مرئيات لمستقبل الابتكار في السلطنة

ليس من دليل أوضح من معطيات الأرقام للدلالة على أن المستقبل في الاقتصاديات المقبلة يقوم على تعزيز بنى الابتكار، ولعل تهيئة الأرضية في هذا الإطار هو هاجس من هواجس الاستراتيجيات في السلطنة، والأوضح في هذا المسار أن الرؤية المستقبلية «عمان 2040» تضع من ضمن الأهداف أن تصبح عمان من الدول المتقدمة في مجال الابتكار على مستوى العالم، وهو أمل يمكن تحقيقه عبر التطلعات التي يرافقها العمل لأجل هذا الهدف.
تشير الأرقام بشكل عام بأن قارة آسيا باتت تحتل مكانة متقدمة في مستوى الابتكار عالميا في السنين الأخيرة، بل باتت تنافس أوروبا والغرب الأمريكي، وهذه نقطة يمكن الانطلاق منها لتعضيد موقف السلطنة باعتبار القرب الجغرافي والعوامل الأخرى من التكامل والتعاون الاستراتيجي مع دول آسيوية كالصين لها باع في هذا الإطار.
في الأسبوع الماضي أعلنت المنظمة العالمية للملكية الفكرية (ويبو) التابعة للأمم المتحدة، أن ثلثي طلبات براءات الاختراع والعلامات التجارية والتصاميم الصناعية جاءت من آسيا خلال العام الماضي، متجاوزة بذلك مناطق العالم الأخرى في مجال تطوير التكنولوجيا، وأفادت المنظمة بأن نصف طلبات براءات الاختراع العالمية البالغ عددها 3.3 مليون طلب، جاءت من الصين خلال عام 2018.
هذه الأرقام يجب أن ننظر إليها في إطار معطيات قراءة الخرائط الجيوسياسة للوجود الآسيوي في العالم المعاصر، خاصة أن السلطنة تستفيد الآن من تجارب كالصين واليابان وكوريا وغيرها في البنى الأساسية كما في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم، ما يعني إمكانية الاستفادة من هذا المسار العام في ظل الاستراتيجيات المنشودة والمخطط لها سلفا.
ولا يحتاج أحد إلى التذكير بالجهود التي تبذلها الجهات المختصة في الدولة وعبر كافة القطاعات والمؤسسات في رسم الأفق المستقبلي الأفضل لبنى الابتكار وقواعده الأكثر رسوخا، عبر إيجاد الأساس المتين لسياسات الملكية الفكرية وعلاقة ذلك بالتكنولوجيا ونقلها وتبادلها عبر الدول، كذلك عمليات إدارة هذه المسائل، وما تقوم به المؤسسات الأكاديمية والبحثية، وهو في نهاية المطاف عمل تشاركي وكبير لا ينهض إلا عبر اليد الكلية والمشاركة الجمعية بين المجتمع.
كما أن حفز الابتكار ليكون في صميم أدوات التربية والتعليم والمناهج هو خط مركزي لا يمكن أن تتم المرئيات المنشودة دونه، لهذا فإن بنى التعليم يجب أن تتنقل لهذا الحيز من تحريك الأفق إلى مسائل المعرفة الجديدة التي تتقاطع مع رؤى الابتكار والذكاء الاصطناعي ومعطيات الثورة الصناعية الرابعة وغيرها من هذه التوقعات اللانهائية التي يطل بها العالم اليوم، في تسارع رهيب لا يمكن التنبؤ به أو السيطرة عليه، ما يحتم المواكبة السريعة والممنهجة في الوقت ذاته.
تبقى عملية بناء منظومة متكاملة للابتكار بالسلطنة عبر كافة الجهود بالاستناد إلى التخطيط المصحوب بالبحث العلمي وغيرها من الأدوات العصرية، كل ذلك يعني أولوية في مسار مستقبلي أصبح فرضا وواجبا في هذا العصر، ولا بد أن النتائج سوف تكون طيبة بإذن الله، مع تكاتف العمل بيد واحدة لأجل المستقبل المشرق.