استثمار في المستقبل

د. أحمد سيد أحمد –

تعد مصادر الطاقة المتجددة من، الشمس والرياح والمياه والطاقة الحيوية والطاقة المستخرجة من النفايات، المستقبل الحقيقي للطاقة في العالم، حيث تتجه أغلب الدول الآن نحو الاستثمار في تلك الطاقة باعتباره استثمارا في المستقبل وذلك لعدة اعتبارات.
أولها: هو تناقص وتراجع الاحتياطي العالمي من الطاقة غير المتجددة خاصة من النفط والغاز والتي اعتمد عليها العالم والثورة الصناعية الحديثة لما يقارب القرن من الزمان منذ اكتشاف النفط واستخدامه في بداية القرن العشرين، خاصة مع استهلاك العالم لهذه المصادر في ظل تزايد السكان حيث من المتوقع ألا تكفى الاحتياطيات الحالية والمستقبلية من الطاقة التقليدية غير المتجددة خاصة من الوقود الأحفوري لأكثر من مائة عام قادمة وهو ما دفع العالم إلى البحث عن بدائل لتلك الطاقة التقليدية والاتجاه نحو الطاقة المتجددة خاصة طاقة الشمس وطاقة الرياح.
ثانيها: سد العجز الكبير في الاحتياجات العالمية من الطاقة مع تزايد عدد سكان العالم لما يقارب تسعة مليارات نسمة وبالتالي تزايد الاستهلاك العالمي من الطاقة ولم تعد المصادر الحالية من النفط والغاز والفحم كافية لتلبية تلك الاحتياجات المتزايدة حيث كشفت دراسة حديثة للجنة الدولية للتغيرات المناخية أنه يمكن الحصول على نحو 75% من الطاقة في جميع أنحاء العالم من مصادر بديلة بحلول عام 2050.
ثالثها: التكلفة المنخفضة للطاقة المتجددة مقابل التكلفة العالية للطاقة من النفط والغاز في ظل ارتفاع أسعار النفط عالميا إضافة إلى ارتفاع تكاليف عمليات التنقيب والبحث عن احتياطيات جديدة للنفط والغاز، ولقد أدى ارتفاع تكلفة الطاقة التقليدية من النفط إلى ارتفاع أعباء المعيشة على المواطن في العديد من دول العالم مع اتجاه الحكومات المختلفة لرفع أسعار المحروقات للتغلب على عجز الميزانيات العامة. في المقابل فإن الطاقة المتجددة تتميز بانخفاض تكلفة إنتاجها كما أنها تتاح بأسعار معقولة للمستهلكين، وقد خلص بحث أجرته الوكالة الدولية للطاقة المتجددة إلى أن مضاعفة نصيب الطاقة المتجددة في السوق العالمية المتنوعة للطاقة إلى 36% بحلول عام 2030 يمكن أن يوفر للاقتصاد العالمي ما يصل إلى 4.2 تريليون دولار في العام. كما أشار بحث الوكالة الدولية للطاقة أيضا إلى أن التحول السريع في الطاقة بما يتماشى مع خارطة الطريق لعام 2050 من شأنه أن يوفر على الاقتصاد العالمي نحو 160 تريليون دولار بشكل تراكمي على مدار السنوات الـ30 القادمة حيث أن كل دولار يتم إنفاقه على تحويل الطاقة سيؤتى ثماره 7 أضعاف. وبالتالي من ناحية الجدوى الاقتصادية فإن الاستثمار في الطاقة المتجددة وزيادة الاعتماد عليها يعد أقل تكلفة وأكثر في العائد من الطاقة غير المتجددة. إضافة إلى أن قطاع الطاقة المتجددة يوفر ملايين من فرص العمل الجديدة بما يساهم بشكل كبير في حل مشكلة البطالة.
رابعها: تتميز أسعار الطاقة غير المتجددة من النفط والغاز بالتقلب الشديد خاصة أن أسعارها ترتبط بعوامل خارجية متغيرة بشكل مستمر حيث ترتبط بمعدلات نمو الاقتصاد العالمي وحجم الطلب العالمي على النفط وفى ظل حالة الركود الحالية في الاقتصاد العالمي يقل الطلب على النفط ومن ثم تراجعت أسعاره، كما أن الحروب والصراعات في العالم وحالة الأمن والاستقرار السياسي خاصة في مناطق إنتاج النفط أو في مناطق استهلاكه تؤثر سلبا على أسعار النفط كذلك حركة التجارة الدولية ودرجة الأمان المتعلقة بسفن الشحن التجاري وسفن شحن النفط والتي تعرضت لهجمات وحالة من الاضطراب في الفترة الأخيرة كما حدث في الخليج العربي وتعرض عدد من سفن نقل النفط لهجمات متكررة، وبالتالي في ظل تباين وتقلب أسعار النفط والغاز أصبح من الخطر الاعتماد بشكل أساسي على تلك المصادر كمصدر رئيسي او وحيد للدخل القومى وتوجه العديد من الدول نحو تنويع هيكل اقتصادها وتقليل الاعتماد على النفط والغاز كمصدرين أساسيين والتوسع في مصادر الطاقة الأخرى خاصة الطاقة المتجددة التي لا تتأثر بعوامل التقلب في الأسواق كتلك التي تتأثر بها مصادر الطاقة من النفط والغاز.
