المستقبل .. المفاوضات أجدى من الحروب

إميل أمين –

رسمت العملية العسكرية التركية الأخيرة في شمال شرق سوريا الكثير من علامات الاستفهام في الأفق، لا سيما حول مستقبل تلك العملية، وهل ستتوقف عند مرحلة معينة أم يمكن أن تكون انطلاقة لحرب إقليمية أكبر وأخطر، وفي حالة من حالات سخونة الرؤوس تتحول إلى صراع عالمي، سيما وإنها تجري في منطقة بها من الألغام الكثير جدًا القابل للانفجار، عطفا على أدبيات كلاسيكية ودينية يجري الترويج لها منذ زمن بعيد انطلاقا من أن هذه الرقعة من العالم هي التي ستكون بداية نهايات عالمنا عبر إقحامه عنوة في حرب كونية نهاية، وان لم يكن هذا هو حديثنا في هذه السطور.

جل ما يهمنا هنا هو تقدير واستشراف الموقف، ومناقشة السيناريوهات المتعددة التي يمكن أن تطل علينا من نافذة الأحداث.
بداية يمكن القطع بأن كل الحروب التي شهدتها البشرية انتهت إلى مفاوضات أنهت زمن الحرب، وقادت الأمم والشعوب لاحقا إلى مسيرة مغايرة من التعايش، شريطة أن تكون مفاوضات عادلة ونزيهة تنهي الإشكاليات من جذورها، ولا تترك مجالا لإحياء الثارات التاريخية مرة جديدة، فقد كانت اتفاقية فرساي على سبيل المثال مجحفة في حق ألمانيا البروسية، الأمر الذي قاد إلى الحرب العالمية الثانية، تلك التي كبدت العالم اكثر من سبعين مليون قتيل وخسائر مالية تقدر بمليارات الدولارات وقتها.
الأزمة على الحدود السورية التركية قديمة، ومعقد بالفعل، ولهذا فإن الحلول الخاصة بها ليست يسيرة، فالجانب التركي تاريخيا له صراعاته العرقية مع الأكراد، ويرى أنهم ممثلين بنوع خاص في حزب العمال الكردستاني، أعداء إلى الأبد لتركيا، وها هو زعيمهم عبدالله أوجلان قابع منذ سنوات طوال في سجون تركيا، وبدون أمل في إنهاء النزاع بطريق سلمي.
وعلى الجانب الآخر نجد الأكراد يطالبون بأحقيتهم في دولة كردية تجمع شتاتهم في دولة وطنية موحدة تشمل حضورهم في العراق وسوريا وتركيا وإيران، عطفا على وجودهم في الشتات، وهذا أمر صعب للغاية لأنه يعني حتمية توافق إرادات تلك الدول دفعة واحدة، عطفا على وجود إرادة دولية راغبة في قيام مثل هذه الدولة وهو أيضا محل شك.
عقد المشهد على الأراضي الواقعة شمال شرق سوريا في الأعوام الأخيرة ما حل بسوريا نفسها من صراع أهلي دام سنوات طوال، ولا يزال بغير حل في المدى المنظور، وقد سعى المجتمع الدولي لإضفاء نوع من الحماية على الشمال السوري حيث الأكراد والعديد من الإثنيات والأديان التي هربت من جحيم الحرب هناك، الأمر الذي أعطى الإقليم الكردي فسحة في مواجهة تطورات المشهد في الداخل السوري.
على أن ظهور تنظيم داعش في المنطقة واستغلاله الصراع الدائر في سوريا، عقد من أبجديات القضية الكردية، ذلك أن الولايات المتحدة الأمريكية بنوع خاص والتحالف الدولي لقتال ذلك التنظيم الدموي الإرهابي بشكل عام رأوا في الأكراد قوة تحالف ماهرة جدا في مجابهة ومواجهة الدواعش، ومن هنا تفرع الدعم الأمريكي والأوروبي للأكراد في مسارين:
المسار السياسي وهذا وفر للأكراد قدرًا كبيرًا من الفاعلية والنفوذ تجاه الدولة السورية، بمعنى انه منع دخول قوات الدولة السورية إلى مناطق الأكراد، وعزز فكرة الإقليم الكردي بسيادته الذاتية.
