اتهامات المجتمع الدولي لـ«حفتر».. جعجعة بلا طحين

طرابلس- (الأناضول): هل بدأ الضمير العالمي يستفيق في ليبيا؟ إذ تكاد تكون المرة الأولى التي توجه فيها الأمم المتحدة والولايات المتحدة وإيطاليا، الاتهام مباشرة إلى قوات المتقاعد خليفة حفتر، ولو على استحياء، بقصف مدنيين آمنين في بيوتهم وقتل أطفال أبرياء، رغم أن هذا الاتهام ما زال باهتا، ولم تعقبه عقوبات أمريكية ولا أوروبية، ولم يحرك في جامعة الدول العربية نخوة، ولا حتى بيان تنديد واستنكار.
فالبعثة الأممية، وفي موقف نادر، اتهمت «طائرة تابعة لقوات الجيش الوطني الليبي (قوات حفتر) بتنفيذ الغارة» التي أودت «وبأبشع طريقة، بحياة ثلاث فتيات بريئات من نفس الأسرة».
ولفتت إلى أن الفتيات الثلاث «دُفنَّ تحت أنقاض مسكن دمرته غارة جوية في منطقة الفرناج في طرابلس، كما أصيبت فتاة أخرى من نفس الأسرة، وأمها في الغارة الجوية»، بحسب بيان للبعثة.
أما السفير الأمريكي لدى ليبيا ريتشارد نورلاند، وإن لم يذكر قوات حفتر بالاسم، إلا أنه أشار إلى أن الغارة الجوية التي خلفت مقتل ثلاث شقيقات، وقعت «على أيدي قوات فرضت حصارا على العاصمة»، ومعلوم أن قوات حفتر تحاصر طرابلس منذ 4 أبريل الماضي.
السفارة الإيطالية لدى ليبيا بدورها، اتهمت قوات حفتر بالوقوف وراء الغارة الجوية التي أودت بحياة الشقيقات الثلاث، دون أن تذكرها بالاسم، وإن اكتفت بوصفها بـ«القوات التي تهاجم طرابلس».
واللافت أن فرنسا التي طالما قدمت نفسها حامية لحقوق الإنسان ومدافعة عن التنظيمات في سوريا، لم تنبس ببنت شفة عندما تعلق الأمر باستهداف قوات حفتر للمدنيين، في غارات جوية وقصف صاروخي ومدفعي لأحياء مكتظة بالسكان، ما يجعل المرء يصاب بالذهول لحجم هذه المفارقة والازدواجية في التعامل مع قضايا إنسانية.وحتى إن أدان الاتحاد الأوروبي الغارة الجوية على الفرناج، إلا أنه لم يحدد الجهة المسؤولة عن هذه الجريمة.
ورغم هذه الإدانات الدولية المحتشمة للجرائم التي ترتكبها قوات حفتر في حق المدنيين وخصوصا الأطفال، والمهاجرين غير النظاميين، والأقليات العرقية مثل التبو، إلا أن ذلك لم يستدع فرض مجلس الأمن الدولي عقوبات ضد المتورطين في هذه الجرائم، كما أن الولايات المتحدة لم تضع حفتر وقادة أركان حربه والداعمين له على قائمة العقوبات الدولية.
أما جامعة الدول العربية، فلم تحرك ساكنا إزاء الهجوم الذي تشنه قوات خارجة عن الشرعية ضد حكومة معترف بها دوليا، وعضو في هذه المنظمة، التي تحصنت بالصمت، في الوقت الذي تقصف فيه عاصمة عربية منذ أكثر من 6 أشهر أمام أنظارها.
فالأم الليبية التي ثكلت ثلاثة من بناتها الصغيرات في حي الفرناج بالعاصمة الليبية طرابلس ليس لها أن تصرخ بملء فيها «وامعتصماه»، لأن بعضا من العرب متواطئون بشكل أو بآخر في دعم حفتر، المتهم بارتكاب العديد من جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية في أنحاء متفرقة من ليبيا.
فقوات حفتر، التي تبنت في البداية الغارة على منطقة الفرناج، تراجعت ونفت كعادتها الوقوف وراء «جريمة الشقيقات الثلاث»، واتهمت «باستخفاف» حكومة الوفاق بتنفيذها.
لكن فائز السراج، رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، المعترف بها دوليا، توعد قوات حفتر بالعقاب، خلال تفقده موقع الغارة التي طالت منازل ومسجدا بالقرب من معسكر لقوات الوفاق، واصفا الهجوم بأنه «استهداف متعمد للمدنيين والأحياء السكنية، ويُعد جريمة حرب وحشية، لن تمر دون عقاب».
«جريمة الشقيقات الثلاث»، استنفرت أيضا وزارة الخارجية بحكومة الوفاق، التي طالبت مجلس الأمن الدولي في رسالة لرئيسه، باتخاذ «قرار رادع لحفتر» عقب قصف طائراته للفرناج.
رسالة وزير خارجية الوفاق محمد الطاهر سيالة، لرئيس مجلس الأمن، حذرت من أن «أي يوم يمر دون اتخاذ المجلس قرارا حازما لردع المعتدي ولجمه، سيؤدي إلى عواقب لا تحمد من كوارث إنسانية تطال المنطقة كلها».
فيما اعتبر مجلس النواب المنعقد في طرابلس، «تكرار هذه الانتهاكات من قبل مجرم الحرب حفتر وعصابته، باستهداف المدنيين الآمنين في بيوتهم، بعد أن خاب مسعاه في احتلال طرابلس، تعكس حالة الهذيان الذي وصل لها».
وطالب رئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، باتخاذ الإجراءات اللازمة لدعوة مجلس الأمن إلى فرض حظر جوي على الطيران العسكري في الأجواء الليبية.
كما استنكر التجمع الوطني لعلماء ومشايخ ليبيا «الجريمة البشعة التي ارتكبها مجرم الحرب حفتر في الفرناج، بدعم من الإمارات ومصر والسعودية».
«جريمة الشقيقات الثلاث»، كانت مروعة إلى درجة أن رئيس حزب العدالة والبناء الليبي محمد صوان، اعتبر أن «الاكتفاء بالإدانة أمر مخجل أمام جريمة مقتل أطفال أبرياء في الفرناج».
وأضاف صوان، أنه «من البشع للغاية إزهاق أرواح أطفال أبرياء، لا لشيء إلا ليمضي عجوز مجرم (حفتر) ما تبقى من عمره على كرسي السلطة».
ورغم أن حفتر ارتكب جرائم بالجملة في ليبيا، سواء في الفرناج أو قبلها في جنزور بالضاحية الغربية لطرابلس، كما قتلت قواته عشرات المهاجرين غير النظاميين في طرابلس، وعشرات آخرين من مكون التبو بمدينة مرزق (جنوب)، ناهيك عن جرائمه في بنغازي ودرنة، إلا أنه نجا من مقصلة العقوبات الدولية بفضل الغطاء الدبلوماسي الذي توفره له فرنسا، بحسب تقارير إعلامية، رغم عرقلته تطبيق الاتفاق السياسي الذي تم توقيعه في الصخيرات نهاية 2015، برعاية أممية ودولية. وسياسة التغاضي عن جرائم حفتر في ليبيا، دون تحرك أمريكي وأوروبي وعربي فاعل، سيشجع قائد قوات الشرق على استهداف المدنيين، وارتكاب مزيد من المجازر للانتقام منهم في طرابلس، بعد أن استنفد مختلف الخطط والأساليب لاقتحام العاصمة لكن دون جدوى.