من قرار الانسحاب الأمريكي إلى قرار التدخل التركي

صلاح أبو نار –

في السادس من أكتوبر الجاري جرى اتصال هاتفي بين الرئيسين ترامب وأردوغان. ووفقًا لما أعلن رسميًا بشأن المحادثة، سعى أردوغان لاقناع ترامب أنه لم تعد هناك حاجة لاستمرار القوات الأمريكية بعد القضاء على تنظيم داعش، وأن القوات التركية سوف تشرع في التدخل الفوري لإقامة المنطقة الحدودية الأمنية العازلة.
ورد ترامب أنه يعارض هذا التدخل، لكنه أيضا لن يتعاون معه أو يتصدى له. وفي السابع من أكتوبر أعلن ترامب قرار الانسحاب، وفي التاسع منه شرع الأتراك في اجتياح الشمال السوري.

والواقع أن تلك الرواية غير دقيقة، فلا ترامب كان في حاجة إلى من يقنعه بضرورة الانسحاب؛ لأن قرار الانسحاب متخذ ومعلن رسميا منذ 19 ديسمبر 2018. ولا أردوغان كان في حاجة إلى ضمان عدم التصدي الأمريكي للتدخل التركي؛ لأن قرار الانسحاب كان يعني بلا أدنى شك اطلاق يد تركيا في الشمال السوري. ولم يكن أردوغان في حاجة لإخبار ترامب بموعد الاجتياح الوشيك لشمال سوريا؛ لأن هذا الموعد تحدد فعليا وأعلن رسميا منذ ما يزيد عن شهرين، في سياق التوضيح العلني والصريح المواقف التركية، التي صاحبت اتفاق أغسطس التركي – الأمريكي حول إنشاء المنطقة الحدودية الآمنة. وطوال الفترة التالية تكرر الإعلان عنه من مراكز الدولة التركية.
وكل ما سبق من شأنه أن يقودنا إلى النقطة الأهم في التدخل التركي في شمال سوريا. فلم نكن في حاجة إلى ما دعوناه أعلاه بعملية التوضيح الصريح للمواقف التركية، لأن الرصد المحايد للسياسة التركية تجاه سوريا يخبرنا، أن تركيا كانت تعمل على إقامة المنطقة الحدودية العازلة والآمنة منذ أغسطس 2016. منذ هذا التاريخ أطلقت تركيا ثلاث حملات عسكرية أسفرت عن تأسيس تلك المنطقة العازلة في كل أو أغلب الشريط الحدودي الممتد من اللاذقية غربا حتى مجرى نهر الفرات، وتمتد إلى الداخل بأعماق متفاوتة يصعب تقنينها. انطلقت تلك العمليات الثلاث بالتوافق مع ثلاث تحولات أساسية في المشهد الصراعي السوري.
أولها : نمو الدور الروسي في سوريا من عام 2015 عبر مزيج من التدخل العسكرية الحاسم، وإطلاق عملية مفاوضات إقليمية وسورية لحل الصراع السوري عبر مؤتمرات آستانة، كمنافس لعملية جنيف تحت الرعاية الأمريكية.
وثانيها نمو الدور الأمريكي ومعه التحالف الدولي عبر التدخل العسكري، الموجه أساسا ضد تنظيم داعش والذي أسفر عن استئصالها في العراق وانحسارها الاستراتيجي في سوريا كقوة عسكرية مسيطرة على مناطق جغرافية ممتدة.
وثالثها التحولات في موازين القوى المتصارعة في الداخل السوري والتي يهمنا منها أمران.
إعادة السلطة السورية لبناء ذاتها والاستعادة التدريجية لسيطرتها الإقليمية بفعل الدعم الروسي، وعملية الحصار الدولي للتدفقات المسلحة والمتشددة العابرة للدول. ونمو القوى العسكرية الكردية السورية بفعل الدور المركزي الذي لعبته في هزيمة داعش في سوريا والدعم الأمريكي لها، وتمكنها من تحويل سيطرتها الإقليمية إلى هياكل للحكم الذاتي ومقدمات لتأسيس دولة كردية.
