مؤشرات على الفصل الأخير للأزمة السورية

د. عبد العاطي محمد –

بدخول القوات التركية شمال سوريا فيما أسمته أنقرة عملية «نبع السلام»، تبدأ ملامح تشكيل الفصل الأخير في الأزمة السورية الذي يبدو وفقا لمسار الفعل ورد الفعل من كل الأطراف المعنية يتجه إلى الاعتراف بنظام بشار الأسد مقابل إقامة دولة شريطية في شمال شرق سوريا كمنطقة عازلة أو آمنة بينها وبين تركيا.
وإذا ما قدر النجاح للحملة التركية هذه المرة قياسا على الفشل في عمليتي «غصن الزيتون» و«درع الفرات»، فإنها تفتح الباب لتسوية دولية نهائية للأزمة السورية، الفاعلون الرئيسيون فيها هم الولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا والاتحاد الأوروبي، يضاف إليهم لأول مرة العرب المعنيون بالأزمة، ومن بينهم الدولة السورية ذاتها بالنظام الذي كان متوقعا إسقاطه.
لقد هزت أنباء الحملة التركية أرجاء العالم من اللحظة الأولى لأنها بالقطع أشارت إلى أن شيئا جللا في الطريق من شأنه أن يرفع درجات السخونة في الأزمة السورية لأقصى مدى ويحرفها عن الطريق الذي عملت فيه كل الأطراف وهو التوصل إلى حل سلمي عبر وساطة الأمم المتحدة متوازيا مع جهود الوسيط الروسي (جنيف والأستانة). ولكن حقيقة الأمر لم يكن هناك مبرر لهذا الجزع الدولي وكأن العملية في ذاتها لم تكن معروفة سلفا للجميع، وكانت تنتظر التنفيذ في أية لحظة وفقا للوقت الذي يأذن فيه الرئيس دونالد ترامب. ووفقا لتسلسل الأحداث قبيل اندلاع الحملة العسكرية التركية الجديدة الموسعة بقليل من الأيام بل والساعات، كان موضوعها في قمة اتصالات أنقرة وواشنطن، وعلى مائدة الاجتماعات التي عقدت على مستوى عال وضمت روسيا وإيران وتركيا سواء كلهم معا أو بشكل ثنائي. ولو تحجج البعض بأن أنباء الاستعداد للحملة لم تظهر بوضوح من خلال هذا الزخم من التحركات السياسية بين هذه الأطراف، فإن ما لا يعقله أي متخصص بسيط في التحليل السياسي هو أن الموضوع كان مستبعدا أو ليس واردا في الخواطر، بل الأرجح من قراءة الموقف السياسي التركي في الشهور الأخيرة هو أن أنقرة فاتحت كل هؤلاء فيما تعتزم القيام به، والأرجح أنها وجدت تفهما لمطلبها إن لم تكن قد وجدت تأييدا بالفعل، وأنهم جميعا وضعوا شروطا أو تحفظات لا أكثر، واتفقوا على أن يكون الموضوع وتداعياته محل متابعة وتنسيق مستمرين. يعلم الجميع أن الرئيس ترامب كان قد وعد ناخبيه بإخراج قواته من سوريا حيث لا يريدها أن تحارب في حرب بلا نهاية على حد تعبيره. وعندما تم القضاء على تنظيم «داعش» منذ نحو عامين حسم الرئيس الأمريكي الأمر بتأكيده أن قواته حققت الهدف من وجودها في سوريا والعراق بهزيمة التنظيم، وعليه لا مبرر للبقاء. وبالفعل طلب الرجل سحب قواته (حوالي 2000 جندي) ولكنه اصطدم بمعارضة البنتاجون وبعض مستشاريه على أساس أنه لم يتم القضاء تماما على التنظيم وخطره قائم بالعودة مرة أخرى، فتأخر قرار سحب القوات بضعة أشهر. ولكن المهمة، أي إقامة منطقة عازلة أو آمنة قد تجدد الحديث فيها بجدية بين أنقرة وواشنطن في أغسطس الماضي، خصوصا مع تعثر إقامتها في إدلب (الشمال الغربي) بسبب دعم روسيا لنظام الأسد وفشل تركيا في كسب المهمة