الساعة السكانية.. جس نبض لتوجهات التنمية

أحمد بن سالم الفلاحي –

إن العوامل المؤثرة في التركيب العمري للعمانيين «كما ورد أعلاه» حسب دراسة سوسن اللواتية، يجب أن تؤخذ بالكثير من الاهتمام من قبل الجهات المعنية بسوق العمل وتوظيف الشباب ، بالإضافة إلى الجهات الأخرى المعنية باستيعاب هذه الطاقات الشابة المقبلة على الحياة العمانية، سواء بتعزيز البنى الأساسية، أو إيجاد الوسائل لتفريغ الطاقات، وصولا إلى تحقيق أمن مجتمعي متوازن.

تشير الساعة السكانية للمركز الوطني للإحصاء والمعلومات إلى أن هناك حراكا ديموغرافيا متسارعا يعيشه المجتمع العماني، وهذا التسارع يجس نبض الكثير من العناوين العريضة التي تعنى بها التنمية، سواء من حيث الكثافة السكانية، أو النمو، أو التوزيع النسبي لعدد السكان، أو الكثافة النوعية (ذكر/‏‏‏ أنثى) وهذه المؤشرات كلها تضع صاحب القرار على قدر كبير من الاهتمام، والمتابعة، والرصد، والتدقيق، ووضع الخطط والبرامج، الكفيلة بإيجاد نوع من التوازن ما بين الدخل والإنفاق من ناحية، وما بين مراعاة العوامل الداعمة لهذا التوازن، والتي تشكلها الجوانب الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، وأمن المجتمع من ناحية ثانية، وربط ذلك كله بمختلف السيناريوهات المستقبلية المؤثرة على هذه الجوانب كلها، ومدى الاستعداد لذلك، من خلال تأسيس قاعدة متينة من المعلومات، والخطط، والبرامج، قادرة على استيعاب مختلف التطورات المستقبلية، وعدم وجود أي خلل من شأنه أن يربك المنظومة برمتها، أو يحدث خللا في أي جزء من جزئياتها، وأركانها.
ولذلك تشكل القضايا السكانية اهتماما غير عادي في أي تجربة تنموية، ويؤخذ أي تطور فيها مأخذ الجد، والسرعة الفائقة لدراسة أسباب هذا التطور، سواء أكان تطورا إيجابيا، أو تطورا سلبيا، لأنه في كلا الحالتين هناك عوامل مستجدة أثرت، وبالتالي يجب معرفتها والعمل على تعزيزها في تطورها الإيجابي، والحد منها أو تخفيض تأثيرها في حالة تطورها السلبي، وبالتالي متى استطاعت أي تجربة تنموية أن تكون عند هذا المستوى من الاهتمام بقضاياها السكانية، استطاعت في الوقت نفسه أن تحتوي كل التطورات المتعلقة بها، وأن تقضي على أي مشكلة من شأنها أن تضيف عبئا تنمويا، وليس ذلك فقط، بل تكون لها القدرة على وضع الخطط والبرامج القادرة على وضع أرضية صلبة من تمكين أبناء المجتمع على معرفة قضاياهم، ومشاكلهم، واستعدادهم على المشاركة مع جهود الحكومة للحد من تأثيرها على المدى البعيد.
ومن خلال هذه المناقشة أقف على ثلاثة مؤشرات مهمة، لأبين للقارئ الكريم حيثيات الحالة السكانية في سلطنتنا الحبيبة، وذلك من خلال تتبع مؤشرات الساعة السكانية للمركز الوطني للإحصاء والمعلومات، وهي مؤشرات على قدر كبير من الأهمية، وجزم أن الجهات المعنية تتابع هذه المؤشرات، وتأخذ بنتائجها مأخذ الجد، وهذا ما هو متوقع، ومأمول، فالمؤشر الأول، والذي نشرته جريدة عمان في 12/‏‏‏6/‏‏‏2019م ، حسب النص التالي: «كشفت الساعة السكانية للمركز الوطني للإحصاء والمعلومات انخفاض عدد الوافدين إلى مليون و995 ألفا و461 نسمة ليشكلوا بذلك (42.9%) من إجمالي عدد السكان في حين ارتفعت نسبة العمانيين إلى أكثر من (57%) لتصل إلى مليونين و651 ألفا و190 نسمة حتى تاريخ 11/‏‏‏6 من هذا العام، ليبلغ بذلك إجمالي عدد سكان السلطنة (4.6) مليون نسمة». جاء ذلك وفق إصدار المركز الوطني للإحصاء والمعلومات الثامن لنشر إحصاءات السكان في 2019م.
أما المؤشر الثاني والذي حصلت عليه عن طريق المركز بصورة مباشرة، وذلك بتاريخ الأربعاء 16/‏‏‏10/‏‏‏2019م، فهو حسب تحليل «الأنفوجراف» المرسل، تبين الساعة السكانية أن : «عدد الوافدين بلغ مليونا و998 ألفا و818 نسمة ليشكلوا بذلك (42.7%) من إجمالي عدد السكان في حين بلغت نسبة العمانيين أكثر من (57.3%) لتصل إلى مليونين و677 ألفا و051 نسمة، ليبلغ بذلك إجمالي عدد سكان السلطنة (4.675.869) مليون نسمة» وعند إجراء مقارنة في الفترة ما بين 12/‏‏‏6 إلى 16/‏‏‏10 من العام الحالي، أي أربعة أشهر نجد أن الزيادة تصل الى (25.861) ألف نسمة، وهذا الرقم، بلا شك له استحقاقاته الكبيرة من التنمية.
أما المؤشر الثالث، فقد نظمت جامعة السلطان قابوس يومي الاثنين والثلاثاء (14-15/‏‏‏10/‏‏‏2019م) المؤتمر الدولي «السكان والتنمية المستدامة في سلطنة عمان» والذي طرحت فيه (29) ورقة بحثية علمية تناولت مختلف القضايا المتعلقة بالسكان والتنمية المستدامة، وكان من ضمن المتحدثين سوسن بنت داود اللواتية المديرة العامة للمعلومات بالمركز الوطني للإحصاء والتي أوضحت من خلال كلمتها أن «معدل النمو السكاني في السلطنة يبلغ (0.4%) وقالت: «إن أبرز ملامح الوضع السكاني في السلطنة، تتمثل في نسبة العمانيين من سكان السلطنة التي تمثل (57.50%) مقارنة بـ (42.50%) وافدين، في منتصف عام 2019م» كما استعرضت العوامل المؤثرة في التركيب العمري للعمانيين (2011 – 2018) وهي:

