المشاركة المجتمعية المسؤولة في انتخابات الشورى تصنع مجلسا فعالا

حق الانتخاب أمانة –  
أحمد بن علي الحداد –

«جعل المشرّع العماني للمواطن انتخاب من يراه مناسبًا وهي تعتبر أمانة وشهادة إما تكون شهادة حق مبنية على قناعة وصدق وأن من سيرشحه سيكون أمينًا على خدمة الوطن وشعبه والحرص على الرقي به وإلا فإنها ستكون شهادة زور – والعياذ بالله-، وفي حال تم اختيار من لا يحمل الكفاءة ولا الخبرة التي من يمكن أن يساهم من خلالها في الرقي بالوطن وتطوره والنهوض بالمجتمع والمشاركة الفعّالة في مجلس الشورى؛ فلن ينهض المجتمع ولن يتطور العمل البرلماني ولن تجد نتائج ملموسة في المجتمع»

تعد الشورى منهج حياة وخلقا إسلاميا رفيعا ومبدأ عظيما من خلاله يتم البحث في قضايا الأمة؛ فلهذا أقر الإسلام مبدأ الشورى وأطر له ما يجعله أن يكون صالحا لكل زمان ومكان، ويعتبر مبدأ الشورى نظاما سياسيا وضعه الشرع الحنيف وهو يعني أخذ رأي أهل الحل والعقد، وتكون مشاورتهم في مختلف شؤون الحياة التي لا تتعارض مع القيم والمبادئ الإسلامية، ولأهمية الشورى في الشريعة الإسلامية فقد أمر الله نبيَه صلى الله عليه وسلم بأن يتحلى بهذا المبدأ والخلق العظيم مهما حدث للأمة مع أنه نبي موحى عليه الصلاة والسلام ولكن الله جل في علاه أراد أن يكرّس هذا المبدأ في الأمة قال تعالى: «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ». وهذه الآية أتت بعدما لحق الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام رضوان الله عليهم في غزوة أحد، وقد يكون أحد أسباب ما لحق بهم هو الأخذ بمبدأ الشورى من شباب الصحابة المتحمسين الذين أرادوا الخروج لملاقاة المشركين خارج المدينة فبرغم الخسارة إلا أن الله سبحانه وتعالى خاطب نبيَه بالأخذ بهذا المبدأ مهما حصل لغرس هذا المفهوم العظيم في الأمة إلى قيام الساعة؛ فلهذا صار مبدأ الشورى في الإسلام ثقافة وحياة وتاريخ لا يمكن أن تنفك عنه الأمة الإسلامية بمختلف أجيالها وأزمانها وإن تعددت بلدانها، فلنتذكر بأن الله سبحانه جل في علاه أنقذ مملكة من الهلاك وهي مملكة سبأ بسبب أنها طبقت هذا المبدأ العظيم وهي أنها شاورت في اتخاذ قرارهم، وفي المقابل نجد أن الله سبحانه وتعالى أهلك مملكة وخسف بها بسبب عدم تطبيق هذا الخلق الرفيع والمبدأ العظيم وكان صاحب القرار مستبد في رأيه فهلك وتسبب في هلاك مملكته.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يطبق مبدأ الشورى في كل مجالات الحياة التي كانوا يعيشونها مع أنه نبي معصوم إلا أنه يأخذ بهذا المبدأ لتعليم صحابته وأمته هذا المبدأ العظيم والخلق الرفيع، فكان يشاور صلوات ربي وسلامه عليه في الحرب والسلم والصلح وشؤون الحياة العامة للمسلمين وكان يستشير الكبير والصغير والرجل والمرأة والأبيض والأسود والعربي والعجمي فكان صلى الله عليه وسلم لديه معيار واحد وهو ما نستطيع أن نسميه في عصرنا الحالي الاختصاص والكفاءة، فيستشير من لهم الخبرة في الحرب بأمور الحرب مثلا عندما استشار صحابته في غزوة الخندق أشار عليه الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه بحفر خندق حول المدينة وأنهم كانوا يفعلون ذلك في بلاد فارس، واستشار علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد