نبع الحياة للأسد ولأردوغان !

رشا عبدالوهاب –

أكثر من 40 عاما من الحرب المعلنة بين تركيا والأكراد، ازدادت حدتها مع صعود الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى السلطة في 2002، وصاحبها الكثير من المناوشات مع سوريا بسبب معسكرات منظمة حزب العمال الكردستاني في شمال سوريا على الحدود التركية. ومع اندلاع الحرب الأهلية السورية، أعلنت أنقرة قطع جميع العلاقات ووقف جميع الاتفاقات مع دمشق، كما فتح أردوغان ذراعيه على اتساعهما من أجل «الأخوة السوريين» الذين وعدهم بمنحهم الجنسية التركية، إلا أنه مع 2018، بدأ يضيق بهم ذرعا، ويهدد أوروبا بطوفان من اللاجئين، بعد فشل أوروبا في تحقيق وعدها بتمويل أنقرة لتحمل أكبر أزمة تواجه القارة العجوز منذ الحرب العالمية الثانية.
كل هذا ما هو إلا مقدمات لمحاولات تركيا المستمرة للتوغل العسكري داخل سوريا. ومنذ أيام، أعلن أردوغان شن العملية العسكرية الثالثة في شمال سوريا، التي سماها «نبع السلام»، وذلك بعد عمليتي «درع الفرات» و«غصن الزيتون»، إلا أن هذه العملية الثالثة مختلفة تماما في ملابساتها وتداعياتها لعدة أسباب، سواء في الداخل التركي أو في سوريا نفسها.
فأردوغان يعيش محاصرا يواجه أزمات داخلية غير مسبوقة، فالسياسة والاقتصاد يشهدان حالة من التدهور، وحزبه العدالة والتنمية الحاكم ينقسم على نفسه، ويشهد حالة انشقاقات من قبل أقرب الحلفاء وأقواهم. فأصدقاء الأمس تحولوا إلى أعداء اليوم بداية من الداعية فتح الله جولن زعيم حركة «الخدمة»، الذي يشن أردوغان حملة قمع ضد أنصاره، وأحمد داود أوغلو رئيس الوزراء السابق الذي تحالف مع علي باباجان وزير الاقتصاد السابق لتشكيل حزب جديد يهدد العدالة والتنمية.
أردوغان أراد أيضا توجيه ضربة لأكراد تركيا، الذين وقفوا ضده في الانتخابات، وهو ما اضطره إلى منعهم من تولى مناصبهم، إلى جانب أزمة منظمة حزب العمال الكردستاني، التي تصنفها أنقرة على أنها إرهابية، وتسجن زعيمها عبدالله أوجلان، وذلك بعد أن فشلت في التوصل إلى تسوية سياسية معه. وواصل الأكراد في تركيا تقدمهم على المستوى السياسي لدرجة جعلتهم «صداع» في رأس أردوغان، حيث لم تفلح كل محاولاته في طمس هويتهم واغتيالهم سياسيا.
ووسط حالة الاستقطاب السياسي التي تشهدها تركيا، تواصل الليرة والاقتصاد حالة السقوط الحر، مع استمرار العقوبات الاقتصادية الأمريكية وبسبب سياسات أردوغان نفسه إلى جانب حملة القمع ضد المعارضة في الداخل والخارج، والتي تسببت في تدهور العلاقات مع الدول الأوروبية إلى جانب تراجع العلاقات بين أنقرة وبعض الدول العربية، وخصوصا السعودية.
كل هذه المشكلات تسببت في تراجع حظوظ العدالة والتنمية في الانتخابات التي جرت في مارس الماضي، التي فتحت الباب لصعود المعارضة التركية بقوة. وفي ظل بحث أردوغان عن «قشة» في بحر المعارك السياسية الداخلية والخارجية، برق الهجوم الأخير على سوريا «نبع السلام» كطوق نجاة، فالمعارضة تدعمه في تحركه العسكري في شمال سوريا، والأتراك يشعرون بالفخر والنزعة القومية بسبب المعركة الحاسمة التي تحولت إلى حرب شعبية، من وجهة نظرهم، لعدة أسباب منها استعراض القوة التركية أمام العالم ومكافحة «الإرهاب»، وإعادة ملايين السوريين الذين أصبحوا «عبئا» على المجتمع التركي، خصوصا مع وعد أردوغان بإعادة 3،6 مليون لاجئ سوري وتوطينهم فيما سماه المنطقة الآمنة بالشمال السوري.
وأخيرا بعد سلسلة من الأزمات، وجد أردوغان نفسه بطلا قوميا، ووجد الأكراد أنفسهم في مهب الريح من دون حليف، فالأمريكيون تخلوا عنهم، وتركوهم يواجهون مصيرهم، أردوغان وجيشه وطائراته أمامهم، والحكومة السورية بقيادة بشار الأسد خلفهم. ولكن طوق النجاة الوحيدة كان المثال القائل «عدو عدوي صديقي»، فلا منجى إلا التحالف مع الأسد، خصوصا بعد أن شن عليهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هجوما كلاميا غير مسبوق، ووصفهم بأنهم أسوأ من تنظيم داعش ، وبأنهم ليسوا ملائكة، بينما اعتبرت قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وجناحها العسكري «وحدات حماية الشعب» الكردية أن سحب الدعم الأمريكي لهم «خيانة».