«ارتفاع العمر المتوقع عند الميلاد.
انخفاض معدل وفيات الأطفال الرضع.
انخفاض معدل وفيات الأطفال دون سن الخامسة.
ارتفاع معدل الخصوبة الكلية.
ارتفاع عدد النساء في سن الإنجاب لتدفق الأفواج التي ولدت في تسعينيات القرن الماضي.
وبالنسبة لسوق العمل لعام 2016م أضافت -: «إن نسبة (38.9%) من العمانيين مشتغلين بواقع (61%) ذكرا و (16%) أنثى».
وفي الوقت نفسه، أكد الدكتور أحمد بن حمد الربعاني مدير مركز الدراسات العمانية ورئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر: «إن معالجة القضايا السكانية يتطلب إدراكا حقيقيا لتبعات كل قضية، فعلى سبيل المثال يؤدي ارتفاع أعداد الباحثين عن عمل إلى تأخر سن الزواج وبالتالي ارتفاع نسبة العنوسة، مما يؤدي إلى انخفاض أداء المواليد الذي يؤثر على شكل الهرم السكاني، مما ينتج عنه انخفاض أعداد القوى العاملة على المدى البعيد» هذا في جانبه الاجتماعي، وقد تطرق الربعاني إلى أهمية القضية السكانية في الجوانب الاقتصادية، والأمنية، وأمن المجتمع. – حسب – جريدة عمان؛ الثلاثاء 15/‏‏‏10/‏‏‏2019م، العدد (14014).
إن نسبة (42.7%) التي يشكلها الوافدون من جملة عدد السكان تظل نسبة مقلقة لصاحب القرار، في ظل وجود عدد كبير من أبناء البلد لا يزالون باحثين عن عمل، وأن نسبة (38.9%) من العمانيين المشتغلين، تظل نسبة متواضعة، ولا أتصور أن هذه النسبة قد ارتفعت كثيرا في الفترة من عام 2016م؛ حسب بحث سوسن اللواتية، حتى هذا العام 2019م، أن مجموع الباحثين عن عمل وجلهم من الشباب المؤهلين والخريجين في مختلف التخصصات العلمية والإنسانية، فوق ما يشكله هذا الرقم من ضغوط مجتمعية، تجد في طلب أحقيتها المسوّغ الكبير، في ظل وجود مليوني وافد، يشكلون في نسبتهم الأعلى قوى عاملة، بخلاف عدد المواطنين الذين فيهم المسن، والطفل، وطلاب المدارس والجامعات من النوعين، وهذا كله يذهب إلى ضرورة العمل الجاد، في وضع الخطط، والبرامج الذاهبة إلى أمرين مهمين؛ الأول: هو الاستيعاب التدريجي لمجموع الخريجين؛ والذين يزدادون عددا كل عام، والثاني، هو الإحلال التدريجي أيضا لخلخلة هذا التكتل المتآزر لمجموع القوى العاملة الوافدة، وذلك من خلال وضع شروط تلزم المستثمر باستيعاب الشباب العماني يؤدي في نهاية المطاف إلى تحقيق هذا الإحلال.
إن العوامل المؤثرة في التركيب العمري للعمانيين «كما ورد أعلاه» حسب دراسة سوسن اللواتية، يجب أن تؤخذ بالكثير من الاهتمام من قبل الجهات المعنية بسوق العمل وتوظيف الشباب العماني، بالإضافة إلى الجهات الأخرى المعنية باستيعاب هذه الطاقات الشابة المقبلة على الحياة العمانية، سواء بتعزيز البنى الأساسية، أو إيجاد الوسائل لتفريغ الطاقات، وصولا إلى تحقيق أمن مجتمعي متوازن، ووعي مجتمعي قادر على استيعاب متطلبات الحاضر، وقادر في الوقت نفسه على استشراف أفق المستقبل، وما يحمله من تحديات سوف تفرض نفسها على واقع الناس.
تأتي «الساعة السكانية» لتوقظ فينا حالات السكون التي عادة ما تغيبنا عن الواقع، وذلك من خلال هذه الأرقام الصادمة؛ في بعض الأحيان؛ وبالتالي فهذه الساعة الزمنية تجس نبض استعداداتنا المختلفة، لكل ما يحيط بنا، وإذا كانت القضية السكانية لا تزال هي الشغل الشاغل للحكومات في كل بقاع العالم، فإن الأولى بنا أن لا نكون بعيدين عن هذا الاهتمام، ونحن نخطط، ونضع البرامج التنموية لمختلف المجالات، فالقضية السكانية هي الحاضنة لكل الجهود الإنسانية، ولا يزال الوصول إلى حلول جذرية لمختلف إشكالياتها الجانبية، هي الغاية المنشودة من كل هذه الجهود.