاختيار، وتنتهي العملية في دقيقتين على الأكثر لكل ناخب.
ومن الأضواء المهمة على هذا الحدث المهم في سلطنة عمان، مجموعة من الإشارات. أولها: النظام الدقيق في سير العملية الانتخابية، وهذا يعني أن هناك عملية تمهيد إعلامية إيجابية، جعلت المواطنين العمانيين ـ بما فيهم الفئات الخاصة من معاقين وكبار السن ـ يحرصون على المشاركة في اختيار ممثليهم في مجلس الشورى، وقد بلغت نسبة المشاركة الإجمالية تسعة وأربعين في المائة بزيادة عشرين في المائة عن الانتخابات السابقة، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بنسب المشاركة العالمية في الانتخابات.
وثانيها: ارتفاع نسبة مشاركة المرأة، سواء بالترشح أو الانتخاب، فقد بلغ عدد المرشحات أربعين سيدة بنسبة ستة وثلاثة من عشرة في المائة من إجمالي عدد المترشحين، وبلغت نسبة من أدلين بأصواتهن نسبة مساوية تقريبا للرجال في معظم اللجان.
أما الملاحظة الثالثة، والتي تمثل أيقونة هذه الانتخابات، فهي جهاز «صوتك»، الذي حظي بإعجاب كل المراقبين لها، ونقطة مضيئة فيها، حيث يمثل استخدامه الحالة الأولى في جميع الدول العربية، وهي تجربة فريدة نتمنى أن يتم تعميمها، ونشر فكرتها بناء على نجاحها بدرجة كبيرة في التطبيق في السلطنة، التي يبقى لها فضل السبق والريادة، لأن الجهاز يحمل أيضًا تسجيلًا ورقيًا لعملية التصويت لكل ناخب، يمكن الرجوع إليها في حال وجود أي طعن، وهذه ضمانة أخرى للشفافية. كما أن الجهاز يتيح المتابعة اللحظية من لحظة بدء التصويت وحتى نهايته، من قبل اللجنة العليا للانتخابات لكل الإحصائيات، من عدد المشاركين وتصنيفهم وفق كل المتغيرات، والأصوات التي حصل عليها كل مترشح، وهو ما جعل النتيجة النهائية للانتخابات تعلن فور الانتهاء من عملية التصويت، من خلال متابعة وسائل الإعلام المختلفة. وهنا نصل إلى التغطية الإعلامية طوال يوم الانتخابات من جميع الوسائل التي كان لها حضور متوازن في كل المناطق، حتى أنه ومراعاة للحياد والشفافية، تم توزيع المراسلين الذين يقومون بالتغطية خارج نطاق انتماءاتهم، حتى لا تخرج من أحد منهم حتى ولو كلمة تبدو فيها أي شبهة مجاملة لأبناء دائرته.
والملاحظة الرابعة هي حجم التغيير بين المجلس الحالي والمجلس السابق، والذي وصل إلى الثلثين، وهو ما يعكس وعيًا من المواطنين بدور المجلس ومتابعة أدائه، والتصرف السريع بالتغيير في الدورة التالية، وأن المصلحة العامة هي التي تحكم منح الصوت لشخص دون آخر.
وتبقى أخيرًا الملاحظة التي أتمنى ألا تعتبر تحيزًا، وهي أنه رغم عدد المرشحات الكبير، وعدد الناخبات الكبير، إلا أن عدد من كان لهن شرف دخول المجلس في هذه الدورة سيدتان فقط، مقابل أربعة وثمانين رجلًا، وهي نسبة قليلة بدرجة كبيرة لا تعكس مكانة المرأة العمانية في المجتمع، ولا حجم الاهتمام بها وبدورها، إلا أنها بداية أتمنى أن تكون انطلاقة لنشاط نسوى فاعل خلال سنوات انعقاد هذه الدورة حتى يجد الناخب العماني أن المرأة يمكن أن تحقق للمجتمع الإنجاز وصولًا للتقدم والرقى المطلوب.