انتخابات مجلس الشورى.. تقابل المسؤوليات بين الدولة والمواطن!!

د. عبدالحميد الموافي –

إن انتخابات الفترة التاسعة لمجلس الشورى تتميز بزيادة أعداد المرشحين والذين بلغ عددهم 716 مرشحا ومرشحة، يتنافسون للفوز بـ 86 مقعدا في مجلس الشورى في الفترة التاسعة، كما تشهد هذه الانتخابات مشاركة ملموسة من جانب المرأة العمانية حيث بلغ عدد المرشحات 41 مرشحة،

ليس من المبالغة في شيء القول بأن انتخابات الفترة التاسعة لعضوية مجلس الشورى، التي ستجرى يوم الأحد 27 أكتوبر الجاري، والتي تكاملت الاستعدادات في جميع ولايات السلطنة، لتكون بمثابة حدث وطني، شديد الأهمية والدلالة، ليس فقط بالنسبة للحكومة العمانية، التي اتخذت كل الإجراءات الممكنة، التي تجعل من انتخابات الأحد القادم، ممارسة ديمقراطية شفافة ومحايدة، تدعم وتعزز النموذج العماني للممارسة الديمقراطية، وهو نموذج، يجمع منذ البداية، بين معطيات العصر وأدواته، وبين التقاليد العمانية، ولكن أيضا بالنسبة للمواطن العماني، في وعيه وحرصه على القيام بدوره ومسؤولياته، حيال نفسه وأبنائه، وحيال المجتمع والوطن ككل في الحاضر والمستقبل.
ولعل هذا الحرص والتفاعل المتبادل بين الدولة والمواطنين، هو ما يعول عليه حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه- في رعايته الدائمة والمتواصلة لنهج الشورى العمانية، وتدرج الممارسة الديمقراطية، لتصل في انتخابات الفترة التاسعة إلى ذروة، تجعل منها علامة بارزة ومميزة في مسيرة النهضة العمانية الحديثة، وبقدر هذا التفاعل، وبقدر الإخلاص والتفاني والوعي بأهمية وضرورة المشاركة في انتخابات الفترة التاسعة لعضوية مجلس الشورى، بقدر ما ستكون النتائج واختيارات المواطنين لممثلي ولاياتهم في مجلس الشورى، بمثابة دفعة أخرى للمجلس، للقيام بدوره ومهامه واختصاصاته التشريعية والرقابية، على النحو المأمول، وبما يتفق مع ما نص عليه النظام الأساسي للدولة، الصادر بالمرسوم (101/‏‏ 96) الصادر في السادس من نوفمبر 1996 وتعديلاته في عام 2011.
وفي هذا الإطار فإنه يمكن الإشارة باختصار شديد إلى عدد من الجوانب، لعل من أهمها ما يلي:
أولا: أنه لابد من الاعتراف بأنه، بالرغم من أن مسيرة الشورى العمانية قد وصلت إلى درجة النضج، وذلك عبر التطورات والمراحل التي مرت بها، منذ ما قبل المجلس الاستشاري للدولة، الذي أنشئ عام 1981، ثم إنشاء مجلس الشورى عام 1991، ثم إنشاء مجلس عمان، الذي يضم مجلس الدولة « الذي يقوم جلالة السلطان بتعيين أعضائه » ومجلس الشورى، الذي يتم انتخاب ممثلي الولايات فيه، في انتخابات عامة ومباشرة، والتطور الكبير أيضا في مهام واختصاصات مجلس عمان، ومجلس الشورى بشكل أساسي.