رضي الله عنهم في حادثة الأفك لقربهم منه ومن شؤون بيته، وكذلك نجده استشار رؤساء الخزرج والأوس عندما أراد أن يعقد اتفاق مع غضفان بعدما طال الحصار على المدينة في غزوة الخندق إلا أنه صلوات ربي وسلامه عليه ارتضى رأيهم لأن هذا أمر حياة عامة للناس، والأمثلة لتطبيق النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الخلق الرفيع والمبدأ العظيم كثيرة، وانعكس هذا التطبيق على صحابته رضي الله عنهم بعد وفاته فكان أول اختبار لتطبيق مبدأ الشورى العظيم في حياة المسلمين من دون المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه عندما انتقل إلى جوار ربه فتشاور كبار الصحابة رضي الله عنهم وارتضوا بأبي بكر رضي الله عنه خليفة للنبي صلى الله عليه وسلم، ويمكن القول بأن أعظم الأمور في تاريخ الأمة الإسلامية كان اتخاذ الرأي فيها بالشورى مثل خلافة النبي صلى الله عليه وسلم، وجمع المصحف، وجمع سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم كان فيها مشاورة وأخذ برأي أهل الحل والعقد (أهل الاختصاص والكفاءة).
وهذا الخلق الرفيع والمبدأ العظيم إذا طُبق لا بد أن ينعكس على المجتمع وأفراده بالخير ويسود فيه الصلاح ويتحقق العدل وتحصل المساواة وينغرس فيه، لأن بالشورى لا يشعر صاحب القرار عندما يتخذ قراره بالندم في حالة أنه لم يُوفق للصواب وتكون تعزية له، ويستطيع من خلال الشورى التعرف على وجهات نظر مختلفة ويكون لديه وفرة بالآراء ولا شك أنها ستكون كلها مثرية وينعكس ذلك في اتخاذ القرار وبها معالجة لعدة قضايا مثل العُجب بالنفس أو النقص أو الاستبداد، وبالشورى أيضا تتآلف القلوب ويحصل بينها محبة ويسود هذا في المجتمع، ويتهيأ المجتمع للقضية التي سيتم حسمها بالشورى ويشعر بأنه مشارك تقرير شؤون حياته وبذلك سيلتزم بنتائج الشورى في قضية ما، ومن يُطبق الشورى يكون بذلك طبق سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأطاع الله جل في علاه ويكفيه فخرًا وشرفًا بأن يمتثل لأمر الله ونبيه صلوات ربي وسلامه عليه.
ولا يخفى على أحد أن السلطنة قادمة على عرس برلماني سيعم أرجاءها –بإذن الله- وإنه تجدر الإشارة إلى أنه لا يمكن لأي مجتمع أو ولاية أن يحصدوا ويجنوا ثمار الشورى والتي ذكرنا بعض من فوائدها وإلا فإن فوائد وانعكاسات هذا المبدأ العظيم والخلق الرفيع كثيرة وجليلة، ولا يتأتى إلا إذا تم انتخاب صاحب الخبرة المتخصص لأجل أن يكون الرأي مبنيا على معرفة دقيقة وعميقة، وأن يكون أمينًا على وطنه ومحافظًا على مكتسبات بلده وحريصا على تطويرها وبعيدًا عن استغلالها وقادرا على تحمل المسؤوليات التي ستلقى على عاتقه، وأن يكون شجاعا صاحب رأي وحكمة وراجح العقل ولديه القدرة على إيصال مطالب الشعب وخدمته وتمثيله للمشاركة في تنمية الوطن المعطاء، لأن الشورى مثلما يعلم الجميع واجب شرعي ووطني.
أولا من حيث انه من الشريعة الإسلامية ومثلما ذكرنا في بداية المقال أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده من العصور المفضلة وما تلاها من دول إسلامية مختلفة كانت الاستشارة تكون لأهل الحل والعقد، أما في زماننا هذا فهو مجلس الشورى؛ فعلى الناخب أن يراعي من سيمثله ومن سيختار بأن يكون من أهل الشورى في السلطنة.