خامسها: إيجاد بيئة نظيفة: فقد ساهمت مصادر الطاقة غير المتجددة من النفط والغاز في حدوث التغيرات المناخية والغاز وزيادة الانبعاثات الحرارية وانبعاثات الكربون وما تسببت فيه من تداعيات خطيرة على العالم، والتي تمثلت في ارتفاع غير مسبوق في درجة حرارة الأرض كما برز في أوروبا والعديد من المناطق الباردة تقليديا مما أدى إلى مقتل مئات الأشخاص، كذلك تزايد نسبة التصحر والجفاف في العالم وهو ما أثر سلبا على الأمن الغذائي العالمي وتناقص المحاصيل الزراعية كذلك حدوث خلل في النظام البيئي العالمي وارتفاع درجات التلوث البيئي وتأثيرها السلبي على الإنسان والكائنات الحية وانتشار الأمراض غير التقليدية وكل ذلك نتيجة للإفراط في الاعتماد على النفط. ولذلك في ظل تحديات التغير المناخي التي تواجه العالم فإن السبيل الوحيد لمواجهة ذلك هو تزايد الاعتماد على الطاقة المتجددة باعتبارها أكثر نظافة وأقل تلويثا للبيئة حيث زيادة الطاقة المتجددة إلى جانب الإمداد بالكهرباء يمكن أن يوفرا أكثر من ثلاثة أرباع الانخفاض في الانبعاثات المرتبطة بالطاقة التقليدية واللازمة لتحقيق الأهداف العالمية المتعلقة بالمناخ، وبالتالي فانخفاض تكاليف الطاقة المتجددة وزيادة الاعتماد عليها والتوسع في إنتاجها يمكن أن يؤدي إلى بيئة نظيفة ويقلل من انبعاثات الكربون كذلك إنتاج مصادر طاقة أقل تكلفة وأكثر نفعا للحضارة البشرية وللعالم.
ولاشك أن التوجه العالمي الآن هو للطاقة المتجددة والاستثمار فيها باعتبارها المنقذ للاقتصاد وللاستعداد لمرحلة ما بعد نضوب الطاقة التقليدية من النفط والغاز، وقد بلغ مجموع الاستثمارات العالمية في الطاقة المتجددة وفقا لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة في عام 2015 حوالي 286 مليار دولار بلغت استثمارات الدول النامية منها حوالي 156 مليار دولار خاصة في دول مثل الصين والهند والمكسيك وجنوب أفريقيا وغيرها.
ولاشك أن المنطقة العربية بما لديها من مقومات طبيعية خاصة من الشمس الساطعة طول العام وكذلك الرياح يمكن أن تتجه نحو الاعتماد بشكل كبير على الطاقة المتجددة خاصة الطاقة الشمسية، والتي تحقق مزايا كبيرة ليس فقط على صعيد توفير بيئة نظيفة وتقليل معدلات التلوث العالية التي تسببها الطاقة التقليدية من النفط وإنما أيضا لاعتبارات اقتصادية والاستعداد لمرحلة ما بعد النفط، حيث يمكن للدول العربية إنتاج الطاقة المتجددة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لتغطية احتياجاتها من الطاقة ويمكن لها أن تصدر الفائض إلى الدول الأخرى وهو ما يمثل مصدرا مهما لزيادة موارد الدخل القومى، وبالفعل بدأت العديد من الدول العربية مثل المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان ومصر والإمارات العربية المتحدة والمغرب في التوجه نحو إنتاج الطاقة المتجددة والاستثمار فيها والاستفادة من الخبرات العالمية والتكنولوجيا الحديثة في هذا المجال مع التوسع في التخصصات العلمية والهندسية المرتبطة بالطاقة المتجددة.
وبالتالي يمكن القول إن المستقبل الآن هو للطاقة المتجددة والاستثمار فيها فهو استثمار في المستقبل وفي الاقتصاد وفي التغلب على مشكلات التغيرات المناخية وتوفير بيئة نظيفة أقل تلوثا، وإذا كانت الحضارة الحديثة والثورة الصناعية قام عمادهما على الطاقة غير المتجددة من النفط والغاز بعد مرحلة الاعتماد على الفحم وكذلك على الطاقة الكهربائية، فإن الاقتصاد العالمي والثورة المعرفية والرقمية الحالية سيكون عمادها على الطاقة المتجددة وهو ما يؤكده تشجيع الأمم المتحدة للتوجه نحو التوسع في إنتاج الطاقة المتجددة واستثمار الدول المتقدمة والنامية مئات المليارات من الدولارات فيها.