إن الرغبة الكبيرة والواسعة لدى قطاعات واسعة من المواطنين لإعطاء دفعة لمجلس الشورى، وليكون في المكانة التي يتمناها ويتطلع إليها الكثيرون، تمثل في الواقع دافعا أكبر للمشاركة في الانتخابات، والأكثر من ذلك الحرص على اختيار أفضل المرشحين، وأكثرهم قدرة على العمل لتحقيق ما يتمناه المواطنون، وما يريدونه من دور أكثر فاعلية للمجلس في ممارسة مهامه واختصاصاته التشريعية والرقابية، وفق القانون، ومن هنا تحديدا فإن جانبا كبيرا من المسؤولية، بل مسؤولية الاختيار بكاملها تقع على عاتق الناخبين العمانيين، لأنهم ببساطة هم من يقومون باختيار أعضاء المجلس للفترة التاسعة، والمجلس في النهاية، هو محصلة اختيارات المواطنين في يوم الانتخابات، وبالتالي فإن الكرة هي بالفعل في ملعب الناخب العماني. وهو من يحدد سمات وقدرات مجلس الشورى خلال السنوات الأربع القادمة الممتدة حتى أواخر عام 2023.
ثانيا: إن مسؤولية الناخب العماني في اختيار أفضل المرشحين، ومع الوضع في الاعتبار الإطار الاجتماعي والمرحلة التي يعيشها المجتمع العماني بجوانبها المختلفة، ترتكز في الواقع على التقابل والتكامل بين حقوقه وواجباته، فهو من حقه المشاركة في عملية صنع القرار، وفي صباغة وتوجيه التنمية الوطنية، والحصول على فرص متكافئة في مختلف المجالات، وفقا للقانون، ومن حقه التمتع بحقوق المواطنة المتساوية بالنسبة لكل المواطنين، وبضمان حريته واحترام خصوصيته، والمساواة أمام القانون، وبكفالة حياة كريمة له، وهى كلها وغيرها حقوق كفلها النظام الأساسي للدولة في الباب الثالث منه، المواد من (15) حتى (40). غير أن هذه الحقوق تقابلها واجبات على المواطن القيام بها، وفاء بمسؤولياته حيال المجتمع والوطن، في الحاضر والمستقبل، وفي مقدمة تلك الواجبات الالتزام بالقانون والمشاركة في الانتخابات العامة، كانتخابات مجلس الشورى والانتخابات البلدية وغيرها وفقا للقانون، والوفاء الكامل بحقوق الوطن وصيانة امنه ومنجزاته والحفاظ على وحدته الوطنية. وإذا كانت الحكومة قد قامت بالفعل بواجبها وبمسؤولياتها نحو توفير وتأمين كل المعطيات والإجراءات والمتطلبات الضرورية لإجراء انتخابات مجلس الشورى للفترة التاسعة يوم الأحد القادم بشفافية وسهولة وبدون تدخل من جانبها، واجتهدت لتوفر فرصا متكافئة للمرشحين، عبر تنظيم عمليات الدعاية الانتخابية وفق قواعد عامة تنطبق على الجميع، وكما وفرت للناخبين أيضا فرص وإمكانية ممارسة حقهم في انتخاب ممثلي ولاياتهم بسهولة ويسر، فإنه ليس من المبالغة في شيء القول بأن انتخابات الفترة التاسعة تتميز بأنها شهدت اكتمال عملية الانتخابات إلكترونيا، بكل مراحلها من ناحية، وإتاحة الفرصة لكل مواطن عماني له حق الانتخاب وفقا للقانون لممارسة حقه في اختيار ممثل أو ممثلي ولايته في مجلس الشورى للفترة التاسعة، سواء كان في داخل السلطنة، أو في أي دولة في العالم من ناحية أخرى، وذلك من خلال نظام التصويت عن بعد، من خلال الهاتف الذكي، وفقا للإجراءات والخطوات التي تم الإعلان عنها، وتطبيق ذلك بالفعل يوم التاسع عشر من الشهر الجاري بالنسبة للناخبين العمانيين الموجودين خارج الوطن، وكذلك بالنسبة لأعضاء اللجان الانتخابية والإعلاميين العاملين في تغطية الانتخابات.
