جرة قلم: من السّبلة إلى المقهى..

محمود الرحبي –

كانت «سبلة» القرية، التي تكون عادة خارج البيوت أو حولها، همزةَ وصل بين الأسر، بعضها ببعض أو بينها وبين من يفِد عليها من خارج المحيط. لذلك كانت تعدّ ساحة مفتوحة لتبادل الأخبار والاستراحة والقراءة. وعادة ما تكون هذه «السّبلات أو السبل» مزودة بالكتب والدفاتر التي تحتوي على أشعار متفرّقة تجد بينها، في الأغلب، نونية أبي مسلم البهلاني، إلى جانب أشعار كبار شعراء العصر العباسي كالمتنبي وأبي تمام.
في وقتنا الحالي، حلّت المقاهي العامة محل «سبلات» القرى. والمقهى يكون، في العادة، ذا طابع مدني، مزود بكراسٍ وإنترنت ولا يتعارف مرتادوه بالضرورة إلا إذا كانوا قد ضربوا لبعضهم البعض مواعيد مسبقة فيه. فهناك من يجلس وأمامه كتاب يقرأه أو جهاز حاسوب يتصفحه وهناك من يجلس مع رفيق يتبادل معه حديثا -يكون خافتًا في الغالب- لا يتجاوز دائرة الطاولة التي يجلسان حولها. في كثير من البلدان العربية التي زرتُ أو أقمت فيها يشكل المقهى بيتا ثانيا للرّجال، وأتذكر هنا المغرب وتونس. فثقافة المقاهي تشكل أساسا من أساسيات بناء العمران، فلا يمكن مثلا أن تجد حيا شعبيا لا يوجد فيه عشرات المقاهي، وهي جميعها غاصّة بالمرتادين، خاصة في أوقات مباريات كرة القدم. وإذا تقدّمتَ جهة الشوارع الرئيسية في المدن فإن المقاهي تأخذ طابعا مختلفا، كأنْ تكون مزودة ببعض الصّحف وتكون لبعضها مكتبات يؤمّها، في الغالب، الموظفون وطلبة الجامعات، خاصة قبل الامتحانات. وفي هذا السياق أتذكر مقهى «نجمة الشمال» في تونس العاصمة -غير بعيد عن محطة برشلونة- والذي كان مالكه يحرص على أن تكون هناك فقرات ترفيهية، كان يأتي بحكّاء يسرد القصص القديمة واقفًا؛ وبذلك يعيدنا إلى زمن الحكواتيين الذين يُمَسرحون الحياة.. فتتحول العصي في أيديهم إلى حصان تارة وإلى حمار تارة وإلى سيف بتّار تارة أخرى، حسب الدور والغرض. كما كان، أحيانا، يأتي بعازف على آلة العود يعيدنا، بدوره، إلى الزمن الأصيل، زمن عبد الوهاب وفريد وأم كلثوم..

■ ■ ■ ■

كنت جالساً في المقهى أقرأ. وبسبب استيقاظي في الصباح المبكر، انتابتني غفوة عابرة، ولكني استطعت أن أرى فيها عبدالرحمن بدوي وهو يتحدّث في مسرح فارغ من الجماهير. ظهرتْ، في البداية، صورته معلقة وسط الركح، ثم استحال جسده -سريعا وبقدرة قادر- إلى قحفة أو صندوق حديدي صغير بحجم «ترموس» القهوة، آلة حديدية ذات ملامح بشرية. كانت الآلة تتحدث بغمغمات غير جلية المعنى. ولكني استطعت، رغم ذلك، أن أسأله وهو يختفي في الضباب: كيف استطعتَ أن تؤلّف وحدك أكثر من مائتي كتاب؟! كان هذا في الحقيقة ثلث السؤال فقط الذي لم يكتمل، إذ اختفى عبد الرحمن بدوي سريعا وترك فضاء المسرح فارغا. الثلث الثاني للسؤال هو أن المائتي كتاب ونيف التي ألّف بالعربية لم تشمل كتبًا أخرى ألّفها بالألمانية والفرنسية والإيطالية؛ فبدوي، إلى جانب غزارته في تأليف الكتب، التي تشمل الأدب والتاريخ والتحقيق والفلسفة والأديان والمنطق، ناهيك عن سيرة ذاتية هائلة تربو على الثمانمائة صفحة، امتلك قدرة على تعلم تسع لغات أتقنها إلى درجة تأليف كتب في بعضها. القسم الثالث من السؤال، الذي هو في حقيقته ثلاثة أسئلة بنفَس واحد وعلامة استفهام واحدة في النهاية، لم يكن عن عبد الرحمن بدوي وإنما كان عن أبيه.. هذا الأب خلّف واحدًا وعشرين ولدًا وبنتا كان عبدالرحمن الخامس عشر بينهم. ولكنْ قبل أن يأتي دور عبد الرحمن في الولادة تعرّض الأب لمحاولة اغتيال، تعافى منها بأعجوبة. ولو كان مات -لا قدّر الله- ما كانت سلالة بيت آل بدوي لتتأثر كثيرا، ولكنْ كان سيختفي في ظهر الغيب رصيدٌ هائل من الكتب.