هناك. وفي خلال تلك الشهور لم تتوقف الاتصالات بين أنقرة وكل من إيران وروسيا للبحث في تطورات الملف السوري وعلى رأسه مستقبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في الشمال الشرقي. وقبل أن يصدر الرئيس التركي أردوغان تعليماته ببدء التدخل العسكري في الشمال الشرقي السوري بساعات كان هو الطالب على الخط الهاتفي بينما الرئيس ترامب هو المتلقي حيث ضغط الأول على الثاني بأنه عازم الآن وليس غدا على التدخل، بينما أعاد ترامب تأكيداته بأنه يريد سحب قواته دون انتظار، وتحت إلحاح أردوغان ما كان من ترامب إلا الإذعان. وذلك بمقتضى أن الموضوع برمته ليس وليد اللحظة ومطروح بين الجانبين من مدة كافية. لقد أعطاه ردا يحتمل تأويلين وهو أن اهتمامه الآن منصب على ألا تتعرض بقية قواته هناك للضرر وألا تحدث خسائر في المدنيين أكرادا كانوا أو عربا أو تركمانيين أو سريانيين. وفهم أردوغان الرسالة بأن واشنطن لن تمنعه من القيام بالمهمة الآن. ومما ساعد في تسهيل المهمة أن ترامب العازم على خوض انتخابات الرئاسة 2020 يعلم إيجابية تأثير قراره بالانسحاب على الناخب الأمريكي الذي يؤيد تماما عدم الزج بأبنائه في حروب لا تنتهي، هذا فضلا عن أن غض الطرف عن العملية التركية من شأنه أن يبعد اتجاه البوصلة داخل الرأي العام والإعلام الأمريكيين من التركيز على الحملة التي يقودها الديمقراطيون لعزل ترامب ويوجهها إلى الشأن السوري!
ردود الفعل التي صدرت عن روسيا وإيران المعنيتين بشكل واضح بتطورات الملف السوري رفضت هذا التدخل وحذرتا أنقرة من العواقب، ولكن جاء رفضا مبدئيا وأخلاقيا بالدرجة الأولى متطابقا من حيث الشكل مع معظم ردود الفعل العالمية التي أدانت العملية. ولكن- على عكس المفترض- لم يحدث أن سارع كل منهما مثلا إلى عقد لقاءات قمة ثنائية، أو ثلاثية سريعة مع تركيا لاستدراك الموقف ووقف المهمة. قطعا كانا يعلمان، ولم يشأ أردوغان أن يحرج أي منهما بالتواصل معه عشية بدء الهجوم، ولكنه يدرك تماما أن هناك مصالح ورؤى مشتركة مع كل منهما تجعلهما لا تفسدان الخطة.
ولو نظرنا إلى مجلس الأمن لوجدنا أنه لم يستطع أن يتخذ موقفا يوقف العملية أو يضع أنقرة في مرمى العقوبات الدولية أيا كانت طبيعتها، وكان ملفتا أن كلا من روسيا والولايات المتحدة وقفتا ضد مشروع القرار، بما يعني أن كلا منهما له وجهة نظر يدخرها للبناء عليها مستقبلا على ضوء حجم النجاح الذي يمكن أن تحققه القوات التركية. وهكذا واقعيا يمكن القول إن المجتمع الدولي اكتفى بالتعبير عن رفض أو إدانة ما جرى من منطلق رفض غزو دولة لأراضي دولة أخرى باستخدام القوة المسلحة لتحقيق مكاسب سياسية، ولكن دون أن يتخذ إجراء عمليا لمنع المهمة التركية، بالإضافة إلى أن تركيا قالت في تبرير الحملة أنها تستخدم حقا مشروعا هو حماية أمنها القومي من تهديد قوات سوريا الديمقراطية أبرز قوات حماية الشعب الكردي المتعاونة مع حزب العمال الكردستاني الذي يصنف إرهابيا، وأنها لا تستهدف تقسيم سوريا بل هي مع وحدة التراب السوري!. ولأن هناك لغطا سياسيا في المقصود بكل منهما، من الطبيعي ألا تجتمع إرادة المجتمع الدولي على موقف واضح صارم ضد أنقرة.