ثانيًا من حيث أنه واجب وطني فهو عمل برلماني أصبح من الضروري وجوده مع تطور الحياة وكثرة الناس فلقد جعل المشرّع العماني للمواطن انتخاب من يراه مناسبًا وهي تعتبر أمانة وشهادة إما أن تكون شهادة حق مبنية على قناعة وصدق وأن من سيرشحه سيكون أمينًا على خدمة الوطن وشعبه والحرص على الرقي به وإلا فإنها ستكون شهادة زور – والعياذ بالله-، وفي حال تم اختيار من لا يناسب والذي لا يحمل الكفاءة ولا الخبرة ولا المعايير التي من يمكن أن يساهم من خلالها في الرقي بالوطن وتطوره والنهوض بالمجتمع والمشاركة الفعّالة في مجلس الشورى؛ فإنه سينعكس هذا المجلس أو المترشح على الوطن والمجتمع وأفراده بالسلب وسيكون معول هدم لا معول بناء مثلما هو مرجو ممن يصلون لمثل هذه الأماكن، فلن ينهض المجتمع ولن يتطور العمل البرلماني ولن تجد نتائج ملموسة في المجتمع الذي يفترض أن يمثله خير تمثيل، وسينعكس ذلك كله بالسلب على دور مجلس الشورى مما سيسبب مزيدا من الشرخ في ثقافة المجتمع حيال أعمال مجلس الشورى.

 

ننتخب الأكفأ –  
حمود بن عامر الصوافي –

«يجب علينا أن نختار للشورى من يمثلنا ويدافع عن حقوقنا وليس من يتخذ الشورى سلما للمجد والفخر والمباهاة او للحصول على مكاسب آنية وفخرية فهذه تؤدي إلى تأخر الأمة وضعفها فليعرف الإنسان قدره وليعط المجال للآخرين الأقوياء القادرين على الحديث والعارفين بما يتطلبه المجلس من كلام أو بحوث فكيف لشخص يتقلّد المجلس ولا يعرف منه إلا الاسم فلا ينبغي لنا أن نختار على أساس المال أو المذهب أو القبيلة أو الحدود المعينة لأن ذلك يعرضنا لتقديم الاسم وترك الأحسن فلنبحث عن الأكفأ وصاحب الكفاية ولو كان بسيطا فقيرا».

لم تكن الشورى في الإسلام شعارات براقة أو دعايات خاطفة أو إعلانات على الطرقات بارزة لم ينزل أثرها على أرض الواقع ولم ير فائدتها في حياة الناس بل كانت شورى بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لمسه الناس على الواقع وبدا نفعها عند الجميع. وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تطبيقها رغم أنه يوحى إليه، ومؤيد بالمعجزات، وخير خلق الله قاطبة، ويأتيه الناموس الذي يبين له طريق الخير من غيره إلا أنه آثر أن يمتثل أمر الله تعالى ويطبق الشورى ويعلم أمته نفعها وفائدتها ولو كان في أحلك الظروف وأسوأ الحالات.
ففي معركة أحد لم يكن يرى النبي- صلى الله عليه وسلم- الذهاب إلى أحد لملاقاة كفار قريش بل كان يحبذ البقاء في المدينة؛ ليشترك في المعركة الكبار والصغار والنساء والأطفال وتكون مأمنا وحصنا حصينا للمسلمين إلا أن رأي الأغلبية كان الخروج من المدينة ومواجهة قوة قريش الغاشمة في أحد فوضع النبي صلى الله عليه وسلم خبرته العسكرية، وتمرسه في قتال قريش ومعرفته الأنفع في المواجهة جانبا، وارتأى رأي الأغلبية والجماعة التي لا يمكن أن تشقى البلاد به.
فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأي الأكثرية واسترشد بمبدأ الشورى، ولذا لما لام بعضُ الصحابة أنفسهم لمخالفتهم رأي النبي صلى الله عليه وسلم ورغبتهم الخروج إلى أحد، قال مخففا الوطء عنهم ومعلمهم أن مبدأ الشورى هو القول الأصح وإن كان رأي النبي صلى الله عليه وسلم يخالفه: (إِنَّهُ لَيْسَ لِنَبِي إِذَا لَبِسَ لامَتَهُ أَنْ يَضَعَها حَتَّى يُقَاتِلَ)، فقد جاء في الرواية كاملة عن جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «رَأَيْتُ كَأَنِّي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ وَرَأَيْتُ بَقَراً يُنْحَرُ، فَأَوَّلْتُ أَنَّ الدِّرْعَ الْمَدِينَةُ وَأَنَّ الْبَقَرَ نَفَرٌ وَاللَّهِ خَيْرٌ، وَلَوْ أَقَمْنَا بِالْمَدِينَةِ فَإِنْ دَخَلُوا عَلَيْنَا قَاتَلْنَاهُمْ». فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا دُخِلَتْ عَلَيْنَا فِي جَاهِلِيَّةٍ فَتُدْخَلُ عَلَيْنَا فِي الإِسْلاَمِ. قَالَ: «فَشَأْنَكُمْ إِذاً». وَقَالَتِ الأَنْصَارُ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ: رَدَدْنَا عَلَى النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- رَأْيَهُ، فَجَاءوا فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ شَأْنُكَ، فَقَالَ: «الآنَ؟ إِنَّهُ لَيْسَ لِنَبِىٍّ إِذَا لَبِسَ لامَتَهُ أَنْ يَضَعَها حَتَّى يُقَاتِلَ».
وقد جاء القرآن عقب هزيمة المسلمين في معركة أحد مؤكدا مبدأ الشورى وحاثا المسلمين على التقيد بها وكأن القرآن أراد أن يبعد الغشاوة عن عيون بعض المسلمين ويخبرهم أن الهزيمة التي ابتليتم بها في الجولة الثانية لم تكن بسبب الشورى أو سبب خروجكم من المدينة وإنما لأمر آخر يجب أن تتفطنوا إليه وتعوه إنه مخالفة الرماة لقائد المعركة الرسول صلى الله عليه وسلم، تلك المخالفة التي كلفت المسلمين شيئا كبيرا فيجب أن تدرس الأمور في مسارها الصحيح ولا تقتحم الشورى في موضع لا دخل للشورى فيه، بل الشورى هي التي زرعت الحماس في المسلمين والثقة بالنفس لذا انتصروا مباشرة في الجولة الأولى ورأى الكفار المسلمين سدا منيعا لا يمكن اختراقه ولم يستطيع خالد آنذاك أن يكسر ذلك البنيان المرصوص إلا بالحيلة والالتفات على المسلمين والسيطرة على الموضع المهم (الاستراتيجي) في المعركة وهو جبل الرماة ووضع المسلمين بين فكي كماشة. فلم تكن الأحداث المأساوية سببها الشورى ولا تمت بالصلة إليها البتة؛ لذلك ذكرت الشورى في القرآن بعد المعركة حتى لا يربط الآخرون بينها وبين الهزيمة، قال تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)، فقد جاء تأكيد أمر الشورى ووجوب العمل به في كل الأحوال لأنه لا يمكن به أن تشقى البلاد أو تتراجع أو تضعف.
رأي الجماعة لا تشقى البلاد به رغم الخلاف ورأي الفرد يشقيها ولا شك أن الاستبداد هو الذي يضيّع الدول ويضعضعها ويضعف أفرادها بحيث لا يستطيع أحدهم أن يقدم للوطن رأيا ولا اقتراحا ولا دراسة لأنه لن يؤخذ بكلامه ولن يطبق أمره ناهيك عن تعرض بعضهم للسجن أو القتل بسبب آرائه المختلفة التي تصب في فلك المحافظة على الوطن ورعاية مصالحه. ففائدة الشورى لا حصر لها بل لو تكلمنا ما تكلمنا عنها ما وسع هذه الوريقات الحديث عنها ويكفينا أن القرآن ذكر الشورى في موضع ذكره لصفات المسلمين قال تعالى: (فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ، وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ). فكانت الشورى حاضرة بقوة في صفات المؤمنين فهم ليسوا مستبدين أو منكرين للجميل بل كانوا يحافظون على هذا المبدأ ويطبقونه في البيت بين الأسرة والأولاد وفي العمل بين المسؤولين والعمال وفي الدول بين الحكام والمحكومين فإذا نشأ الولد منذ نعومة أظفاره يمجد الشورى ويحافظ عليها لا ريب أنها ستصبح فيه جبلة وسجية لا ينفك عنها.
