نــوبــل والفــقــر والـفــقــراء

مصباح قطب –
mesbahkotb@gmail.com –

هل الفقر بحاجة إلى من يجعله مشهورا ؟. أليس الفقر اشهر من أن يبين قدره أي نجم علمي أو فني أو سياسي؟ .هل يتذكر الناس الفقر أكثر ويلمسون الحاجة إلى العناية بوأده عندما يشتهر أمره أو بمعنى أدق تتضح بجلاء ملامحه المؤذية أمام نواظرهم؟. أليس وجوده وبالنسبة المعلومة عالميا وداخل كل دولة، بحد ذاته، كاف لإفزاع أي ضمير أو عقل أو جيب؟. هل تتكفل جائزة نوبل بدور من يذيع صيت الفقر أو يرفع صرخته في وجه الجميع حتى لا ننسى أو تلهينا الدنيا عن القيام بواجبنا نحو تلك الفجيعة الإنسانية ؟. أسئلة قد تبدو إجاباتها بديهية بيد أنها تحتاج في ظني إلى تفكير قبل الرد رغم كل شيء.
حين فاز الرئيس الأمريكي (السابق) باراك أوباما بجائزة نوبل للسلام بعد اشهر قليلة من توليه الرئاسة، لم يكن واضحا للعالم الأسباب الحقيقية التي ارتكزت عليها لجنة نوبل في قرارها، حيث لم تكن إنجازات الرئيس قد برزت بعد، وقد رأيت وقتذاك أن نوبل أوباما هدفها الحقيقي توفير سياج آمن للرجل الأسود ذي الأصول الإفريقية والإسلامية من ناحية، والشديد اللهجة مع «وول ستريت» إزاء ما تكشف من ممارساتها بعد أزمة 2008 من ناحية أخرى، وما أدراك ما وول ستريت؟ . نوبل كانت قميص واق من الرصاص ومن الضربات المميتة التي قد تصدر عن أهل وول ستريت أو غيرهم ضد ذاك الرئيس، بل أنى خشيت وقتها أن يتم الاعتداء على أوباما من أي أطراف داخلية. وفرت نوبل بطريقتها وشهرتها وثقلها كما تصورت، حماية ووقاية قبل أن تكون انعكاسًا لأعمال حقيقية عظيمة قام بها الفائز في تلك الحالة الفريدة. من جانب آخر، هناك ما يمكن قوله عن منح نوبل 2019 لعلماء اقتصاد ساهموا ببحوثهم الميدانية في توفير سبل واقعية وعملية لمواجهة الفقر بفاعلية أعلى وكلفة أقل ونتائج أسرع ظهورًا وانتشارًا. المفترض أن جائزة علماء الاقتصاد في أي عام مضى ومنذ تأسيسها هي في النهاية جائزة لأصحاب بحوث قدموا جديدًا من أجل تدعيم النمو والتبادل والتنمية والتكامل والرفاه العالمي وتقليل الهدر ورفع كفاءة استغلال الموارد وتحسين توزيع الدخول وخلق الفرص وتيسيير التمويل الخ، وكلها بلا استثناء ليست بعيدة بأي حال عن مجابهة الفقر والحد منه. ما الذي يجعل الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم تمنح الجائزة إذا هذا العام للأمريكي «أبهجيت بانيرجي»، الهندي المولد، والفرنسية الأمريكية «استر دوفلو» (وهي ثاني امرأة تنال جائزة نوبل للاقتصاد)، والأمريكي «مايكل كريمر» عن أعمالهم حول الفقر؟. ما الذي يجعلها تفعل ذلك والبنك الدولي نفسه يقول إن جلد الذات لا يجب أن ينسينا أن 1.1 مليار نسمة في العالم خرجوا من نير الفقر وأن نسبة الفقر المدقع تراجعت بقوة وكل ذلك منذ 1990 وإلى أيامنا هذه؟. المعنى أنه تم منح الجائزة للعلماء عن أبحاث مواجهة الفقر في الوقت الذي تمضي فيه عملية مكافحته في طريقها – بحسب البنك الدولي- ورغم تنبيه البنك ذاته إلى الحاجة إلى المزيد من الجهد والموارد والسياسات لتحقيق الهدف العالمي بالقضاء على الفقر في 2030؟. لقد قالت هيئة التحكيم السويدية: إن الخبراء الثلاثة أدخلوا مقاربة جديدة للحصول على أجوبة موثوقة حول أفضل وسيلة للحد من الفقر في العالم. مقاربة تعتمد على استخدام تجارب ميدانية، يتم خلالها اختبار مختلف المبادرات لتحسين نتائجها، وباتت طريقتهم للأبحاث التجريبية تهيمن حاليا على الاقتصاد التنموي.
لقد جاءت نوبل الاقتصاد هذه الأيام في أجواء احتفال العالم كله بيوم الفقر العالمي وهو اليوم الذي تقرر الاحتفال به منذ 1993 ليكون مناسبة لتذكير الجميع بواجباتهم على كل الجبهات (سياسية – اقتصادية اجتماعية تعليمية صحية جندرية ثقافية…) التي من شأنها أن تحد من الفقر أو تقى منه أو تقضى عليه.