ما الذي يدعونا إلى القول إن ما جرى من أهم المؤشرات على تشكيل الفصل الأخير في الأزمة السورية؟
هناك أكثر من مؤشر، فمن الناحية العملية تستطيع القوات التركية أن تغير الوضع لصالحها على الأرض في مساحة تمتد لنحو 480 كيلومترا طولا وبعرض 30 كيلومترا (أو أكثر حسب تقدم القوات). كانت القوات الأمريكية تمنع ذلك في السابق وها هي تنسحب وتترك مواقعها لهذه القوات، وكانت هي التي تقدم الدعم القوي لقوات سوريا الديمقراطية وها هي تتخلى عنها مما جعل الأخيرة تصف الموقف الأمريكي بالخيانة!
عسكريا المسرح مفتوح بسهولة لتركيا التي فطنت هذه المرة لتجنب أخطاء العمليتين السابقتين «غصن الزيتون» و«درع الفرات»، وذلك بالإسراع في التنفيذ وليس التباطؤ كما كان الحال في السابق، والتدخل بقوات كبيرة جدا، وإتمام المهمة في غضون أسابيع على أقصى تقدير، وعلى مراحل لتبنى على نجاح كل مرحلة، هذا فضلا عن تحييد الموقف الدولي تقريبا، مع وجود مؤشرات على أن هناك من أبناء هذه المنطقة الفسيحة من يرحبون بالغزو التركي بالنظر إلى العداوات القديمة القائمة على الاختلافات العرقية والمذهبية.
ومن جهة أخرى هناك مؤشرات على أن تركيا لا تريد فقط تحقيق أهداف عسكرية إستراتيجية من العملية، وإنما ما لا يقل أهمية عن ذلك هو إقامة المنطقة الآمنة السابق الإشارة إليها وتحويلها إلى «دولة شريطية»، لا تقف فقط عند شرق الفرات وإنما تمتد بطول الحدود السورية التركية، ولذلك فإنها تقحم قوات ممن ينتمون لما يسمى بالجيش الوطني (دربتهم وتزودهم بالسلاح) وهم من العرب السوريين، تقحمهم في مهمة إقامة هذه «الدولة الشريطية». كما أنها عازمة – وفقا لما هو معلن رسميا – على إعادة نحو مليون سوري من جملة 3.5 مليون لجأوا إليها بعد الحرب، إلى هذه الدولة المفترضة سيحلون محل الآلاف ممن فروا من الهجوم التركي، وذلك في إطار تغيير الطابع السكاني للمنطقة. ومن جهة ثالثة فإن الأمر الواقع الذي يجري تشكيله بعزيمة من جانب تركيا عبر عملية «نبع السلام» له مساوئه بكل تأكيد، ولكن على ما يبدو أن أنقرة تتحسب لهذا فعلا، بل وتتمنى وقوعه! لأنه يعمل في رسم المشهد الأخير للأزمة السورية. لن تسكت قوات سوريا الديمقراطية على هذا المشروع لأنه يقضي على حلم الدولة الكردية، أو بالحصول على الحكم الذاتي فقط، ولذلك سنكون أمام مشهد جديد لدماء الحرب. وليس ببعيد أن يعاود حزب العمال الكردستاني نشاطه بقوة داخل العمق التركي. ومن المتوقع أن تحتدم الصراعات العرقية بين أبناء الشمال سواء بين أكراد سوريا وعربها، أو حتى بين الأكراد والتركمان. وستجد تركيا نفسها مسؤولة عن عودة «داعش» مجددا الأمر الذي لن تقبله الولايات المتحدة باعتباره انتكاسة كبرى لانتصارها على التنظيم. وأنقرة لا تريد أن تقع في مثل هذا الفخ الملغوم، ولذلك فإنه كلما ازداد الوضع سوءا ظهرت الحاجة بشكل أقوى لأن يجلس الفاعلون المعنيون على مائدة واحدة هذه المرة. وليس من المستبعد أن يكون بينهم العرب وفي الوسط منهم الدولة السورية بقيادة الأسد!، فالكل سيحتاج إلى البعض ليضعوا اللمسات الأخيرة لحل طال انتظاره، حل يقبله الجميع حتى لو جاء مرا!.