بين العملية العسكرية والاتفاق الأمريكي- التركي

عوض بن سعيد باقوير صحفي ومحلل سياسي –

الجهود الدبلوماسية الدولية ولعدد من الأطراف مثل روسيا هو إيجاد الحل النهائي للأزمة السورية ورجوع ملايين اللاجئين إلى ديارهم من خلال إيجاد الدستور الدائم والذي سوف يحدد مستقبل سوريا من خلال تشكيل اللجنة الدستورية وإيجاد التوافق بين السوريين، ومن هنا فإن المشكلات الفرعية سواء التي تحدث الآن في الشمال السوري وشرق الفرات أو الوضع المتوتر في محافظة إدلب لا يساعد على إنهاء الأزمة السورية التي تحتاج إلى حل شامل ينهي معاناة ملايين السوريين في الداخل وفي الشتات.

تداخلت العملية العسكرية التركية في شمال سوريا مع الاتفاق الأمريكي-التركي حول وقف تلك العملية من خلال عدد من الآليات والتي من أهمها انسحاب قوات سوريا الديمقراطيه الكردية من المناطق المحاذية للحدود مع تركيا بحدود 32 كيلومترا مربعا وقد أهملت انقره قوات سوريا الديمقراطيه المعروفة اختصارا باسم قسد 120 ساعه لتنفيذ الاتفاق وهناك مؤشرات على انسحاب تلك القوات من رأس العين، كما دخلت القوات السورية إلى بعض المناطق في الشمال السوري على الحدود التركية خاصة في الحسكة وعين عيسى وغيرها من البلدات السورية.
ويبقى السؤال الأهم وفي ظل ذلك الاتفاق الأمريكي-التركي هل تنسحب قوات سوريا الديمقراطية من المناطق المحاذية للحدود مع تركيا لمسافة 32 كيلومترا وبالتالي تسيطر القوات الحكومية السورية على تلك المناطق من خلال حوار سوري-تركي ترعاه روسيا الاتحادية.

ما بعد العملية

كانت العملية العسكرية التركية في شمال سوريا مؤثره على الصعيدين العسكري والسياسي حيث استطاعت القوات التركية ذات العتاد العسكري الأكبر وسلاح الطيران ان تخترق تحصينات قوات سوريا الديمقراطية، وهذا أمر متوقع فالقدرات العسكرية بين الطرفين غير متوازنة وكانت الاستراتيجية الخاصة بقوات سوريا الديمقراطية هو تحويل المواجهة مع القوات التركية إلى ما يشبه حرب العصابات وهو أمر لا يتوفر قياسا بالجغرافيا الصحراوية في الشمال السوري، كما ان سلاح الجو التركي كان له الإسهام الأكبر في التغلب على المناورات التكتيكية رغم ان المدفعية الثقيلة لقوات سوريا الديمقراطية ألحقت خسائر محدودة بالقوات التركية والمدنيين على طوال البلدات والقرى التركية على الحدود مع سوريا.
ورغم أن العملية العسكرية تمضي في أهدافها فإن الموقف الأمريكي الحاسم تجاه تركيا سواء من خلال تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب أو تصريحات عدد من أعضاء الكونجرس وزيارة نائب الرئيس الأمريكي بنس ووزير الخارجية بومبيو الى انقره قد ساعد علي وقف تلك العملية العسكرية وفق آليات محددة.
ورغم الخروقات المتقطعة من الجانبين إلا أن الهدنة صمدت سمح لتفاهمات بين قوات سوريا الديمقراطية والقوات الحكومية السورية يتمثل في دخول القوات السورية الى المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية في ظل المتغير الأهم والمتمثل بانسحاب القوات الأمريكية من شمال سوريا مما جعل قوات سوريا الديمقراطية تشعر بأن الولايات المتحدة قد تخلت عنهم كحليف.
وفي ظل إصرار الكونجرس على معاقبة تركيا اقتصاديا فإن الاتفاق يمثل المخرج للأزمة بين واشنطن وأنقرة خاصة وان انسحاب قوات سوريا الديمقراطية من رأس العين وكوباني وحتى الحسكة سوف يعطي مؤشرا بأن الحوار السوري-التركي قد يؤدي إلى انتهاء القلق التركي بحيث تعود الأمور إلى ما قبل الحرب في سوريا عام 2011 وفي ظل الآليات المطبقة آنذاك.
وتركيا ومن خلال الرئيس أردوغان تتحدث عن إمكانية تواصل العملية العسكرية على الحدود السورية إذا لم تنسحب القوات الكردية من المناطق المحاذية للحدود مع تركيا على طول 32 كيلومترا وسوف يعتمد ذلك على سلوك قوات سوريا الديمقراطية وأيضا الموقف السوري والروسي.