وقد وضع القرآن بعض المبادئ التي يجب أن يتحلى المستشار أو الناخب أو المبادئ التي يجب أن يختار وفقها الناخب كالكفاية والأمانة والقوة، فيقول الله تعالى عن صفات العبد المؤمن الملك طالوت: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).
فقد زكاه الله تعالى في القرآن الكريم واختاره ليكون قائدا لمعركة التحرير وجعل فيه صفتين عظيمتين وهما العلم والقوة فلم يختر الصفة على أساس مادي كما طلب قوم موسى أو توهموا أو جرت العادة عند كثير منهم وهو الاختيار على أساس مادي بحت كالمال والجاه والمنصب والحسب والنسب؛ فهذه الصفات عادة لا تقدم ولا تؤخر للناخب شيئا وإنما الاختيار يجب أن يكون على أساس مصلحة الجميع، فهنا اختار العالم الذي يعرف ما ينبغي أن يفعله أو يتركه، أو يقدم إليه ويحجم عنه.
والأمر الآخر: القوة التي يستطيع بها أن يدير إدارته ويهابه المتكبر ويأمنه الضعيف المسكين فيطمع المسكين في نيل حقه ويخاف المتغطرس من العقاب أو السجن فيأمن الجميع من التغول واختلاس أموال الآخرين. وقال تعالى أيضا عن الكفاية في موضع آخر: (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ)، فقد اختار القوة والأمانة للعمل ولا ريب أن رعي الأغنام وما يشبهه من أعمال فيها أموال يتطلب الحفاظ عليها وتنميتها واستثمارها أو ممن يتولى أمر المال يجب أن يكون أمينا فلا يعبث أو يلعب بأموال الأمة على هواه فليحذر من الولوج في هذه المستنقعات. والأمر الآخر هو القوة؛ لأن القوة يتطلب وجودها في رعي الأغنام والسبب في ذلك أن ضعيف البنية الضعيف لا يستطيع أن ينزع غطاء البئر ولا يتمكن من ملاحقة الأغنام في الصحراء أو الجبال أو بين الأدوية والوهاد. فإذن تختلف الشروط باختلاف المهنة فمرة تتطلب الأمانة والقوة اكثر من غيرهما ومرة العلم والمعرفة أكثر من غيرهما إلا أن أي مهنة لا بد أن تتوفر فيها المعرفة والقدرة أو القوة والأمانة في إدارة ذلك العمل.
فيجب علينا أن نختار للشورى من يمكنه أن يمثلنا ويدافع عن حقوقنا فلا يتخذ الشورى سلما للمجد والفخر والتعالي على الآخرين ولا يتخذه للمباهاة والحصول على مكاسب آنية وفخرية فهذه لا تنفعه البتة بل تعرضه للذم والسب وتؤدي إلى تأخر الأمة وضعفها فليعرف الإنسان قدره وليعط المجال للآخرين الأقوياء القادرين على الحديث والعارفين بما يتطلبه المجلس من كلام أو بحوث أو أمر فكيف لشخص أن يتقلّد المجلس ولا يعرف منه إلا الاسم فلا ينبغي لنا أن نختار على أساس المال أو المذهب أو القبيلة أو الحدود المعينة لأن ذلك يعرضنا لتقديم الاسم وترك الأحسن فلنبحث عن الأكفأ وصاحب الكفاية ولو كان بسيطا فقيرا.

