الاستثمار في مستقبل مربح

د. الطيب الصادق –

هناك تحديات ومعوقات كثيرة تواجه مستقبل الطاقة المتجددة يتمثل بعضها في ضعف الأطر القانونية وضعف برامج الأبحاث والتطوير والتمويل فضلا عن انخفاض مستوى وعي المستهلكين بأهمية الطاقة المتجددة مما يؤدي إلى انخفاض الطلب عليها لكن هناك توجها كبيرا من الحكومات العربية لتشجيع العمل في مجال الطاقة الجديدة والمتجددة والعمل على جذب الاستثمارات في هذا القطاع.

من المعروف أن الطاقة الجديدة هي الطاقة التي تتجدد مصادرها باستمرار وغير قابلة للنضوب وتتمثل في الطاقة الشمسية والطاقة المائية وطاقة الرياح وغيرهم من الطاقات التي تندرج تحت هذا المسمى ولم يعد يقتصر اللجوء إليها بدولة معينة بل شقت الطاقة المتجددة طريقها بوتيرة متسارعة في سوق الطاقة خلال السنوات القليلة الماضية، واتجهت أنظار العالم إليها ليس لكونها إحدى الحلول لإنقاذ الكرة الأرضية من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون والاحتباس الحراري فقط لكن سرعان ما تغيرت نظرة العالم وتحولت إلى أنها أحد أساليب إنتاج الطاقة الاقتصادية وذلك للاستفادة من انخفاض أسعارها وتكلفتها المنخفضة خصوصا أن الاستثمار فيها يمثل بعدا اقتصاديا وصحيا صديقا للبيئة ولذلك بلغت الاستثمارات العالمية في مجال الطاقة المتجددة 288.9 مليار دولار أمريكي في عام 2018، وذلك وفقا لتقرير منظمة بلومبرج.
ويمكننا أن نؤكد أن الاستثمار في الطاقة المتجددة لم يعد رفاهية أو ترفا، بل أصبح استثمارا في مستقبل مربح لابد منه اقتصاديا وبيئيا فالطاقة الأحفورية المهددة في النضوب خلال 100 عام على الاكثر، يقابلها طلب متزايد على الطاقة عالمياً وهو ما أكدته الإحصائيات على الرغم من انخفاض الاستثمار بنسبة 11 % في عام 2018 مقارنة بعام 2017، إلا أن الاستثمارات في الطاقة المتجددة تجاوزت 250 مليار سنويا في السنوات الخمس الأخيرة وهو يشير إلى تسابق دول العالم في الاستثمار في هذا القطاع المهم لحاجة الدول إليه لأن التنمية الاقتصادية والاجتماعية ترتبط بشكل وثيق بكمية الطاقة المستهلكة التي تعد المحرك الرئيسي لأي نشاط اقتصادي ولذلك تتميز الطاقة المتجددة بأنها طاقة محلية وطبيعية متوفرة لكافة الدول كما أنها صديقة للبيئة ولا تتعارض معها ولا تتسبب في انبعاثات لثاني أكسيد الكربون كما تتناسب مع الإمكانيات البشرية والتكنولوجية والاقتصادية للدول بالغنية والنامية علي حد سواء.
وهناك مؤشرات تؤكد أن المستقبل ستهيمن عليه الطاقة المتجددة ولذلك توقع تقرير لمنظمة أوبك أن الطلب العالمي على الطاقة سيزداد بنحو 33 في المائة بحلول 2040 وذكر التقرير أن «استراتيجيات انتقال الطاقة» حاليا تؤكد أن الصناعة على مفترق طرق، حيث يحتاج العالم إلى مزيد من الطاقة، ولكن يجب القيام بذلك بطريقة أكثر فعالية واستدامة مع الأخذ في الاعتبار التحديات، التي يفرضها تغير المناخ على المستقبل ولذلك سيكون هناك اعتماد اكبر على الطاقة الجديدة والمتجددة كما ذكر التقرير أن مصادر الطاقة المتجددة تسجل نموا قويا مع توسع الرياح والطاقة الشمسية بسرعة، ولكن حتى 2040– وبحسب دراسات «أوبك»- يُقدر أنها ستشكل نحو 19 في المائة فقط من مزيج الطاقة العالمي.
وأشار التقرير الي أن عديدا من الدول الأعضاء في «أوبك» لديها مصادر كبيرة للطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وهناك استثمارات ضخمة في طريقها إلى هذا المجال، في الوقت الذي لا توجد فيه توقعات تشير إلى أن مصادر الطاقة المتجددة ستقترب من تجاوز النفط والغاز في العقود المقبلة.
