عمان ترصد مسيرة تطور العمل العسكري المشترك لدول مجلس التعاون الخليجي

حرص سامٍ على تعزيز مفردات العمل العسكري ورفع القدرات الذاتية والتنسيق الموحد –
تقرير : خالد بن راشد العدوي –

أولت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية منذ تأسيس منظومة مجلس التعاون في عام 1981م اهتماما كبيرا بتطوير مفردات العمل العسكري المشترك، تحت مظلة «قوة درع الجزيرة»، بدعم واهتمام كبيرين من أصحاب الجلالة والسمو قادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية منذ بداية المسيرة المباركة للمجلس. وعُقد أول اجتماع لرؤساء أركان القوات المسلحة بدول المجلس في مدينة الرياض في عام 1981م، لبحث مجالات التعـاون العسكري، ومن خلاله تم الاتفاق على عدد من القرارات التي تعزز سبل التعاون العسكري بين القوات المسلحة بدول المجلس. وقد أفرزت قرارات مجلس وزراء الدفاع بدول المجلس على مدار العقود الأربعة الأخيرة من مسيرة عمل المجلس العديد من المكتسبات والإنجازات في المجال العسكري الخليجي، ولعل أبرز تلك المنجزات في العمل العسكري الخليجي المشترك هي «قوات درع الجزيرة».

تطوير قوة درع الجزيرة

وفي عام 2006م وخلال القمة الخليجية السادسة والعشرين التي عقدت في العاصمة السعودية «الرياض»، بارك المجلس الأعلى لأصحاب الجلالة والسمو قادة وزعماء دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية مقترح خادم الحرمين الشريفين المغفور له بإذن الله تعالى الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود بشأن تطوير قوة درع الجزيرة، والمصادقة عليه من خلال تطوير القوة القتالية وعمل العديد من المشاريع العسكرية والتمارين الدورية المشتركة بين دول الأعضاء.
وقد تمت إحالة المقترح إلى مجلس الدفاع المشترك لوضع الآليات والتنظيمات التفصيلية ورفع دراسة متكاملة حوله، وعقد على إثر هذا المقترح العديد من اجتماعات اللجان المختصة لتفعيله. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، ففي عام 2008م وخلال اللقاء التشاوري العاشر في القمة الخليجية التي عقدت في مدينة (الدمام) وجه المجلس الأعلى بضرورة تحديث قوات درع الجزيرة، والاستمرار في تطويرها بما يتواكب مع تطورات العصر، ويتلاءم مع التهديدات والتحديات التي تعترض المنطقة، وعلى إثر ذلك تم تعزيز «قوات درع الجزيرة» بمجموعة جديدة من الإمكانات والقدرات منها «قوة التدخل السريع» بحجم لواء وتخصيص إسناد جوي وبحري، كما تمت في العام نفسه إعادة تمركز قوات درع الجزيرة في أماكنها الأصلية بدولهم.

التمارين المشتركة

وقد حرصت دول مجلس التعاون الخليجي منذ بدء مسيرة العمل العسكري المشترك على تعزيز مبدأ التعاون العسكري وتبادل الخبرات العسكرية والقتالية من خلال التمارين المشتركة بين الدول الأعضاء، بغية التجانس والتوافق في أسلوب عمل القوات المسلحة بدول المجلس في مختلف العمليات العسكرية، وقد تم تنفيذ العديد من التمارين المشتركة حتى الآن بصورة دورية ووفقـاً لبرامج زمنية محددة، تم خلالها تدريب وتأهيل وصقل مهارات وخطط القوات البرية، والجوية، والدفاع الجوي، والبحري، ووحدات الخدمات الطبية، بالتعاون مع القوات المسلحة في الدول الأعضاء.
المشاركات العسكرية
وعلى صعيد المشاركات العسكرية لقوات درع الجزيرة، فقد شاركت دول مجلس التعاون في عدة عمليات ميدانية، ونجحت في تحقيق العديد من الأهداف التي وضعت لها ومنها حرب تحرير دولة الكويت في عام 1991م، مؤكدة للمجتمع الدولي جاهزيتها للتعامل مع أي اعتداء على ثرى دول مجلس التعاون الخليجي، وصد أي اعتداء خارجي أو حدث طارئ في دول المجلس.