 

مشــاورة أهــل الفضــل –   
هلال بن علي اللواتي –

«لا يظنن من يترشح لمكان كمجلس الشورى أو لمنصب آخر بالدولة أو في المجتمع أو في مؤسسة أنه مخلي السرب بما سيقوم به، ففي حلالها حساب وفي حرامها عقاب وفي الشبهات عتاب، وألا يظنن أنه بعيد عن القانون التكويني، فإن كل تصرفاته من الحركات بل وحتى السكنات ملحوظة بعين القانون التكويني، فإن غفل عنه القانون الوضعي بحيل ومكر، فلا يفوت القانون التكويني أي شيء على الاطلاق، ويكفي معرفة أن من يشاهد كل تصرفاته هو الله تعالى، وهو الحاكم، وهناك من وضعهم سبحانه لمعرفة ما يقوم به قذة بقذة، «وكل سيئة أمرت بإثباتها الكرام الكاتبين الذين وكلتهم بحفظ ما يكون مني، وجعلتهم شهوداً علي مع جوارحي، وكنت أنت الرقيب علي من ورائهم والشاهد لما خفي عنهم».

قال تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)، الآية الكريمة في مقام الامتنان والفضل على المسلمين بما أنعم الله تعالى عليهم من نبي هو الرحمة، فكان كل سلوكه وتصرفاته مظاهر الرحمة الإلهية، ولا شك في هذا وقد صرحت الآية الكريمة في قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)، بأن إرساله كان رحمة.
ولنرجع إلى ما ذكر في الآية المتقدمة من سورة آل عمران، إذ نجد السياق هو التلطف بالمسلمين وعدم الغلظة وترك الفظاظة، ولما أن ذكرت الآية الكريمة كلمة القلب علمنا أن المطلوب غير منحصر على مستوى السلوك الخارجي، إذ قد يتكلف المرء بإظهار خلاف ما يبطنه من باب المجاملة والمداراة، فالآية المباركة قد أثبتت لنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين كان متجلياً بذات الرحمة فكان هو الرحمة الإلهية، فكان قلبه صلى الله عليه وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين وباطنه كله رحمة، ومن كان كذلك فإن ما سيظهر منه لن يكون متكلفاً أو يكون أمراً خارجاً عن الطبع والعادة.
وعندما ننظر إلى طلب الإعفاء والاستغفار عن الذين حوله نعلم أن مسألة صدور الاشتباهات أو الأخطاء أمر طبيعي من الإنسان وعلى المقابل أن يتحلى بقلب يتسع لهم، وأن يقف على مسافة واحدة من الجميع كي يشملهم بلطفه ورحمته بلا استثناء، ثم بلحاظ كل ما تقدم فإن الآية الكريمة صرحت بمشاورتهم في «الأمر»، ولا حاجة هنا الآن للبحث عن مفاد «ال» الداخلة على الأمر، فهل هي عهدية أم جنسية أو استغراقية، فالمهم هو أن هناك طلب من الله تعالى للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين بمشاورة من حوله، مع أنه صلى الله عليه وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين غني عن ذلك لما يوحى إليه، قال العلامة إسماعيل المزني في مختصره: 299: «… قال الحسن إن كان النبي صلى الله عليه وسلم عن مشاورتهم لغنياً ولكنه أراد أن يستن بذلك الحكام بعده …» انتهى كلامه، وعرف عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين أنه كان يستشير من كان حوله من المسلمين ومن الأصحاب، ودون التاريخ المواضع التي استشارهم فيها، نعم وأما الأمور التشريعية وما يتعلق بالبعد العقدي فإنه صلى الله عليه وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين كان ينتظر فيها الوحي.
وعرف التشاور بأنه طلب رأي أو آراء أهل العلم والرأي وهو الذي يعرف بــ(Consultation)، وهو ما تعارف عليه البشر بلا خلاف، وقد اتفقت كلمة العقلاء أن التشاور لا يكون لفاسد أو لغير متخصص أو لصاحب صفات رذائلية فإنه لا يشير إلا بما تملي عليه صفاته الباطنية القلبية، وهنا يفيدنا ما جاء في قوله تعالى: (وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ)، إشارة إلى استحكام الصفات بالإنسان وسلوكه، فإن من استحكمت صفاته وملكاته بشخصيته كان سلوكه مترجماً لها، فعلى هذا يكون اختيار المستشار بناء على ملكاته وصفاته ومستوى تحليه بالفضيلة لا بالرذيلة، وفي هذا وردت مجموعة من الروايات والأخبار الشريفة عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين والتي فيها نهي عن استشارة الجبان، البخيل، الحريص، المستبد برأيه، وبالمقابل جاء الحث على مشاورة من يتصفون بصفات الفضيلة ممن يخاف الله تعالى ويخشاه، العاقل الناصح، من ذوي الألباب والتجارب، وذوي النهى والعلم، والحزم.