ورغم أن الدول العربية تتبوأ مكانة هامة في سوق إمدادات الطاقة العالمية وتستحوذ على ثروات ضخمة وهائلة من الطاقة الأحفورية التي ترتكز أساسا على البترول والغاز الطبيعي، لكنه أيضا غنية بمصادر الطاقة المتجددة وخصوصا الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة المائية حيث تعتبر الطاقة الشمسية محور التركيز الأكبر للاستثمار العالمي، حيث بلغت الاستثمارات العالمية في هذا الجزء فقط 139.7 مليار دولار أمريكي في عام 2018 ويمتلك العالم العربي أعلى سطوع شمسي لأنه يقع جزءا كبيرا منه ضمن ما يسمى بحزام الشمس الذي يستفيد من معظم أشعة الشمس الكثيفة على الكرة الأرضية من حيث الحرارة والضوء على حد سواء وتتراوح مصادر الطاقة الشمسية في البلدان العربية بين 1460و 3000 كيلوواط ساعة في المتر المربع في السنة كما ارتفع حجم الاستثمار في طاقة الرياح في العالم بنسبة 2 في المائة في عام 2018، ليصل إلى 134.1 مليار دولار ويمتلك العالم العربي إمكانيات واعدة للعديد من المناطق ذات سرعات رياح عالية يمكن استغلالها في هذا القطاع حيث تلعب طاقة الرياح دورًا كبيرًا في تلبية الطلب المتزايد على الكهرباء بالمنطقة، وفي نفس الوقت معالجة المشكلات البيئية وتحقيق الأهداف العالمية للحد من الانبعاثات الكربونية؛ ولقد ذكر تقرير أجرته الوكالة الدولية للطاقة المتجددة وجامعة الدول العربية أنه على الرغم من تركز مصادرها في بعض البقع الجغرافية المحددة، إلا أن طاقة الرياح تعد بمستقبل باهر للمنطقة، ولذلك تعد منطقة صلالة بسلطنة عمان والصحراء الكبرى في جنوب المغرب وسواحل المحيط الأطلسي والبحر الأحمر من أهم المناطق التي تمتلك إمكانيات تسمح بإنشاء محطات لتوليد الطاقة من الرياح.
ورغم أن مشكلة نقص الموارد المائية على الساحة الدولية من أكبر التحديات التي تواجهها البشرية خلال القرن الواحد والعشرين، لكن تواجه الدول العالمية تحديات هذا القطاع ولو نظرنا الى الموارد المائية المتاحة في المنطقة العربية فتبلغ حوالي 285 مليار متر مكعب وتقدر الموارد المتجددة بحوالي 274 مليار متر مكعب ولكن لمواجهة التحديات التي تواجه الدول العربية في هذا القطاع يتوجب تفعيل برامج ترشيد استخدام المياه ورفع كفاءتها والتوسع في استخدام موارد المياه غير التقليدية وذلك لسد الفجوة بين العرض والطلب في المياة والعمل على زيادة التعاون بين الدول العربية لمواجهة ندرة المياه المتوقعة والبحث عن أساليب مبتكرة تضمن إيجاد حلول لهذه المشكلة المتوقعة.
وهناك تحديات ومعوقات كثيرة تواجه مستقبل الطاقة المتجددة يتمثل بعضها في ضعف الأطر القانونية وضعف برامج الأبحاث والتطوير والتمويل فضلا عن انخفاض مستوى وعي المستهلكين بأهمية الطاقة المتجددة مما يؤدي إلى انخفاض الطلب عليها لكن هناك توجه كبير من الحكومات العربية لتشجيع العمل في مجال الطاقة الجديدة والمتجددة والعمل على جذب الاستثمارات في هذا القطاع وهو أصبح توجها عالميا لذلك التوقعات تؤكد ان المستقبل للطاقة المتجددة وان هناك تسارعا في جذب الاستثمارات في هذا القطاع والدخول بقوة فيه حتى أننا نلاحظ ان هناك دعما أمميا التحول السريع الى الطاقة المتجددة، كما أن هناك تحركات للتعاون بين الدول العربية ودول العالم المختلفة لتبادل الخبرات في مجال بناء القدرات والاستفادة من الخبرات في هذا المجال.
وأخيرا فإن الاستثمار في الطاقة الجديدة والمتجددة هو الاستثمار السليم والمضمون في تحقيق هدفين اساسيين الأول الأمن الاجتماعي لتوفير مصادر طاقة جديدة وصديقة للبيئة وأيضا الربحية المؤكد والتي تضمن توفير طاقة عالية بتكلفة قليلة وتساهم في إيجاد موارد جديدة.