«يوتيوب».. منصة الحرية!

محمد جميل أحمد –

منذ أن ظهرت منصة موقع يوتيوب، كإحدى أهم منصات العالم الرقمي، ونتيجة من النتائج المبهرة لثورة المعلوماتية والاتصال، بدا أن هناك الكثير من المعادلات ستهتز في عالم الإبداع عبر إمكانية كسر عادية النمط المعقد لوصول الموهوبين إلى حيث يمكن أن تجد مواهبهم مكانها اللائق بها بكل سهولة.
وإذا كانت بعض منصات العالم الرقمي، كالفيسبوك، وتويتر، لا تزال تصلح معها إمكانية التخفي المضللة للحقيقة المتصلة بهوية من يكتب؛ فإن منصة يوتيوب كمنصة مرئية تكسر هذا الشرط وتجعل من المواجهة الحقيقية في معالجة الموهبة أمرا لا مفر منه.
هكذا انفتح أفق جديد من الحرية الحقة التي تسمح لكل صاحب موهبة؛ أن يجرب هوايته في الفضاء الطلق لكي يتمكن، أولا، من إدراك مدى ما يتوفر عليه من موهبة من عدمها، وقد يعرف ذلك في حدود، دنيا أو عليا، عبر المتابعة الرقمية وعدد المشاهدات في هذه المنصة التي ستبدو كمصدر فرز آلي يوفر حدا لا بأس به لكل من يحاول التجريب على هذه المنصة.
هكذا توفرت مساحات كبيرة لإمكانات لامتناهية من المواهب الحقة، التي تستطيع عرض إبداعاتها وترسل رسائلها إلى الجهات التي يتعين عليها الاهتمام بها.
تعدد هذه المواهب، وتعدد مجالات إبداعها، وتعدد أمكنة العرض الرقمي لتجارب الأداء يشكل بحدث ذاته خزينا وافراً ومادة قوية لكل باحث عن المواهب، في أي لغة، ومن كل مكان وفي أي وقت. ما يعني أن كسراً مهماً وكبيراً تم في جدار صد المواهب ولوبيات الاختيار وراء الغرف المغلقة والعلاقات الخاصة. وأصبح من الصعوبة بمكان إغفال المواهب التي يمكن أن تكون متوفرة وفي متناول الأيدي.
كما أن موقع يوتيوب، يمثل، ولأول مرة في تاريخ البشر، تسييلاً وترهيناً وحضوراً للقدرات المتفاعلة بين البشر والمتجاوزة في الوقت نفسه لشرطي الزمان والمكان.
هكذا، حين ظهرت الحاجة؛ ظهرت الوظيفة، وظهر المسمى كذلك. فمصطلح «يوتيوب» الذي مثَّل علامةً فارقة للموهوبين الأحرار ممن توجهوا للفضاء الرقمي للتعبير عن إبداعهم وصعدوا منه للحياة الحقيقية في مختلف مجالات الإبداع، كان في بداياته بمثابة مصدر غير تقليدي عبر تعريف يفرض نفسه بشهادة رقمية على أصحاب الاختصاص.
وقد تزامن مع ذلك بروز نماذج موهوبة في مجالات مختلفة صعدت إلى منابر الإعلام والفن والتمثيل من خلال تجارب أداء متميزة، عكست ردود فعل قوية لجماهير يوتيوب، وأصبحت في ذاتها تجارب مبذولة لمن يريد التعرف عليها في تلك المنصة الرقمية.
بطبيعة الحال، لا يعكس يوتيوب سوية واحدة في تمثيلات وأهداف الناشطين فيه، فمن حيث المبدأ؛ كل ما هو متاح للكل (ويوتيوب منصة متاحة للكل) لابد أن يتوفر على ما ينتجه ذلك الكل، بحسب النسبة والتناسب، ما يعني، كذلك، أن كثيرا ممن يعبرون عن أنفسهم في تلك المنصة الرقمية ليسوا بالضرورة موهوبين، ولكن في الوقت ذاته سيكون إمكانية البحث لكل باحث عن المواهب الحقيقية متاحة ومتيسرة.
ومن ناحية ثانية، فإن الحدود اللامتناهية للعالم الرقمي، أصبحت، بمرور الوقت، تعكس التوسع الأوقيانوسي لاستخدامات الإنترنت، ما جعل من إمكانية الاستغناء الذاتي باليوتيوب كمنصة للعرض في أهمية المنصات الإعلامية الأخرى، وربما أخطر منها! وإذا ما بدا اليوم، أن ثمة سوية عامة لليوتيوب في فرص الاستخدام، فإن ما هو مهم هنا؛ إمكانية الوصول عبر العناوين التي تكون متاحة للباحثين مع سهولة ذلك الوصول.
القيمة التفاعلية في خاصية مستخدمي المحتوى في منصة يوتيوب، بالرغم من كونها تقع على شبيهاتها في وسائط التواصل الاجتماعي؛ من احتمالات لا تخلو من المجاملات والمديح المجاني، إلا أن قوتها تكمن قدرتها على الفرز بين المواهب وتقييمها لتجارب الأداء، لاسيما عبر أدائيات فنون التمثيل والغناء وفنون الصوت المتصلة بأصوات المذيعين فهي تحمل مصداقية أكثر من غيرها في منصات التواصل الاجتماعي الأخرى.
موقع يوتيوب، الذي جاء في المرتبة الثالثة، بعد كل من فيسبوك وجوجل، في إحصائيات موقع إلكسا، أصبح اليوم أسطورة حقيقية، تعكس طبيعة ما أصبح يؤشر عليه عالمنا الحديث من اتجاهات في التعبير والمعرفة والاتصال، قد تغير، ليس فقط حياة الناس، بل كذلك، قد تحدث ثورة في مناهج التعليم إلى آفاق لا يمكن التنبؤ بالممكنات اللامتناهية لحدودها المعرفية والتكنولوجية، في السنوات القادمة.
في العام 2006 اختارت مجلة تايم الأمريكية الشهيرة، الشخصية الهامة لموقع يوتيوب لدورهِ في إعطاء الفرصة لزواره في إنتاج المواد التي يعرضونها في الموقع.
إن ما وفره موقع يوتيوب للموهوبين كان فرصة نادرة من فرص التاريخ العظيمة. إنه منح أجنحة طيران لا تقدر بثمن لذوي المواهب للتحليق عالياً إلى أفق تكون معه الشكاية من العجز عن الإبداع بسبب ندرة الفرص وهماً لا تنطلي خديعته على أحد.
هكذا، إذ أحدث يوتيوب فرقاً فارقاً كمنصة رقمية، فإنه، كذلك، أصبح مساحة رقمية لامتناهية للبث، ليس فقط لإنتاج الإبداع وتسويقه إلى أماكن محدودة بطبيعة المكان، بل كذلك أصبح منصة لإنتاج محتوى يوفر العرض والدخل والانتشار كما لم يحدث من قبل للموهوبين في التاريخ.