القيادة العسكرية الموحدة

وفي ديسمبر 2013م وخلال الدورة الرابعة والثلاثين للقمة الخليجية التي عقدت بدولة الكويت وافق المجلس الأعلى لأصحاب الجلالة والسمو قادة دول مجلس التعاون الخليجي على تطوير قيادة قوات درع الجزيرة المشتركة لتكون القيادة البرية الموحدة التابعة للقيادة العسكرية الموحدة لمجلس التعاون، وأن تكون بمسمى «قيادة قوات درع الجزيرة، وتمت المصادقة على قرارات مجلس الدفاع المشترك ذات العلاقة بإنشاء هذه القيادة وتفعيلها.

مكتسبات العمل العسكري المشترك

وإيجازاً لما سبق، فقد حققت دول مجلس التعاون الخليجي في مسيرة العمل العسكري المشترك العديد من المكتسبات والمنجزات ولعل أبرز تلك المنجزات على سبيل المثال لا الحصر بحسب ما هو موثق بموقع الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي:-
■ اتفاقية الدفاع المشترك لمجلس التعاون: وافق أصحاب الجلالة والسمو قادة وزعماء دول مجلس التعاون على اتفاقية الدفاع المشترك في الدورة الحادية والعشرين للمجلس الأعلى (المنامة، ديسمبر 2000م)، التي حددت عددا من الأطر ومرتكزات الدفاع المشترك ومنطلقاته وأسسه وأولوياته، وأكدت الدول الأعضاء التزامها بالنظام الأساسي لمجلس التعاون، واحترامها لميثاقي جامعة الدول العربية وهيئة الأمم المتحدة، وعزمها على الدفاع عن نفسها بصورة جماعية ضد أي اعتداء عليها مجتمعة، وأي خطر يهدد إحداها إنما يهدد منطقة الخليج جميعها.
ودعت الاتفاقية أيضا إلى رفع القدرات الذاتية الجماعية لتحقيق أعلى مستوى من التنسيق المشترك، والاستمرار في تطوير قوات درع الجزيرة المشتركة، ومتابعة تنفيذ التمارين المشتركة، وأهمية تأسيس وتطوير قاعدة للصناعة العسكرية وتشجيع القطاع الخاص للاستثمار في هذا المجال.
■ الإستراتيجية الدفاعية لدول مجلس التعاون: حيث رسم أصحاب الجلالة والسمو قادة دول مجلس التعاون، في الدورة الثلاثين للمجلس الأعلى (الكويت، ديسمبر 2009م) ملامح الإستراتيجية الدفاعية لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، في إطار بناء منظومة دفاعية مشتركة لدول مجلس التعاون. وحددت الإستراتيجية رؤية واضحة تعمل دول المجلس من خلالها على تنسيق وتعزيز تكاملها وترابطها وتطوير إمكانياتها للدفـاع عن سيادتها واستقرارها ومصالحها، وردع العدوان والتعاون لمواجهة التحديات والأزمات والكوارث من خلال البناء الذاتي والعمل المشترك وصولاً للتكامل الدفاعي المنشود.
■ قوات درع الجزيرة المشتركة: حيث صدر قرار إنشاء قوة درع الجزيرة في عام 1982م، هدفها توفير الأمن والحماية لدول المجلس، والـدفاع عن اسـتقلالهـا وحماية مقدراتها ومكتسـباتها. وقد توجت تلك المنظومة المشتركة بالعديد من المتغيرات في البيئة الأمنية، ومصادر وأنواع التحديات، والمخاطر، والتهديدات التي قد تواجه دول مجلس التعاون لتصبح بحجم فرقة مشاة آلية بكامل إسنادها القتالي والإداري.
وفي عام 2006م تطورت قوة درع الجزيرة إلى قوات درع الجزيرة المشتركة، وعززت بجهد بحري وجوي وفقاً للمفاهيم العملياتية، لرفع كفاءتها القتالية، بما يكفل تنفيذ مهام التعزيز والإسناد للقوات المسلحة الوطنية لدول مجلس التعاون بصورة كاملة. وفي عام 2009م تم تعزيز قوات درع الجزيرة المشتركة بقوة تدخل سريع.
