ثورة المستقبل .. 100% طاقة متجددة ونظيفة

رشا عبد الوهاب –

لن يصدق أحد أن الطاقة المتجددة التي يبشر بها العلماء والحكومات كبديل للوقود الأحفوري الملوث للهواء، كانت هي المصدر الأساسي للطاقة منذ مليون عام، وهو ما مهد لاكتشاف النار عبر استخدام الكتلة الحيوية لإصدار الشرر.

هذا الشرر ذاته كان بداية تحول كبرى في تاريخ البشرية، وساهم في الانتقال من العصر الحجري وما قبل التاريخ تدريجيا إلى العصور الوسطى والحديثة. كما سخر الإنسان طاقة الرياح في تسيير السفن منذ 7 آلاف سنة في نهر النيل.. واستخدم مصادر أخرى مثل المياه والشمس في توليد الطاقة في كثير من الأمثلة. ومع الثورة الصناعية في أوروبا، انتبه العلماء إلى أن الفحم مصدر غير دائم للطاقة، وبدأ من هنا الحديث عن بدائل أخرى من الطبيعة منذ ستينات وسبعينات القرن الثامن عشر. وفي أحدث تقارير وكالة الطاقة الدولية، قال فاتحبيرو المدير التنفيذي للوكالة إنه «وقت محوري للطاقة المتجددة، فالتكنولوجيات مثل الخلايا الشمسية الكهروضوئية والرياح في قلب التحولات التي تحدث في نظام الطاقة العالمي، وتوظيفهم المتزايد ضروري لجهود مكافحة انبعاثات غازات الدفيئة، والحد من تلوث الهواء، وزيادة مصادر الطاقة».
وتنمو الإمدادات العالمية من الكهرباء المستمدة من الطاقة المتجددة بشكل أسرع من المتوقع ويمكن أن يزداد بنسبة 50% خلال السنوات الخمس المقبلة، مدفوعا بالطفرة الجديدة في الطاقة الشمسية. وعلى الرغم من وجود عوائق، إلا أن تكنولوجيا الطاقة المتجددة أصبحت بديلا متاحا للوقود الأحفوري، يتبناه العالم من أجل التخفيف من التأثيرات العنيفة والفورية للتغير المناخي، فالأجيال القادمة لن تتسامح مع ما يحدث في البيئة، حسبما حذرت الناشطة البيئية جريتا ثنوبرج من على منبر الأمم المتحدة. وذكرت وكالة الطاقة الدولية أن المشروعات المعتمدة على الطاقة الشمسية والرياح والطاقة الكهرومائية يتم تنفيذها بأسرع وتيرة منذ أربع سنوات. وتوقعت الوكالة في أحدث تقاريرها أنه بحلول 2024، سيشهد العالم فجرا جديدا للطاقة الشمسية الرخيصة حيث سترتفع طاقة الشمس إلى 600 جيجاوات، حوالي ضعف الإنتاج الإجمالي للكهرباء في اليابان. وبشكل عام، فإن إنتاج الكهرباء «المتجددة» من المتوقع أن ينمو حوالي 100 جيجاوات خلال السنوات الخمس المقبل، وهو ما يعادل إجمالي إنتاج الكهرباء في الولايات المتحدة. ثورة الطاقة المتجددة يمكن أن تكون النهاية لزيادة طلب العالم على البترول والفحم خلال العقد القادم، وهو ما يخالف توقعات شركات البترول والتعدين. وحاليا، تمثل الطاقة المتجددة حوالي 26% كمصدر لإنتاج الكهرباء، لكن وكالة الطاقة الدولية توقعت أن تصل هذه النسبة إلى 30% بحلول 2024، وجاءت هذه الزيادة بعد تباطؤ الاقتصاد العالمي العام الماضي، وتراجع تكاليف هذه التكنولوجيا وارتفاع المخاوف البيئية. ومع تواصل التعهدات الأوروبية والرغبة الأمريكية في مكافحة التغيرات المناخية، فإن ذلك يلعب دورا كبيرا في زيادة التوقعات الإيجابية للطاقة، لكن الصين وشهية الشركات والمصانع المستهلكة للطاقة هي المعادلة الصعبة في قيادة الطريق نحو عالم بلا انبعاثات. ومن المتوقع أن تنخفض تكلفة الطاقة الشمسية بنسبة 15% لتصل إلى 35 % بعد 5 سنوات. كما أن المنازل التي تركب الألواح الشمسية على أسطحها من المتوقع أن تتضاعف لتصل إلى 100 مليون، خصوصا في دول مثل أستراليا وبلجيكا وهولندا والنمسا، ومدن مثل كاليفورنيا. وتوفر الطاقة المتجددة الطاقة النظيفة في أربعة مجالات حيوية، وهي توليد الكهرباء، تسخين وتبريد الهواء، النقل، وأخيرا توفير خدمات النقل في المناطق الريفية. وبشكل عام، يتطور سوق الطاقة باستمرار، حيث يتجه حاليا إلى استخدام أنظمة طاقة أكثر مرونة مع زيادة حصة الطاقة المتجددة من مصادر طبيعية مثل أشعة الشمس والرياح والمد والجزر ونمو النباتات والحرارة الخارجة من باطن الأرض والكتلة الحيوية، وكل ظواهر الطبيعة التي تتجدد باستمرار. ومن المنتظر أن تلعب طاقة الرياح دورا مهما في ازدهار الطاقة المتجددة، حيث يمكن استخدام تدفق الهواء في تشغيل التوربينات. وعالميا، بلغ حجم الاستثمارات في الطاقة المتجددة حوالي 280 مليار دولار في 2017، حيث بلغت حصة الصين