وهذا يتأكد لمن يريد يتصدى لشؤون المجتمع على مستوى رسمي كمجلس الشورى، وما بحكمه، فإن الملحوظ فيه هو: أن يختار الناخب من يمثله في مجلس وطني رسمي، وهو أشبه بمجالس البلدة حيث يجلس فيها الوجهاء والعقلاء والحكماء لتدارس شؤون القبيلة أو البلدة، ففي مجالس الشورى والبرلمان يقوم الشعب بانتخاب من يمثله للتحدث بالنيابة عنه، ونقل ملاحظاته وتعليقاته، وهذا يتطلب إضافة وظيفة مهمة في شأن هذا المترشح وهي: أن تكون له جلسات دورية مع أبناء الولاية التي انتخبته، وبالخصوص إذا كانت هناك مواضيع مهمة تطرح في المجلس الشورى فأن يستشير ذوي العقول والألباب والحكماء وذوي التجربة والعلم والحصافة كي ينقل رأيهم إلى المجلس بأمانة رغبة في المساهمة في بناء الوطن.
الأمر الآخر الذي يُشاهد في حال الانتخابات وما يتقدمه من طلب من المترشح إلى الجهات المعنية هو ظهور شخصيات وبشكل مفاجئ على الساحة، ولا يعلم منها سوى القليل من حالها بعنوان من العناوين، في حين إذا نظرنا إلى حال الشورى والمشورة وأنها عملية مشاركة في صناعة وبناء الوطن فإن من يترشح يجب أن يكون متصفاً بالصفات التي ذكرت آنفاً، وهذا لا يعرف إلا إذا كانت هناك مجالس لذوي الألباب والعقول والوجهاء والحكماء يجلسون وبشكل دوري في مجالسهم يتباحثون أمور مجتمعهم وقريتهم أو حلتهم، ومن هنا تفرز الشخصيات لأجل أن تحتل المواقع المهمة في مجتمعهم من قبيل «شيخ القبيلة»، أو «شيخ العشيرة»، ومنها تفرز أيضاً الشخصيات التي ينبغي أن تكون الناطقة عنها في الدوائر الحكومية، ومنها في مجلس الشورى.
وهنا سوف يتشخص لنا موضوع آخر عمن يستحق أن يتأهل ليكون الممثل عن الولاية أو المدينة في مجلس الشورى، فإن المناط ليس بحمل الشهادات العالية أو بحسابات بنكية أو بوجاهات اجتماعية بل المناط هو الصفات التي تتفق عليها كلمة الحكماء والعقلاء ومستوى حضورها في ذات المترشح، فكم من حامل للشهادات العليا فاقد للحكمة والعقل، وكم من فاقد للشهادات واجد للحكمة والعقل، وهذا لن يعرف إلا بالتجارب الاجتماعية، والجلسات التي يحضر فيها العقلاء فيعرف من خلال مشاركة المشارك مستوى عقله وحكمته وتجربته ووعيه وتحمله وصبره وسعة أفقه، ومن هنا من الضروري جداً تفعيل مجالس القبيلة والعشيرة والبلدية تمهيداً لاختيار الشخصيات للمواقع الاجتماعية والسياسية كمجلس الشورى مستقبلاً، ومثل هذه المجالس سوف تغنينا كثيراً عن مجالسة المترشح للاستماع إلى برنامجه الانتخابي، فإن جلسة وجلستين بل وحتى عشر والتي فيها يبرمج الشخص نفسه بتكلف أمام الحضور فلا يمكن معرفة صفاته وملكاته وأخلاقه وسعة أفقه من خلال تلكم الجلسات الطارئة.