عالم فوضى.. ومن المتسبب فيها

عاطف الغمري –
لفت نظري كتاب مثير للجدل، هو آخر مؤلفات ريتشارد هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجية، لمدة 14 سنة حتى الآن، والذي كان في عهد الرئيس جورج بوش – الأب – أحد مساعديه للشؤون الخارجية، ثم بعد ذلك مديرا لبرنامج الشرق الأوسط بمعهد بروكنجز، وكنت قد التقيته في النصف الثاني من التسعينات بمقر المعهد في واشنطن، لحوار حول سياسة بلاده في المنطقة.
الكتاب عنوانه «عالم في حالة فوضى: سياسة أمريكا الخارجية وأزمة النظام الدولي القديم».
وفور صدوره نصح النقاد والرئيس ترامب بقراءته والاستفادة مما احتواه من آراء.
الكتاب يستحق قراءة متأنية، للآراء التي وردت به، وهي خلاصة خبرة رجل عمل بالسياسة الخارجية، في ميادينها العملية، وفي المجالات النظرية التي تديرها مراكز الفكر السياسي، ولأن هاس له رؤيته حول كثير من القضايا الدولية، وذلك بالطبع في إطار المفاهيم المعروفة عن مصالح الولايات المتحدة وأهدافها في العالم.
لكن الكتاب تضمن كذلك العديد من النقاط التي يرد عليها، ولا يمكن أن تؤخذ على علاتها.
إجمالا – يؤكد هاس على ضرورة إيجاد نظام دولي جديد، يخلف نظام القوتين العظميين القديم، بحيث يعكس تعددية القوى الدولية، والذي تلعب فيه قوى ولاعبون كثيرون، وجاء ضمن آرائه المثيرة للاهتمام، أن النشاطات داخل حدود دولة ما، تكون لها تأثيرات معاكسة على آخرين، وهو ما يتطلب عملا جماعيا يؤكد الشرعية الدولية، والتي يصفها بسيادة الدولة.
لكنه لا يؤمن بسيادة الدولة، بشكل مطلق ومنفرد داخل أراضيها، بل أن تكون هناك التزامات من الدولة ذات السيادة تجاه حكومات دول أخرى، وهو ما يسميه بالالتزام السيادي.
وإن هذا الالتزام هو بمثابة التزامات من حكومة تجاه حكومات أخرى، وأيضا تجاه مواطني دول أخرى.
يقول الكتاب أيضا أن نهاية الحرب العالمية الثانية وسعت من نطاق مبادئ معاهدة وستفاليا التي أنهت في عام 1648 الحروب في أوروبا، وأدت نهاية الحروب إلى خلق مجالات لنفوذ دول، داخل دول أخرى.
ويعترف هاس بأن الولايات المتحدة، وحلف الأطلنطي قد فشلا في اتخاذ إجراءات لبناء دولة يسودها السلام بعد إنهاء حكم القذافي.
هنا أتوقف أمام بعض آرائه، التي قد تكون منطقية، حين نراها توضع موضع التطبيق، بما يخالف المبررات المعلنة عنها، وقد بدت منحازة لمنطق السياسة الخارجية لبلده.
ولا ننسى ما جرى في ليبيا من زعزعة الاستقرار، ليس فقط لفشل أمريكا وحلف الأطلنطي، في بناء دولة يسودها السلام، فحسب، حسبما يقول هاس، لكن لما قامت به أمريكا، والحلف، باستخدام جماعات إرهابية، خاصة ممن ينتمون للقاعدة بعد إثارة الفوضى داخل ليبيا، وصولا إلى إسقاط القذافي، وهذا ما سبق أن تحدث عنه كتاب أمريكيون، وأن الحلف انتهى من مهمة إسقاط القذافي، دون أن يكملها بخطة لإعادة بناء الدولة الليبية.
ولم يكن بعيدا عن ذلك لقاء السيناتور جون ماكين في بنغازى بليبيا، مع قيادات منظمة إرهابية، وصفه لهم بالأبطال، ثم أعلنت نفس المنظمة بعد ذلك انضمامها لداعش.
أما عن طرحه لفكرة عدم إيمانه بسيادة الدولة بشكل منفرد داخل أراضيها، فقد تكون لهذا الرأي وجاهته، لو لم يكن قد حدث بالفعل تطبيقا عمليا لهذا المفهوم، بنشر الفوضى داخل حدود الدولة، والتدخل في شؤونها.
أيضا لم ننس بعد مقولة الرئيس جورج بوش الإبن، من أن الشأن الداخلي في دول المنطقة، ليس شأنا داخليا، طالما يمس الأمن القومي الأمريكي.
ولحق بذلك إعلان وزير دفاعه دونالد رامسفيلد، من أننا قد نقوم بعمليات خاصة، باستخدام وحدات خاصة، في دول دون علم حكوماتها.
ثم ما جاء على لسان كوندليزا رايس وهي وزيرة للخارجية، من إشارة على ما أسمته الفوضى الخلاقة، في تطبيق للتدخل في شؤون الدول الأخرى، وإشعال الفوضى داخلها.
كما أن إدارة بوش هي التي خططت لغزو العراق عام 2003، بناء على أدلة ثبت تزييفها وعدم صحتها، باعتراف مسؤولين أمريكيين.
تلك مجرد أمثلة لما يمكن أن ينتج عن رؤيته بشأن ما أسماه بالالتزام السيادي، ولا يخفى على أحد أن وكالة المخابرات المركزية هي شريك غير معلن رسميا في إدارة السياسة الخارجية الأمريكية، وهي أداة لتنفيذ عمليات اقتحام الشأن الداخلي في دول أخرى، وهو ما شمل اغتيال زعماء، وانقلاب ضد حكومات، وإشعال حروب أهلية وإقليمية.
وهنا أستشهد بمقولة سابقة لهاس منذ سنوات قليلة، وردت في كتاب بعنوان «التدخل» Interventionوتقول إن تغيير النظام في أي دولة يمكن أن يتحقق فقط عن طريق غزو عسكري شامل، يخلف وراءه الدولة التي تم غزوها وهي حطام، وتبقى في حاجة لإعادة بنائها من جديد.
أما أن تطرح أفكار للأخذ بسياسات بشكل منعزل عن الواقع، دون ربطها بما كان قد ترتب على نفس الأفكار من سياسات تهز استقرار الدول، بناء على أدلة غير صحيحة، فهذا ما يؤخذ على كتاب ريتشارد هاس، لكن المفهوم أنه يطرح آراءه، بما لا ينفصل عن مبادئ السياسة الخارجية الأمريكية في العالم.