وحدها 126 مليار دولار بنسبة 45% من الاستثمارات العالمية مقابل 40 مليارا للولايات المتحدة وحوالي 41 مليارا لأوروبا. ومشروعات الطاقة المتجددة لم تعد مقصورة على الدول الغنية باعتبارها «رفاهية»، كما وصفها بعض النقاد بشكل خاطىء، بل أصبحت ضرورة في بعض الدول النامية، وهو ما دفع دول إفريقيا وأمريكا اللاتينية إلى زيادة الاستثمار في الطاقة المتجددة باعتبارها بديلا لارتفاع أسعار الوقود الأحفوري خصوصا في المناطق الريفية والنائية. وفتح التقدم التكنولوجي سوقا ضخمة جديدة أمام الطاقة الشمسية حيث يوجد ما يقدر من 1.3 مليار شخص حول العالم بلا كهرباء. كما تبنت 176 دولة سياسة للطاقة المتجددة، وذلك في إطار اتفاق باريس للمناخ. كما أسست عشرات الدول والحكومات ما يسمى «بنوكا خضراء»، وهي مؤسسات مالية شبه رسمية تستخدم رأس المال العام لزيادة الاستثمار في تقنيات الطاقة النظيفة. وأطلقت الأمم المتحدة مبادرة «100% من الطاقة النظيفة» لمكافحة التغيير المناخي العالمي والتلوث، حيث دعت المنظمة الدولية إلى مضاعفة استخدام الطاقة النظيفة 6 مرات لتحقيق هدف خفض الاحتباس الحراري درجتين مئويتين.
ولكن على الرغم من الحلم بمستقبل أكبر للطاقة المتجددة في المستقبل، بفضل وعي جيل المراهقين والشباب بتأثيرات التغير المناخي، وهو ما أسفر عن إضرابات واسعة في المدارس حول العالم، إلى جانب ظهور حركات مثل التمرد ضد الإنقراض «إكستينكشن ريبليون»، إلا أن هناك تحديات كبرى تواجه هذا المستقبل. ومن بين هذه التحديات الضغوط السياسية، ونفوذ الشركات، والبنى التحتية القديمة والمتهالكة في عدد كبير من الدول. ويكشف الواقع عن أن العام الماضي، شهد لأول مرة حالة من الشلل في نمو قطاع الطاقة المتجددة منذ 2001، بسبب فشل الصين في زيادة توليد الكهرباء عبر التقنيات النظيفة، لكن العام الحالي، عادت الطاقة المتجددة لتسير على الطريق.
وعلى المستوى العالمي، فإن الوقود الأحفوري مدعوم بحوالي 370 مليار دولار مقابل 100 مليار فقط للطاقة المتجددة. وعلى أرض الواقع، هناك مؤشرات على أن الطاقة المتجددة لن تحتاج إلى دعمها على المدى الطويل، وهو ما يعني إلغاء بند في ميزانية الدول، وهو ما يؤكد على الحاجة إلى إنهاء تمويل الوقود الأحفوري. لكن حتى في حالة عدم تحميل الطاقة المتجدة على ميزانية الدول، فإن الوقود الأحفوري مرتبط بنسيج الاقتصاد الأمريكي على سبيل المثال، بداية من الضرائب وحتى توظيف العمالة. وهناك تحد آخر يتمثل في قدرة العديد من دول العالم في تنفيذ الالتزامات الواردة في اتفاق باريس للمناخ، ومن بينها العلاقة المثيرة للجدل بين اقتصاد دول وناتجها المحلي الإجمالي، والذي يضرب بجذوره في امتلاكها لاحتياطات ضخمة من الوقود الأحفوري، البترول والفحم والغاز الطبيعي، والتقاعس عن تنفيذ التزامات مكافحة التغير المناخي. فالهند، على سبيل المثال لا الحصر، تدعم مشروعات الطاقة المتجددة لدرجة أن الاستثمار «المتجدد» يتقدم بخطوات على الاستثمار في الوقود الأحفوري. فقد احتلت الهند عناوين الصحف، خلال الأشهر القليلة الماضية، بعد تعهدها باستثمار 300 مليار دولار في الطاقة المتجددة بحلول 2030. وأشار فان هيل خبير الطاقة المتجددة الأمريكي إلى أن «الفحم سيظل مصدرا رخيصا ومتوافرا وسوف يتم استخدامه بشكل أساسي في الهند لتوليد الطاقة، وهو ما يعتبر حقيقة واقعة في عدد من الدول». ومازالت الهند والصين، أكبر ملوثين للهواء في العالم، يعتمدان على الفحم، فهو «الملك» كمصدر رئيسي لتوليد الكهرباء. وربما تكشف الأرقام عن حقائق مفزعة على طريق العالم نحو الطاقة المتجددة، فالصين أكبر مستهلك في العالم للفحم، إلا أن الدراسات الحديثة تؤكد بنبرة متفائلة أن استخدام الفحم لتوليد الكهرباء سوف ينتهي في 2050، كما أن المشروعات التي تعتمد على الفحم تضاءلت بنسبة 70% في الفترة بين 2015 و2018. وتتحول الولايات المتحدة، أكبر اقتصاد في العالم، بقوة باتجاه استخدام الطاقة النظيفة حيث تتجه مصانع الكهرباء بسرعة إلى التخلي عن استخدام الفحم لصالح الغاز الطبيعي وطاقة الرياح. وما بين التحديات والنظرة المتفائلة يسير العالم، بقوة التغيرات المناخية ونضوب الوقود الأحفوري، باتجاه تنفيذ ثورة الطاقة النظيفة.