الخوالدي : فئة كبار السن لها مكانتها من التكريم والإجلال في ديننا الإسلامي الحنيف

دعا إلى تبني مشاريع مجتمعية للاستفادة من تجاربهم وخبراتهم –

أوضح الشيخ خالد بن سالم الخوالدي أن الدين الإسلامي الحنيف أحاط فئة كبار السن خاصة بهالة من الرحمة والتكريم والإجلال ودعا إلى تبني مشاريع شبابية مجتمعية تعنى بهم وإشراكهم في المجتمع والاستفادة من تجاربهم وخبراتهم، فمن خلالهم يمكن معرفة الأنساب والقرابات وتواريخ البلدان وطرق معايشها وما مرت به من أحداث وغيرها من المعلومات المخزنة في ذاكرتهم وغير الموجودة في بطون الكتب، وهو تاريخ يحتاج إلى أن يعرف ويثبت ويدون، وأكد في محاضرته أن عقوق الوالدين يجلب سخط الخالق سبحانه وتعالى، مبينا: أن الإحسان لا يجازى بالجحود والنكران.. تفاصيل أكثر في محاضرته التالية التي ألقاها بمسجد الإمام عمر بن القاسم الفضيلي بسوادي الحكمان بولاية بركاء مؤخرا تحت عنوان: «من هدي النبوة في التعامل مع كبار السن»…