■ مركز العمليات البحري الموحد: حيث بارك المجلس الأعلى في دورته الخامسة والثلاثين (الدوحة، ديسمبر 2014م) قرار أصحاب السمو والمعالي وزراء الدفاع  بدول المجلس في الدورة الثالثة عشرة ، 11 و 12 نوفمبر 2014، بإنشاء مركز العمليات البحري الموحد، على أن يكون مقر المركز في مملكة البحرين، وتم افتتاح المركز في 4 فبراير 2016م.
■ التكامل الدفاعي: في الدورة الرابعة والثلاثين للمجلس الأعلى لمجلس التعاون (الكويت، ديسمبر2013م) ارتسمت بوضوح مظاهر وعلامات بدء مرحلة التكامل الدفاعي، من خلال إنشاء القيادة العسكرية الموحدة لدول المجلس، ودراسة إنشاء الأكاديمية الخليجية للدراسات الإستراتيجية والأمنية لدول المجلس، وكذلك بموافقة مجلس الدفاع المشترك في دورته الثانية عشرة (مملكة البحرين، ديسمبر 2013م) على محاور التكامل الدفاعي لدول المجلس. وحققت للعمل العسكري المشترك مكتسبات مهمة ودعمت وعززت الإنجازات التي تحققت خلال العقود الماضية، وأحدثت تقدماً مهماً على طريق بناء منظومة دفاعية متكاملة بين دول المجلس.
■ الأكاديمية الخليجية للدراسات الإستراتيجية والأمنية:  وافق المجلس الأعلى في دورته الرابعة والثلاثين (الكويت، ديسمبر 2013م) على إنشاء الأكاديمية الخليجية للدراسات الإستراتيجية والأمنية لدول المجلس، تأكيدا على الاهتمام الكبير لمواكبة التطور المتسارع في مجال العلوم والمعارف العسكرية والأمنية، ولتكون هذه الأكاديمية أحد الصروح العلمية المهمة، التي يعتمد عليها في مجال الدراسات والبحوث والتطوير والاستدامة المعرفية.
■ الخدمات الطبية بالقوات المسلحة بدول المجلس: صادق المجلس الأعلى في دورته الثالثة والثلاثين (مملكة البحرين، ديسمبر 2012م)، على قرار مجلس الدفاع المشترك في دورته الحادية عشرة، بالموافقة على علاج منتسبي القوات المسلحة لدول المجلس وعائلاتهم، المنتدبين في مهام رسمية، أو المشاركين في دورات تدريبية في الدول الأعضاء في المستشفيات العسكرية لتلك الدول. كما وافق المجلس الأعلى في دورته الخامسة والثلاثين (الدوحة، ديسمبر 2014) على توفير الخدمات العلاجيّة للأمراض المستعصية لمنتسبي القوات المسلحة بالدول الأعضاء في المستشفيات العسكرية والمراكز التخصصية في دول المجلس.
■ الإدارة والقوى البشرية:  في هذا الإطار اعتمد المجلس الأعلى لمجلس التعاون في عام 2010م النظام الموحد لمد الحماية التأمينية للعسكريين من مواطني دول مجلس التعاون، ووافق في عام 2011م على السماح بالاستفادة من ذوي الخبرات والكفاءات من العسكريين والمدنيين المتقاعدين من مواطني دول المجلس للعمل في المؤسسات والجهات الحكومية وشبه الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص بدول المجلس الأخرى.
■ الإعلام العسكري: انطلاقاً من الإستراتيجية الإعلامية لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، وتحقيقاً للمبادئ والأهداف التي قام عليها المجلس، فقد شكل الإعلام العسكري منطلقاً أساسياً ومسانداً للمخرجات الإعلامية ومكملاً للجهود الإعلامية على كافة المستويات والتي تعنى بالتعاون العسكري في إطار منظومة المجلس، وإبراز ما تم تحقيقه في الشأن العسكري، وتأكيداً لهذه المنجزات واستمراراً في التطوير والتحديث فقد تم مؤخراً إقرار وثيقة ( أسس وضوابط الإعلام في المجال العسكري) والتي تعنى بالجوانب الإعلامية العسكرية بين دول المجلس، وتحقيق