وفي تقديري أن نوبل التي ذهبت ذات يوم إلى محمد يونس مؤسس «جرامين بنك» الذي ساهم بطريقته المصرفية الفريدة في تمويل مئات الآلاف من النساء وعوائل الأسر الفقيرة بطريقة بسيطة ومؤثرة غيرت حياتهم وحياة أسرهم، نوبل تلك تعيد اليوم التذكير بأهمية الخطوات العملية وحتمية ربط البحوث بالواقع الميداني. إن من المؤسف أن قدرا هائلا من المنح التمويلية ذهب ويذهب إلى منظمات أو حتى حكومات بدون أي عائد ملموس مع أن تلك المنح تتوجه إلى جهات يقال إن عملها هو الحد من الفقر أو إيجاد مداخل جديدة لفعل ذلك، وأدى التسييس والاستغلال السيئ – من جهة المانحين أو من ورائهم – لبعض منظمات المجتمع المدني وأنشطتها إلى مزيد من التعقيد في عملية مواجهة الفقر.. لقد دخلت الأموال في أمور لا تمت بصلة لمكافحة الفقر أو التنمية أو تخفيف المعاناة عن النساء أو الأطفال. وزاد الطين بلة أنه أصبح هناك طبقة مستفيدين من المنح التي تقدمها شركات أو مؤسسات حكومية أو شبه حكومية أو دول تعوق تغيير النهج القائم. إزاء كل ذلك وجبت إعادة النظر فيما يجرى وحتى فيما يتعلق ببعض تمويلات وأنشطة البنك الدولي نفسه. يعلم الجميع كيف يتسرب جانب ليس بالقليل من المنح إلى أجور ومكافآت في غير موضعها أو أنشطة وهمية وشؤون لا تخلو من مجاملات مع إعادة إنتاج نفس المعارف السابقة وبلا أي جديد أو تجديد . من ناحية ثالثة لا ينكر أحد أن قدرا كبيرا من التجريد أو التحليق فيما يشبه الفراغ ساد في كل العلوم النظرية وفيها علم الاقتصاد في العقود الثلاثة الأخيرة .أوغلت تلك العلوم بعيدًا في التنظير والتركيب والفك بل والشطح، متأثرة في ذلك بتيار ما بعد الحداثة، وبالأموال الضخمة التي تدفقت على مراكز البحوث الاقتصادية والاجتماعية والجامعات الكبرى والمعاهد المتخصصة بغرض توجيه الأبحاث والدراسات فيها صوب كل ما من شانه خدمة مصالح الشركات العولمية أو الاستهلاك المفرط حتى وهي تحمل أشكال وأهداف مختلفة ظاهريًا.
في الخلاصة قد يعود سبب منح نوبل هذا العام إلى العوامل التي ذكرتها بيد أن هناك أمرا آخر ألا وهو أن الفقراء في عصر ثورة المعلومات أصبحوا أكثر حدة في الطبع ولا أقول أكثر تنمرا، وقد شهدنا كيف أن موجات الهجرة تدفقت وتتدفق على أوروبا من المتوسط وعبر الحدود في دول أخرى هربا من الفقر وانعدام الفرص .. تدفقت رغم أن المخاطر ضخمة للغاية والموت يطارد أو بمعنى أدق يصطاد في كل مرة حصيلة لا باس بها من المغامرين أو الفارين من جحيم الاحتياج واليأس. وفي كل الحركات الاحتجاجية العامة الكثيفة المشاركة لمس العالم ويلمس كيف أن وجود الفقراء فيها يهدد استقرارًا وأمنًا ونظمًا واتجاهات، وقد يدفع إلى ما لا تحمد عقباه. قد يكون هذا الإدراك لمخاطر ردود أفعال فقراء هذا الزمن هو المحرك الباطني الذي أدى بالأكاديمية السويدية إلى منح الجائزة لمن يعايشون الفقر ويجدون طرقا مبتكرة لمواجهته ميدانيا، وأيضا – وهذا من حسن الحظ للدول التي تبحث عن توازن مالي أو للجهات الدولية التي ترغب في ألا ترى دولا تهتز ماليًا – يقومون بتقديم بدائل لقتل الفقر بلا أعباء على الخزانة العامة وبلا تكاليف تذكر. وضع الفقر في دائرة الضوء مجددًا وإشهار الحاجة إلى اقتراب جيد منه هو المعنى الكامن في نوبل 2019، وبهذا الصدد أود أن أشير إلى أغنية لمطربة مصرية كتبها شاعر كبير هو مرسى جميل عزيز يقول مطلعها: «الناس يا بتحب يا بتنام». خياران في الحياة أن تحب؛ أي يكون لك قلب وهدف إنساني فتحمل هم من تعايشهم أو تعيش بينهم أو تشاركهم الوطن أو المدار الأرضى كله، وبالتالي ستجد آلاف الطرق لمعاونتهم على أن ينهضوا من وهدة الفقر والتخلف والعجز، أو أن تنام بمعنى أن تنغلق على نفسك وتعيش في دائرتك الضيقة في مدار كمبواندي، ملتحفا وجودية فقيرة بل وربما عدمية لا ترى ولا تسمع ولا تحس أي أمر يدور أو يقع أو يصرخ ولو كان على بعد أمتار منها . نوبل اختارت أولئك الذين يحبون ونحن أيضا يجب أن نكون من شركائهم أو مشجعيهم أو مريديهم على الأقل، وتراثنا يدعم ذلك.