وتر: إلى من يهمه أمري

شريفة بنت علي التوبية –

وعلى سبيل المزاح، كنا نعنون رسائلنا القديمة بعبارة (إلى من يهمه أمري)، ولم يكن مهماً أن تكون هذه الرسائل مكتوبة بلغة عاطفية أو عادية، أو موجهة لشخص تربطنا به علاقة خاصة، بل كنا نكتبها علي سبيل التندّر لأشخاص وهميين، نكتبها ونحن مأخوذون بسحر العبارة ومعناها. ولعل من الأفخاخ التي نصبتها الحياة لنا أن نقع ضحية هذا الاعتقاد أن هناك من يهمه أمرنا بالفعل، فنعيش من أجل الآخر، نراقب أنفسنا في عينيه، نشم عطرنا في أنفه، نلبس لنعجبه، نكتب أجمل ما نكتب لأنه سيقرأ، نعيش أدق تفاصيل حياتنا التي نظن أنها تعنيه، ومع الأيام ومع توسع الدائرة أصبح من يهمه الأمر ليس شخصا واحدا بل العالم بأكمله، عالم بمقياس عدد المتابعين لنا في مواقع التواصل الاجتماعي أو المشاهدين لنا في الحالة، عالم نبثّه أوجاعنا وأفراحنا، نتأنق له في صور منتقاة بعناية، نمنحه حياتنا بسخاء من خلال تلك التفاصيل التي ننشرها بشكل يومي عبر تلك النوافذ المفتوحة بيننا وبينه، ماذا نأكل وماذا نشرب ومتى نستيقظ ومتى ننام، اعتقاداً منا أن هناك من يقف منتظراً على أعتاب النوافذ الأخرى ليعرف حالنا، فنسلّط الضوء على أنفسنا قبل أن يُسلّط علينا.
وقد يتجاوز الأمر وضعه الطبيعي ليتحول إلى حالة مَرَضية تستعصي العلاج لدى البعض منا، فحينما يتناقص عدد من يظن أنهم يهمهم الأمر، يبحث عن طريقة أخرى للفت الانتباه ولإخبار الآخر (أنني هنا)، فلا تهم طبيعة المنشور قدر ما يهم أن يكون هناك ضوء مسلّط عليه، يعيش دور البطولة المتوهّمة ويشعر بشعور الشهرة الزائفة في أعين نزقة؛ كل ما يهمها الفرجة على إنسان بائس ووحيد ومحاط بالفراغ، إنسان يبحث عن قيمة فيما لا قيمة له، وعن حياة وإن كانت فارغة، وعن اهتمام وإن كان زائفاً ومتوهمّاً. ومثل هذا تجده متوتراً وخائفاً وقلقاً، فإذا أخطأ يظن أن الآخرين لن ينسوا خطأه، وإذا نجح يعتقد أنهم ينتظرون نجاحه، فتجده رابطاً نفسه بخيط من وهم، إن هناك من يهتّم، ولا يعلم أن من أجهد نفسه وأتعبها لأجلهم، قد لا يتذكرّون من يكون.
ويبقى قليل جداً من لم يقع في فخ (من يهمه أمري)، هم الصادقون مع أنفسهم، الجميلون في عزلتهم، الوقورون في صمتهم، المؤمنون أنه ليس هناك من سيهمه أمرهم سوى من كان موجوداً خلف جدران بيتهم الآمن، وما عدا ذلك حكايات خائبة وزائفة.