إضاءة :نحو مجتمع راق

سالم الحسيني –
لا شك أن استغلال الأوقات وتسخير الطاقات في توعية المجتمعات وحث الأفراد والجماعات على القراءة وتعليم أمور الدين فيه ما فيه من تنوير للبصائر وحصانة للأفكار مما تفرزه الحضارة الحديثة من أفكار وتوجهات سلبية لها التأثير المباشر على سلوكياتهم وممارساتهم المجتمعية وتوجيه لطاقات الشباب نحو البناء والتعمير، وقد وجهنا القرآن الكريم وحثنا على القراءة والتعلم لما في ذلك من بناء لشخصية الإنسان وإدراكه لما يدور حوله من أحداث، حتى يتمكن من تمييز الصالح من الطالح والغث من السمين، ولذلك فأول ما نزل من الوحي الإلهي على نبينا الكريم قوله تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) فعلينا أن نستلهم من هذا التوجيه الرباني، والهدي النبوي: (طلب ‏العلم فريضة على كل مسلم) فنحث الخطى نحو البحث عن ضالتنا من مضانها فنطلب العلم النافع ونبذل فيه جهدنا في تعلمه وتعليمه، ولن يتأتى ذلك إلا بتكريس الجهود في طلبه فهو فريضة من فرائض الدين، ولا ريب أن فضل ذلك وخيره يعود في المقام الأول على صاحبه بصفة خاصة وعلى المجتمع بصفة عامة، وقد أجاد أمير الشعراء حينما قال:
العلم يرفع بيوتا لا عماد لها
والجهل يهدم بيت العز والشرف
والملاحظ حسب ما تؤكده المؤشرات ويصدقه الواقع أن الشباب الذين نالوا نصيبا وافرا من العلوم المختلفة وحظا لا بأس به من العلوم الشرعية صنع منهم فارقا بينهم وبين أقرانهم في كثير من الرؤى والتوجهات وفي نظرتهم إلى الحياة وإحساسهم بقيمة الأوقات وتثميرها لصالحهم بما يعود عليهم بالنفع والفائدة في دينهم ودنياهم وآخرتهم فقد سخروا دنياهم لصالح عاقبتهم التي جعلوها هدفا وغاية لتحقيق النجاح والفوز بها لذلك سعد بهم المجتمع وشرف بهم الوطن بل شرفت بهم الأمة بأسرها.
ومن هنا فلابد من تكريس الجهود وتعاون الجميع بداية من تنشئة الأبناء داخل الأسرة وذلك بتعليمهم أساسيات الدين وأركانه وتعريفهم بأهميته وترسيخه في أذهانهم لينشأوا نشأة صالحة واصطحابهم إلى الندوات والمحاضرات والدروس الدينية وإلحاقهم بعد ذلك بمدارس القرآن الكريم الموثوقة وقبل ذلك تمثّل القدوة الحسنة لهم في المنزل والمدرسة والمحيط المجتمعي وتحذيرهم من الصحبة السيئة، فإذا ما تكونت لديهم القناعات منذ نعومة أظافرهم شقوا طريقهم نحو المعالي بروح وثابة وعزيمة صادقة لا تعرف الكلل ولا ينتابها الملل. ثم إن الدولة بأسرها معنية بهذا الأمر فإذا كان أفرادها صالحين أصبحوا لبنة أساسية لتدعيم أركانها وحفظ منجزاتها فلذلك لابد من إعطاء ذلك الأمر أهمية بالغة وتكريس الجهود الأهلية والحكومية لتوجيه طاقات الشباب نحو البناء الفكري البناء، ولا شك أن هناك جهودا تبذل من قبل بعض المؤسسات المعنية فهناك من المسابقات القرآنية وهناك المحاضرات الدينية وتسيير القوافل الوعظية وإقامة البرامج المسجدية وغيرها من الجهود لكنها في حاجة إلى مزيد من العطاء ليثمر ذلك كله مجتمعا حضاريا راقيا متمسكا بقيمه وأخلاقه الفاضلة.