وحتى بالنسبة للناخبين الذين يتواجدون خارج ولاياتهم «أي مقرهم الانتخابي» ويتعذر عليهم الذهاب إلى ولاياتهم يوم التصويت، فإنه تم إنشاء خمسة مراكز للتصويت الموحد لتسهيل إدلائهم بأصواتهم وممارسة حقهم الانتخابي، وهذه المراكز الموحدة توجد في بوشر وثمريت وادم وهيماء وخصب، وقد حدد قرار معالي السيد وزير الداخلية أماكن مراكز التصويت في تلك المراكز.
يضاف إلى ذلك أن جهار التصويت (صوتك) الذي تم تعميمه وتصنيعه بأيد عمانية، والذي تم توفير 994 جهازا منه في 114 مركزا للانتخابات، منها خمسة مراكز للتصويت الموحد، يشكل نقلة نوعية في عملية التصويت الإلكتروني، وذلك بحكم البرامج التي يحتويها، والتي تتيح التعرف على هوية الناخب وموطنه الانتخابي وإظهار المرشحين في ولايته، وإتمام عملية الانتخاب في نحو دقيقتين، والحفاظ على سرية عملية الانتخاب والمعلومات الخاصة بها، حتى ولو انقطع التيار الكهربائي أو تعرض الجهاز لعطل ما، كما أن عملية فرز الأصوات تتم إلكترونيا عبر الجهاز ونقل المعلومات إلى اللجنة الرئيسية تمهيدا لمراجعة النتائج وإحالتها إلى اللجنة العليا لللانتخابات لإعلان النتائج الأولية والنهائية، بعد البت في الطعون من جانب اللجنة العليا للانتخابات وفقا للقانون، في حالة تلقيها طعونا ما.
ثالثا: إنه إذا كانت الدولة قد قامت بواجبها، تنظيميا ولوجستيا وقانونيا أيضا، لضمان حيدة الانتخابات وضمان سيرها بسهولة ويسر وبدون أية تدخلات، وهو جل ما يمكنها وفاء لمسؤولياتها حيال المجتمع والمواطن، والتزاما بالقانون أيضا، فإن تحقيق الهدف والآمال المعلقة على مجلس الشورى في المستقبل، ترتبط إلى حد كبير بقرار الناخبين العمانيين يوم الانتخابات، وباختيارهم لأفضل المرشحين وأكثرهم قدرة على العمل والإسهام في تحقيق المهام والاختصاصات التي يتمتع بها مجلس الشورى، وهى عديدة و متنوعة بين تشريعية ورقابية، تتصل بالإسهام في إصدار القوانين عبر مناقشة مشروعاتها المحالة إلى المجلس، أو اقتراح مشروعات قوانين، أو اقتراح تعديلات على قوانين سارية، وفق الخطوات والإجراءات التي يحددها النظام الأساسي للدولة في الباب الخامس منه «مجلس عمان»، وقانون مجلس عمان، إلى جانب مناقشة وإقرار الميزانية العامة للدولة وخطط التنمية الخمسية وغيرها، ويعد التكامل والترابط والتنسيق بين مؤسسات الدولة، سمة عمانية، وعلى نحو لا يتعارض مع استقلالية مؤسسات الدولة في أدائها لمهامها والتي تلتقي جميعها عند ما يحقق مصلحة الوطن والمواطن. من جانب آخر فإن انتخابات الفترة التاسعة لمجلس الشورى تتميز بزيادة أعداد المرشحين والذين بلغ عددهم 716 مرشحا ومرشحة، يتنافسون للفوز بـ 86 مقعدا في مجلس الشورى في الفترة التاسعة، كما تشهد هذه الانتخابات مشاركة ملموسة من جانب المرأة العمانية حيث بلغ عدد المرشحات 41 مرشحة، وهو ضعف عدد المرشحات في انتخابات الفترة الثامنة عام 2015 والذي كان 21 مرشحة، ولعل هذا الإقبال يسهم في فوز أكثر من مرشحة لعضوية المجلس في فترته التاسعة. وفي كل الأحوال فإن الناخبين بوعيهم وشعورهم بالمسؤولية هم من يحددون أعضاء مجلس الشورى.