المسار الثاني هو العسكري جوًا وبرًا، فقد وفر المجتمع الدولي حماية للإقليم منعت استخدام الطائرات السورية فيه، وتحليقها عبره، وعلى الأرض قامت واشنطن بتزويد المقاتلين الأكراد بأسلحة متقدمة ومتطورة لمواجهة الدواعش والقاعدة وبقية التنظيمات الإرهابية على الأرض.
نجح الأكراد في واقع الحال في معركتهم ضد الدواعش بشكل كبير، الأمر الذي تحدث به الجنرال الأمريكي «جوزيف فوتيل»، قائد القيادة المركزية الأمريكية الذي أحيل مؤخرًا إلى التقاعد، إذ اعتبر الرجل أن تخلي واشنطن عن الأكراد في مواجهة تركيا يعد عملا غير استراتيجي وغير أخلاقي، أما الاستراتيجي فسنأتي عليه لاحقا في سطور هذا المقال، فيما الأخلاقي فيتصل بما بذله الأكراد من الدم وقد وصل الى أحد عشر ألف ضحية في القتال، ما يعني أن الأكراد باتوا رقمًا صعبًا في المعادلة الدولية المكافحة للتطرف الأمر الذي أزعج الجانب التركي، والذي لا يزال يعتبر أن قوات سوريا الديمقراطية «قسد»، ليست إلا الوجه الآخر من العملة التي هي حزب العمال الكردستاني عينه، ذلك المقاوم للدولة التركية.
طوال الأشهر الثلاثة الماضية كان الحديث عن المفاوضات الأمريكية التركية من أجل شريط أو ممر آمن على الحدود بين تركيا وشمال شرق سوريا، غير انه من الواضح جدًا أن الاتفاق الثنائي بين الدولتين والمتمثل في الطلعات الجوية، والدوريات العسكرية على الحدود لم تلب الحد الأقصى من رغبة الأتراك في الخلاص من هذا الذي يرونه إزعاجا تركيا على الحدود، وفي حين كان الحديث عن ممر لا يزيد عمقه في الأراضي السورية عن ميلين أو ثلاثة أميال، بدأت تركيا تتحدث عن عمق أكثر بعدًا يصل إلى ثلاثين وربما خمس وثلاثين ميلا في عمق الأراضي السورية الأمر الذي يعتبر اعتداءً صارخًا على أراضي دولة عربية مستقلة من قبل دولة جارة ترتبط معها باتفاق «اضنه» الدولي الذي ينظم العلاقة بين البلدين، ناهيك عن أن العمل العسكري التركي الأخير يعد في عرف القانون الدولي اعتداء على دولة مستقلة، عضو في جامعة الدول العربية، من ناحية، ومن ناحية ثانية عضو في الأمم المتحدة، ما يعني الالتزام بالشرائع والقوانين الدولية التي تحرم وتجرم الاعتداء على أراضي الغير أو محاولة حيازتها بالقوة.
ماذا الآن وغدا؟ وقت كتابة هذه السطور كان نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس ووزير خارجيته مايك بومبيو قد وصلا إلى أنقرة، وعلى الرغم من أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كان قد أعلن في وقت سابق انه لن يقابل الوفد الأمريكي رفيع المستوى، إلا أنه عاد ثانية وأعلن عن انه سيلتقي الرجلان واللذان يحملان بالتأكيد رسالة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والتي تبين لنا مستقبل الأحداث ومسارات الوضع القادم.
نص الرسالة يكشف لنا عن أن ترامب يتطلع إلى صفقة جيدة مع الجانب التركي، فهو لا يريد أن يكون الرئيس أردوغان وبحسب عبارات الرسالة «مسؤولا عن ذبح الآلاف من الناس، وبالقدر عينه لا يريد ترامب أن يكون مسؤولًا عن تدمير الاقتصاد التركي»… هل هي رسالة تهديد ووعيد من الرئيس الأمريكي لأردوغان؟
يمكن أن تكون كذلك لا سيما وأن ساكن البيت الأبيض يذكر أردوغان بأنه سعى في ذلك الطريق حين اشتدت أزمة القس الأمريكي اندرو برانسون الذي اعتقلته تركيا بتهمة التجسس قبل بضعة أعوام، ولم يرفع العم سام قبضته الحديدية قبل أن يتم الإفراج عن الرجل.