انطلقت العملية الأولى المسماة «درع الفرات» في أغسطس 2016 واستمرت حتى مارس 2017، وأسفرت عن سيطرة تركيا وحلفائها السوريون على 2000 كيلومتر مربع تضم 230 مستوطنة، والاستيلاء على جميع مستوطنات مدينة جرابلس من قوات سوريا الديمقراطية، وإعادة 50.000 لاجئ من تركيا إلى المناطق المحررة. وجرت معارك عملية «أدلب» الثانية في أغسطس 2017، وأسفرت عن إقامة منطقة آمنة منزوعة السلاح في إدلب بعمق 20 كيلومترًا، واحتواء الكانتون الكردي في منطقة عفرين وقطع طرق في اتجاه البحر المتوسط، ومنع سيطرة النظام السوري عليها، وتهيئة المجال لتوطين اللاجئين فيها. وكانت العملية الثالثة هي عملية عفرين يناير – مارس 2018، وأسفرت عن سيطرة تركيا والجيش السوري الحر على أغلب منطقة عفرين ومن ضمنها مدينة عفرين و282 بلدة وقرية، علاوة على السيطرة على المناطق التي كانت قوات الأكراد تسيطر عليها، على امتداد الحدود مع تركيا وتصل أعزاز بأدلب.
ويمكن القول أن العملية الرابعة والراهنة والمدعوة «ربيع السلام» هي امتداد عضوي وطبيعي للعمليات الثلاث السابقة، يدفع بالمناطق الحدودية الآمنة صوب شرق القرات بعد تمكنها من السيطرة على كل الشريط الحدودي غرب الفرات وحتى اللاذقية على البحر المتوسط. وهكذا لن تختلف الدوافع التي ينسبها المحللون إلى العملية الراهنة عما رصدناه من دوافع العمليات السابقة. الرغبة في تحجيم القوى الكردية كقدرات عسكرية وكهياكل للحكم الذاتي، صالحة لتأسيس قاعدة مادية لكيان سياسي كردي مستقل بالقرب من الحدود. والرغبة في خلق منطقة عسكرية عازلة تمنع أي تواصل حادث أو مكتمل بين أكراد سوريا وأقرانهم الأتراك. والسعي لخلق منطقة مستقرة صالحة لاستيعاب وتوطين ما يقرب من مليونين من المهاجرين السوريين إلى تركيا. ومع توطينهم السعي المخطط لتغيير التركيبة العرقية لسكان الشريط الحدودي، من هيمنة العنصر الكردي إلى هيمنة عربية أساسًا، وبالتالي حرمان الأكراد من القدرة على إعادة بناء قوتهم في المستقبل. وفي النهاية استخدام السيطرة التركية على الشريط الحدودي، كورقة سياسية للضغط في عمليات إعادة تشكيل النظام السوري القادمة.