التعاون البناء والمثمر في الإنتاج الإعلامي المقروء والمسموع والمرئي والإلكتروني، وتنظيم الدورات والندوات وحلقات العمل للعاملين في مجالات الإعلام العسكري بهدف تنمية مهاراتهم وقدراتهم المعرفية، وقد حقق التعاون الإعلامي العسكري المشترك بين دول المجلس العديد من المنجزات في المخرجات الإعلامية المتنوعة منها إنتاج الأفلام الوثائقية والرسائل الإعلامية الهادفة باللغتين العربية والإنجليزية التي تتناول مسيرة تطور التعاون العسكري بين دول المجلس، كما تم إنشاء قسم الإعلام العسكري بالأمانة العامة للشؤون العسكرية خلال العام الماضي لتحقيق المزيد من أوجه التنسيق والتعاون بين دوائر التوجيه المعنوي في القوات المسلحة بدول المجلس من جهة، ومن جهة أخرى بين الأمانة العامة للشؤون العسكرية والقيادة المشتركة الموحدة وبين وسائل الإعلام في كل ما من شأنه تحقيق منطلقات العمل الإعلامي المشترك وتوثيق ما حققه المجلس في مختلف المجالات العسكرية، وإبراز الأنشطة والفعاليات والأحداث العسكرية، وهناك تعاون وثيق بين المجلات العسكرية بدول المجلس من خلال تخصيص أبواب ثابتة ونشر مقالات متنوعة تعنى بتعزيز الهوية الخليجية العسكرية.
■ الجوانب الثقافية والاجتماعية والتنموية: في الشأن الثقافي كان اهتمام القوات المسلحة بدول مجلس التعاون الخليجي كبيرا وقد تعددت أوجه المساهمة في هذا الجانب وقد اتضح ذلك جلياً من خلال إقامة المعارض الثقافية والفعاليات ذات العلاقة المتزامنة مع الانعقاد الدوري لأعمال القمم الخليجية فضلاً عن الفعاليات العسكرية التي تقيمها القوات المسلحة لدول المجلس سواء على المستوى الثنائي أو في إطار المجلس، كما تشارك القوات المسلحة بشكل كبير في الفعاليات الثقافية الدولية وما لذلك من إسهامات مباشرة في تنمية المستويات الثقافية للمجتمعات الخليجية كون أن الوسط العسكري جزء لا يتجزأ من هذه المجتمعات، كما كانت لذلك تأثيراته الإيجابية على التنمية الاجتماعية بمختلف جوانبها والتي ساهمت بها القوات المسلحة لدول المجلس في إطار ضمان استقرار هذه الدول والسعي نحو خلق بيئة مثالية لتحقيق العيش الكريم الآمن لكافة مواطني دول المجلس، وهذا ينطبق أيضا على الجوانب التنموية التي تقوم بها القوات المسلحة بدول مجلس التعاون ولها إسهامات عديدة ومتنوعة في هذا الشأن.
■ مجالات العمل العسكري الأخرى:  حيث تم توحيد ووضع آليات عمل مشتركة لتبادل المساندة الفنية في مجال الإمداد والتموين والصيانة والتزويد الفني بين القوات المسلحة بدول المجلس، كما تم في مجال البيئة وضع عدد من المفاهيم والأسس الخاصة بتقريب السياسات البيئية، وتوحيد الأنظمة والتشريعات وتعزيز القدرات الوطنية والإقليمية، وتنمية الموارد البشرية، ورفع مستوى الوعي البيئي للحفاظ على الموارد الطبيعية في نطاق القوات المسلحة بدول المجلس.
كما تم توحيد العديد من الكراسات العسكرية، ومناهج الدورات العسكرية فضلا عن تنظيم ووضع آليات الاستفادة المتبادلة من الإمكانات التدريبية العسكرية المتوفرة في المدارس والمعاهد والكليات العسكرية بدول المجلس. وإيماناً بأهمية تعزيز أواصر الأخوة بين منتسبي القوات المسلحة بدول المجلس، تتم إقامة العديد من البطولات والمسابقات، والدورات الرياضية بين منتسبي القوات المسلحة في الدول الأعضاء بصورة دورية.