استهل الخوالدي حديثه قائلا: نقف اليوم مع شيء من هدي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في جانب مهم يتعلق بفئة مهمة من فئات المجتمع لها وزنها ولها قدرها ولها حقوقها ألا وهي فئة كبار السن، فلا يخلو مجتمع من المجتمعات من هذه الفئة.. مبينا: أن الأصل أن تكون هذه الفئة محاطة بما يليق بها من التكريم والإجلال ومعرفة القدر والاستفادة كذلك من خبرتها ومن تجاربها في الحياة، إلا أن هناك فئة في المجتمع اقتفت منهجا ليس من الإسلام في شيء في التعامل مع هذه الفئة لا يرتضيه خلق ولا يقره شرع ولا يرتضيه عرف أو عادة بل هو منهج يسير عليه الضالون من عبدة الدنيا والمال الذين لا يجعلون قيمة للإنسان إلا إذا كان منتجا ولا يقيمون له وزنا إلا إذا كان قادرا على العمل فإذا تقدم به السن وشاخ جسمه واحدودب ظهره وغزاه الشيب في سائر بدنه نظروا إليه على أنه عالة على المجتمع، وأنه شخص قد انتهت صلاحيته، بل تجنح بعض المجتمعات غير الإسلامية إلى التخلص منه أو إلقائه في دار العجزة والمسنين ليموت بالألم النفسي قبل أن يموت بالألم البدني.. وهذه الأحوال أيضا تطرأ على المجتمعات المسلمة وهي أحوال ليست مرضية في الشرع الحنيف الذي يتعامل مع الإنسان بتكريم ومسؤولية.
وأضاف: لئن كان الأب قد كدّ بدنه وأنهك قواه في جمع القوت لأولاده وأضنى نفسه في تربيتهم وتنشئتهم والسهر على راحتهم فإن ما يقتضيه الدين والخلق ألا يكافأ هذا المعروف بالجحود والنكران، بل يجب أن يحسن إليه كما أحسن وأن يتعامل معه بما يليق بمكانته لا أن يزوى ويركن ويخرج من دائرة الحياة، ودائرة التأثير وكأنه اصبح عالة على المجتمع، موضحا: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتعامل مع هذه الفئة تعاملا راقيا جليلا، حري بنا أن نتعلمه وان ننتبه له فكان من هديه صلى الله عليه وسلم الأمر بإكرام ذي الشيبة، حيث قال: «من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم»، بل إنه- صلى الله عليه وسلم- نفى صفة الإيمان عمن لا يوّقر الكبير: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا»، فكبير السن هو الأجدر بالمراعاة والرحمة لأنه قد يصل إلى حال يشبه فيه الطفل الرضيع الذي لا يلي من أمره شيئا فربما لا يستطيع أن يدخل اللقمة أو شربة الماء إلى جوفه دون مساعدة، وربما يقع عليه الأذى ولا يستطيع تحريز نفسه أو إماطة الأذى عنها. ومن هديه صلى الله عليه وسلم أيضا كان يأمر بالتأدب في الخطاب مع كبار السن حتى من غير المسلمين مراعاة ضعفهم البدني والنفسي وكان عليه الصلاة والسلام يأمر بالتخفيف في الصلاة مراعاة للشيخ الكبير فقد روي عنه انه قال: «إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف فإن فيهم الكبير والسقيم والضعيف وذا الحاجة وإذا صلى بنفسه فليطل كما شاء» وهذا ملمح جميل ينبغي لمن يؤم الناس أن ينتبه له فإن طاقة الشيخ الكبير ليس كطاقة الشاب، وكذلك ينبغي مراعاتهم في الأسفار الطويلة أثناء السفر إلى الحج أو العمرة كأن يأخذ قسطا من الراحة في الطريق مراعاة لحالهم، وكان صلى الله عليه وسلم يأمر المسلمين في الحروب والغزوات ألا يقتلوا الشيخ الكبير في السن رحمة بشيبته.
وأوضح الخوالدي أن هذه الفئة من كبار السن لها خبرتها ولها تجاربها في الحياة وهي بمثابة الكنوز المدفونة، فقد غادر الكثير منهم دون أن يستفاد منهم لا في معرفة الأنساب أو القرابات وهناك الكثير من الشباب تجدهم لا يعرفون حتى أقاربهم والسبب أنهم لم يستفيدوا من كبار السن في هذا الجانب، فمثل أولئك يجب أن يستفاد منهم حتى في تواريخ البلدان ومعيشة أهلها وما مرت به من أحداث والذي أصابها في العصور السابقة لأن مثل هذه المعلومات غير موجودة في بطون الكتب، وإنما يوجد في ذاكرة أولئك وهو تاريخ يحتاج إلى أن يعرف ويثبت ويدون، لكن للأسف تجد بأن كثيرا من الناس لا يهتمون بهذا الجانب، كذلك نلحظ أن بعض الأبناء ينظرون إلى استشارة آبائهم فيما يريدون الإقدام عليه على انه معطل لمشاريعهم ولأحلامهم ويعدونه حجر عثرة أما تحقيق آمالهم وطموحاتهم فيجنحون إلى عدم مشاورتهم، داعيا الشباب إلى الاستفادة من كبار السن الذين لا يزالون يعيشون بينهم وذلك بعمل مشاريع مجتمعية راقية تحفظ الموروث المنقول شفهيا عن طريق هؤلاء الآباء والأجداد فمن خلال ذلك تقوى العلاقات الأسرية ومن خلال ذلك يتعرف الناس على أقاربهم وأنسابهم، وهناك الكثير من الأمور التي يستطيع الناس معرفتها من خلال استجلاء ما عند كبار السن والاستفادة من تجاربهم وخبراتهم وتعاملهم في الحياة فكم من العلماء الأجلاء والأئمة والصلحاء الفضلاء الذين خلوا في العصور الماضية لا نعرف شيئا من تاريخهم إلا القليل.
ودعا إلى تبني مشاريع شبابية مجتمعية تعنى بكبار السن من كافة النواحي وإشراكهم في المجتمع والاستفادة من تجاربهم وخبراتهم مشيرا إلى أن بعض الدول الغربية عندما يتقدم عندهم الأشخاص في السن يبعثون إليهم فريقا من العلماء من علماء نفس وعلماء اجتماع وعلماء سياسة واقتصاد يسمعون منهم فيدونون من خلال حديثهم ما يستخلصونهم من كلامهم ثم يأخذ كل عالم من أولئك العلماء ما يخص فنه ثم يستخلص من خلال تلك التجارب مناهج يرسم من خلالها الخطط في الاقتصاد وفي السياسة وفي الجوانب العلمية والبحثية والطبية، مبينا: أن ذلك جانب راق في الاستفادة من تجارب تلك الفئة المهمة في المجتمع، ولذلك فعلى كل منا أن يراجع نفسه ويسعى لتصحيح ما قد يكون واقعا فيه من تقصير في هذا الجانب سواء من جهة التعامل مع الآباء والأمهات أو من جهة التعامل مع الأجداد والجدات أو من جهة التعامل مع كبار السن أيا كانت منزلتهم ومكانتهم وقربهم أو بعدهم النسبي منهم.