وكيف تبدو محركات سلوك الحليف الأمريكي؟
ينبغي هنا أن نميز بين أمرين:
المنطق المعلن لأسباب القرار، والعمليات السياسية الفعلية التي دفعت لاتخاذ القرار. يدور المنطق الرسمي المعلن حول أن الوجود الأمريكي استهدف هزيمة داعش واستئصالها، وبما أن هذا الهدف قد تحقق بالفعل ينبغي الانسحاب وترك مهام الأزمة السورية للقوى السورية والإقليمية التي أضحى عليها أن تتحمل مسؤولياتها. ويصعب تصور مدى القناعة الفعلية داخل الإدارة الأمريكية بهذه الحجة، فمن السهل جدًا تحديها بالقول إن تقارير أمريكية موثوق بها كانت تتحدث على مدى الشهور الماضية عن بوادر قوية لصحوة داعش، وأن أغلب المحللين حذروا أن مجرد الانسحاب سيمنح فرصة البعث لتنظيم هزم لكن لم يفقد لا الموارد ولا الالتزام الإيديولوجي ولا القيادات الأساسية. وبالتالي يمكن الافتراض أنها في جوهرها مجرد حجة ظاهرية. وربما كان علينا أن نبحث عن ما دعوناه بالعمايات الفعلية الصانعة للقرار. هنا تظهر فرضية الانسحاب الأمريكي من أجل تركيز القوى الأمريكية ضد الصين في الشرق الأقصى. ولكن هذه الفرضية تواجه مشكلة كبيرة؛ لأن الوجود الأمريكي في سوريا ليس بالضخامة التي يصنع بها فارقا لو تم سحبه. كما أن هذا السحب يجري في منطقة، أصبحت موقعًا للمزيد من الحشد العسكري الأمريكي مع إلغاء الاتفاقية النووية الإيرانية، مع ملاحظة الحضور الإيراني القوي في الأزمة السورية. وربما كانت العملية الفعلية الأكثر قدرة على التفسير، هي الرؤية التي توجه ترامب في إدارة سياسته الخارجية. من ضمن ما يميز هذه الرؤية عنصرين، التكلفة الاقتصادية للسياسة الخارجية، والإدارة بمنطق الصفقات. يدير ترامب علاقته بالتحالف الأطلسي بمنطق التكلفة وليس الشراكة السياسية، وفي لحظات معينة يتجه لإدارة علاقات أمريكا مع اليابان وكوريا الجنوبية بنفس المنطق، ويتعامل مع منظومة اتفاقيات أمريكا الدولية بنفس المنطق. ويبدو لهذا المنطق درجة من الحضور هنا. انتهت داعش فلماذا نتحمل تكلفة البقاء، على أصحاب الشأن في المنطقة أن يتحملوا المسؤولية. ولقد تحالفنا مع الأكراد ومنحناهم مقابل ما قدموه، وما دفعناه نراه مقابل جيد لما قدموه فلماذا ندفع أكثر؟ هل قدموا لنا أكثر مما قدمناه لهم؟ وهناك أيضًا دور للإدارة بمنطق الصفقات. يشير أكثر من محلل إلى وجود فكرة داخل الفريق المحيط بترامب، ترى في التخلي عن الحليف الكردي صفقة رابحة، لأنها ستمنح تركيا تأكيدًا على أن واشنطن تضع مخاوفها الكردية في عين الاعتبار، ولأنها ستعمل على فك عرى التحالف التركي – الروسي المتنامي.
إلى أي مدى سيتوغل التدخل التركي في سوريا؟
الأرجح أن أنقرة تعرف حجم الأكراد العسكري المحدود بدون واشنطن، وأنهم قوة حرب عصابات برية وخفيفة السلاح أساسا لا يمكنها موازنة الجيش التركي. والأرجح أنها ستوجه ضربات عسكرية مؤثرة إلى ما تعتبره مراكز للعتاد الثقيل في الداخل، لكنها عسكريًا ستكتفي بالسيطرة على شريط حدودي بعمق 30 كيلومترًا، وسيرافق ذلك عمليات إجلاء واسعة للعناصر الكردية. والأرجح أنها ستفعل ذلك دون خوف من العقوبات الدولية؛ لأن العقوبات غير مرشحة للتصاعد أوالاستمرارية. ولكن في نفس الوقت لا يبدو أنها ستواجه نزهة عسكرية في سوريا. ثمة بوادر قوية لبناء تحالف بين الأكراد والسلطة في دمشق، ولن تقدم موسكو أي دعم غير مشروط لأنقرة، وسوف تخلق العمليات السياسية والعسكرية في الشريط الحدودي فوضى غير هينة ستعاني منها القوات التركية معاناة عسيرة.