وبمجرد انسحاب القوات الأمريكية من مدينة منبج بشمال شرق سوريا، بعد إعلان ترامب الانسحاب الأمريكي من الدولة التي أنهكتها أكثر من 8 سنوات من الحرب، تحركت وحدات الجيش السوري باتجاه المدينة، لتدخلها لأول مرة منذ سبع سنوات. منبج التي استولت عليها المعارضة السورية عام 2012، ثم تنظيم داعش في 2014، ثم حررتها قوات سوريا الديمقراطية الكردية من الدواعش، أصبح يرفرف فوقها مجددا علم الجمهورية السورية. ومع تخلى الحليف الأمريكي عنهم، لم يعد أمام أكراد سوريا سوى خيار الاتفاق مع دمشق لمواجهة الغزو التركي لشمال سوريا، أو منطقة نفوذهم وموطن حلمهم القومي، فكان لابد من البحث عن حليف آخر بديل، يملك القوة العسكرية التي تمكنهم من مواجهة القوة الغاشمة لأردوغان.
على الرغم من أنه تحالف معقد، فإن الأكراد السوريين لم يطالبوا بتغيير نظام الرئيس السوري بشار الأسد منذ الأيام الأولى لاندلاع الحرب الأهلية، وغالبا ما يتم توجيه الاتهام لهم بعمل تسوية مع الأسد من أجل إقامة منطقة حكم ذاتي في شمال سوريا، ولكن يبدو أن حلمهم في الدولة انتهى أيضا، فإما التسوية أو الإبادة.
يرى الأكراد في مذكرة التفاهم مع الجيش السوري، التي تم التوصل إليها برعاية روسية، خطوة نحو التسوية السياسية وإيجاد حل لشمال سوريا في الدستور السوري، كما أنها تتيح الفرصة لتحرير باقي الأراضي والمدن السورية المحتلة من قبل الجيش التركي. وهذا جانب إيجابي، حيث يعود الجيش السوري لممارسة أحد أبرز مهامه، ألا وهو حماية الحدود وجزء مهم من الشعب السوري. ودخل الجيش السوري مدينة عين العرب الحدودية مع سوريا، كما نشرت الشرطة العسكرية الروسية دوريات لها في المنطقة. وترى الحكومة السورية أن العدوان التركي يظهر أطماع أردوغان التوسعية، التي تهدد بإطالة عمر الأزمة في سوريا، وبتعطيل عمل لجنة مناقشة الدستور والمسار السياسي.
إلا أن التخوف الأكبر يتمثل في احتمالية حدوث صدام بين الجيشين السوري والتركي، كما حذرت بثينة شعبان مستشارة الرئيس الأسد. أردوغان أكد أن الجيش التركي سيواصل تقدمه لفرض منطقة عازلة يصل عمقها إلى 20 ميلا داخل الأراضي السورية، وأن مساحة هذه المنطقة قد تصل إلى 280 ميلا من شمال مدينة منبج إلى الحدود السورية مع العراق.
وأكدت «قسد» أنها ستواجه الغزو التركي، إلا أنها لوحت بآخر ورقة في يديها، وهي داعش. فقوات سوريا الديمقراطية، التي تلقت دعما من التحالف الدولي لمواجهة داعش، هي القوة الوحيدة التي نجحت في تطهير شمال سوريا من مقاتلي الدواعش، إلا أن تحذيراتها من أن 11 ألف من مقاتلي التنظيم الإرهابي وعائلاتهم أصبحوا أحرارا لم تجد صدى، واعتبرها ترامب مجرد ورقة للمساومة والابتزاز.
جانب آخر من الصراع السوري – السوري يتمثل في الجيش السوري الحر الذي يحارب الجيش السوري منذ الأيام الأولى للصراع قبل أن يندمج في تنظيمات متشددة مثل جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة وتنظيم داعش حتى وصل إلى مرحلة الدعم للغزو التركي لشمال سوريا خلال العمليات العسكرية الثلاثة. إذن تدعم تركيا أعداء الأسد، أو ما يصنف في المعادلة السورية، على أنهم فصائل المعارضة، وفي الوقت ذاته، مد الأكراد، أعداء أردوغان، غصن الزيتون للأسد وأنضوا تحت لوائه، وبالتالي لابد من التوصل إلى تسوية بين الطرفين خصوصا أن الوسيط الدولي في هذه الحالة سيكون روسيا، التي أمسكت العصا من المنتصف لتستغل الخروج الأمريكي من سوريا وتملأ هذا الفراغ. وقد يحاول أردوغان مهادنة الأسد للتوصل إلى اتفاق سياسي مثل اتفاق «أضنة» عام 1999، التي أوقفت دمشق بمقتضاه دعم أكراد تركيا، خصوصا أن الجيش التركي لن يخاطر بالدخول في مواجهة مع الجيش السوري، الذي يدعمه بقوة كل من روسيا وإيران، كما لن يخاطر أردوغان بالخروج كضامن أساسي في محادثات الآستانة، وهو ما جعله يوافق على ضغوط ترامب لوقف إطلاق النار في سوريا خمسة أيام، حتى يجعل الأكراد يتراجعون من المنطقة.