حوار دمشق- أنقرة

في ظل حالة عدم اليقين في المشهد السوري وتعقد الأوضاع في محافظة إدلب فإن الحوار السوري-التركي ومن خلال الرعاية الروسية هو الآلية الصحيحة لإنهاء المشكلة في الشمال السوري وهو إيجاد المنطقة الآمنة من خلال وجود القوات السورية الحكومية وتأمين منطقة الحدود وإيجاد آليات أخرى لقوات سوريا الديمقراطية من خلال الاندماج في الجيش السوري أو أي تفاهمات محتملة خاصة وان الحوار بين قسد ودمشق متواصل منذ بداية العملية العسكرية التركية في شمال سوريا، وفي ظل ابتعاد الجانب الأمريكي عن الأزمة السورية وحديث ترامب حول ضرورة ان تبتعد الولايات المتحدة عن الحروب في الشرق الأوسط على حد قوله وأن تلك الحروب مستمرة ومكلفة اقتصاديا.
الزيارة المرتقبة للرئيس التركي أردوغان لموسكو قد تفضي الى نتائج حاسمة نظرا للدور الروسي الحاسم في الأزمة السورية وقد تفضي تلك الزيارة الى نتائج حاسمة في مقدمتها إطلاق حوار مباشر بين دمشق وأنقرة وإن حدث ذلك فسوف يشكل تحولا حيويا على صعيد مستقبل الأزمة السورية بشكل كبير.
وجود القوات الحكومية السورية على مناطق الحدود مع تركيا هو أمر يصب في مصلحة تركيا لأن هناك هواجس قلق من انقرة من الأكراد والارتباط مع حزب العمال الكردستاني الذي لا يزال في مواجهة مسلحة مع تركيا منذ عقود وهناك تعقيدات واضحة في هذا الأمر، ومن هنا فإن الأنظار تتجه نحو حوار تركي- سوري لحل تلك الإشكالات بحيث تسيطر الحكومة السورية على كل مناطق الشمال السوري وتضمن السلام والهدوء للمناطق المحاذية للحدود مع تركيا.
الجانب الروسي ينظر إليه بأنه اللاعب الأهم في الأحداث السورية ومن هنا فإن الحوار هو الخيار الأفضل للأطراف لأن اندلاع حرب في الشمال السوري سوف يخلق بؤرة توتر جديده لا تساعد على إنهاء الأزمة السورية في ظل التطورات الإيجابية وقرب الإعلان عن اللجنة الدستورية التي ترعاها الأمم المتحدة.
العملية العسكرية التركية حركت الأمور ايجابيا حتى الآن من خلال الاتفاق التركي-الأمريكي ومن خلال الحوار بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية وأيضا من خلال المقترحات الروسية التي سوف يتم الكشف عنها خلال المحادثات بين الرئيس الروسي بوتين ونظيره التركي أردوغان في موسكو خلال الأيام القادمة، وعلى ضوء تلك التحركات فإن الأزمة على الحدود السورية –التركية قد يتم حلها وتدخل القوات السورية لتحل محل القوات الكردية في الشمال السوري وفق ضوابط والتزامات تنهي القلق التركي الذي جعل من إطلاق العملية العسكرية مسألة حتمية حيث ترى تركيا أن وجود قوات سوريا الديمقراطية على حدودها هو تهديد للأمن الوطني التركي حسب كلام المسؤولين الأتراك.

مسار الأزمة

التهديد التركي باستئناف العملية العسكرية واضح في حال لم تنسحب قوات سوريا الديمقراطية الى المسافة المتفق عليها مع الولايات المتحدة، أما فيما يخص العقوبات الاقتصادية الأمريكية على أنقرة فهناك شكوك حول تطبيقها في ظل العلاقات القوية بين واشنطن وانقرة وكون تركيا عضوا في حلف شمال الاطلسي، ومن هنا فإن المرجح هو انسحاب قوات سوريا الديمقراطية بحيث تحل محلها القوات السورية الحكومية تمهيدا لانطلاق حوار معلن أو حتى سري بين دمشق وانقره تحت رعاية روسية.
الجهود الدبلوماسية الدولية ولعدد من الأطراف مثل روسيا هو إيجاد الحل النهائي للأزمة السورية ورجوع ملايين اللاجئين إلى ديارهم من خلال إيجاد الدستور الدائم الذي سوف يحدد مستقبل سوريا من خلال تشكيل اللجنة الدستورية وإيجاد التوافق بين السوريين ومن هنا فإن المشكلات الفرعية سواء التي تحدث الآن في الشمال السوري وشرق الفرات أو الوضع المتوتر في محافظة إدلب لا يساعد على إنهاء الأزمة السورية والتي تحتاج الى حل شامل ينهي معاناة ملايين السوريين في الداخل وفي الشتات.
وعلى ضوء تلك التحركات فإن الأمر المرجح هو انسحاب قوات سوريا الديمقراطية وان تقوم القوات السورية الحكومية بالانتشار والدخول الى تلك البلدات والقرى المحاذية للحدود مع تركيا وهو حل توفيقي ينهي الأزمة بشكل كامل ومن دون ذلك سوف تدخل الأزمة السورية الى منعطف معقد وهذا لا يساعد على التفرغ للجهود الدبلوماسية نحو الانطلاق الى نهاية لتلك الأزمة السورية القاسية على الشعب السوري منذ اندلاعها عام 2011 وحتى الآن مخلفة آثارا مدمرة ومشكلات إنسانية من خلال هجرة ملايين السوريين الى أوروبا ودول العالم المختلفة.