الآن المشهد أكثر إيلامًا لا سيما وأن قوات «قسد» لا تمتلك مقدرة على مواجهة الدبابات والطائرات التركية، وبالتالي يسقط كل ساعة الكثير جدًا من الأبرياء، الأمر الذي ما بات يقبله المجتمع الدولي ولا العربي أو الأمريكي.
رسالة الرئيس ترامب تكشف لنا عن مشاورات ووساطات خلفية جارية، قد تنجح في وقف القتال، وربما مع ظهور هذه السطور للنور يكون العالم قد توصل إلى وقف لإطلاق النار وبداية جادة لاتفاق أممي يكفل لكافة الأطراف أن تعرف الراحة بعد التعب، والرخاء في أعقاب الشدة والعنت – وهو ما حصل مساء يوم الخميس بالفعل -.
الرئيس ترامب يخبر أردوغان بانه تلقى رسالة سرية من الجنرال مظلوم قائد قوات سوريا الديمقراطية، ويخبره فيها بانه جاهز لتقديم تنازلات لم يسبق له ان قدمها في الماضي، ولهذا يأمل ترامب من أردوغان ألا يخذل العالم لا سيما وأنه كما يخبره الرئيس الأمريكي انه عمل بجد لحل بعض مشاكله، ويحبب إليه وقف القتال بأنه من خلال تلك البوابة سينظر العالم إليه بطريقة صحيحة وإنسانية، أو العكس المؤلم إذا لم يقم بأشياء جيدة… والنهاية «لا تكن قاسيا ودع الحماقة جانبا»..
هل باتت الكرة إذن في ملعب الرئيس أردوغان وليس احد غيره؟
المتابع الجيد للأزمة يدرك أن العالم ماض قدما في اتخاذ إجراءات مقاطعة وفرض عقوبات وعزلة اقتصادية وسياسية وعسكرية شديدة جدا على الرئيس أردوغان وحكومته وعلى تركيا بشكل عام، ما يجعل الوضع الداخلي للأتراك سيء إلى درجة المؤلم وبصورة غير مسبوقة.
هنا يصبح أمام أردوغان ثلاثة مسارات:
أولا: المضي قدما في العملية العسكرية، وهو الذي صرح بان أحدا غير قادر على إيقاف هذه العملية، سواء من الشرق أو الغرب، قاصدا بلا شك الجانبين الروسي والأمريكي، لا سيما وانه فاقد الثقة من الأصل في الطرف الأوروبي ويحمل له مشاعر تتساوق ورفض الأوروبيين قبوله في الاتحاد الأوروبي.
ثانيا: السيناريو الثاني للأزمة التركية الكردية – السورية، موصول بتحول المعركة إلى صراع مسلح ومفتوح بين الجيش العربي السوري، وبين الجيش التركي، ذلك أن الجانب الكردي قد فضل دخول القوات السورية النظامية على مناطق الشمال الشرقي، عوضا عن التعرض للإبادة كما يقول قادة الأكراد، ومن هنا يمكن أن تصبح المواجهة أوسع واخطر، وتتحول إلى حرب بين الجانبين تمتد تأثيراتها السلبية إلى بقية المنطقة وبخاصة في ظل أطراف دولية مختلفة على رقعة سوريا جغرافيا.
ثالثا: أن تتوصل الأطراف السورية الكردية والتركية إلى اتفاق شامل جامع مانع يصون السلام والأمن للجميع، وهذا معناه أن تتوقف العملية العسكرية التركية في أقرب وقت.
غير أن بلوغ هذه الغاية شأن صعب جدا فهناك إرادات دولية متعارضة في المنطقة، عطفا على أن الرئيس التركي يخشى أن يكون الانسحاب من دون تحقيق الأغراض التي أعلن عنها، أداة في يد خصومه من أتراك الداخل السياسيين للتأثير على مستقبله السياسي.
لا تزال الصورة المستقبلية غامضة، والحاجة إلى مبادرة دولية أممية مطلوبة وفي عجالة، ذلك انه عندما تسيل الدماء تتعذر المصالحة.