مرفأ قراءة – من حكايات «الأهرام».. بين هيكل وتوفيق الحكيم!

إيهاب الملاح –

كنتُ، وما زلتُ، من المغرمين، بل المولعين، بتتبع تاريخ وسيرة الكتب والوقائع المثيرة للجدل في فكرنا المعاصر؛ لأنني أظن أن الجزء الأكثر حيوية ونشاطا في تاريخ أي أمة هو تاريخ سجالها الفكري، ومعاركها الكبرى في سبيل تحررها من القيود والأصفاد التي تحول دون انطلاقها إلى آفاق الحرية والتقدم والمستقبل.
وشهر أكتوبر من الشهور الحافلة بذكرى ميلاد ورحيل أسماء كبيرة كان لها قيمتها ومنجزها وتأثيرها الفكري والثقافي واسع المدى؛ وهو أيضا الذي شهد وقائع فكرية وثقافية خطيرة؛ ولا يهمني هنا في هذا السياق أن أعدد أو حصر ما وقع في أكتوبر، إنما أكتفي بالإشارة إلى أنه الشهر الذي شهد رحيل عميد الأدب العربي طه حسين (1889-1973)، وهو الشهر الذي ولد فيه رائد ومؤصل فن المسرحية في الأدب العربي الحديث توفيق الحكيم (1898-1987)، كان رحمه الله فنانًا من شعر رأسه حتى قدميه، أرسله والده إلى باريس لدراسة القانون فجذبته «نداهة» الفن والأدب، وصار من ألمع نجومها في القرن العشرين.
وأكتوبر هو الشهر الذي صدر فيه للمرة الأولى كتاب «خريف الغضب» للكاتب والصحفي الراحل محمد حسنين هيكل، في نسخته العربية (1984)، فأثار ما أثار وأشعل الجدل والمعارك حول الكتاب وصاحبه!
وبسبب هذا الكتاب وما أثاره، دارت مراسلات (أظنها الآن تمثل وثائق فكرية فضلا على صياغتها الأدبية الرائعة) بين كبيرين، أحدهما تربع على عرش الصحافة المصرية والعربية لأكثر من خمسين سنة، وعرف بإيمانه الذي لازمه طوال حياته بالقومية العربية والدفاع عن مبادئها والترويج لها، والآخر أحد أضلاع مربع الرواد الكبار في الثقافة العربية الحديثة، وصاحب الروائع المسرحية والروائية والقصصية في الأدب العربي الحديث..
فماذا جرى بين الاثنين؟ ولماذا دونت هذه المراسلات؟ وما محتواها؟
في النصف الأول من ثمانينيات القرن الماضي، كتب توفيق الحكيم عدة مقالات في جريدة (الأهرام) أطلق عليها «أحاديث مع الله»، تخيل فيها أنه يتوجه بخطاب مباشر إلى الله (سبحانه وتعالى)، يبثه شكواه ونجواه ويتحدث إليه حديثا حارا مفعما بالصدق والمشاعر.
ومع أنها، كما يقول عنها صاحبها «لم تخرج عن كونها نوعا من المناجاة مع الله تعالى؛ مناجاة بلغتي الخاصة وثقافتي الخاصة، تعبيرا عن حبي الخالص لربي»، فلم يكن لهذا الأمر، في تلك الفترة، أن يمر دونما أن يثير العواصف والزوابع، خصوصا في السياق الذي شهد ارتفاع المد الديني، ونشاط جماعات الإسلام السياسي في مصر، آنذاك، فقامت الدنيا ولم تقعد، وثارت ثائرة المشايخ والوعاظ الذين اتهموا توفيق الحكيم بالضلال والتجديف بل الخرف!
وتصدى للحكيم أكثر من واحد منهم للرد عليه، أشهرهم كان الشيخ الشعراوي..
لم يتأن أحد لفهم الخطاب المكتوب ولا سياقه ولا ظروف كتابته.. كان الرجل كبيرًا يقترب من التسعين، لا سلوى له إلا الكتابة..
في تلك الفترة أيضًا، نشر محمد حسنين هيكل النسخة العربية من كتابه العاصف «خريف الغضب»؛ الذي نشر قبل ذلك بسنوات بالإنجليزية، وقرئ في كل مكان في العالم، ما عدا مصر! وأثار الكتاب جدلًا كبيرًا، وتعرض هيكل بسببه لحملاتٍ عنيفة من مؤيدي الرئيس الراحل أنور السادات، وقارن البعض بين «خريف الغضب» لهيكل، وكتاب توفيق الحكيم «عودة الوعي» الذي نشره عقب وفاة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.
وقد نص المرحوم هيكل في نهاية مقدمته لخريف الغضب على أنه أضاف إلى نصوص الكتاب ملحقًا يضم رسالتين متبادلتين بين الأديب الكبير «توفيق الحكيم» وبينه؛ يقول: «رأى ذلك الصديق الكبير، نصحًا وحرصًا، مع بداية الضجة التي رافقت الإصدار الأول من الكتاب، أن يبعث إليّ برسالة. ورأيت، محبة له واحترامًا، أن أرد عليه، واستأذنته في نشر الرسالتين، وكريمًا أَذِنَ، وجرى الإعلان عن ذلك في وقته وأوانه، وتم نشر الرسالتين فعلا في الطبعات العربية». المهم أن توفيق الحكيم، وقد أراد أن يهون على هيكل بعض الأذى جراء الهجوم العنيف عليه، وجه له رسالةً أراها من أهم وأجمل، بل أبدع ما كتب توفيق الحكيم، فيما يمكن أن نسميه «أدب الرسائل»؛ وقد رد عليه هيكل برسالة لا تقل روعة ولا إحكاما في منطقها ولغتها وفنيتها (وربما نتعرض لها بالتحليل والعرض في سياق آخر). صحيح أن الحكيم قد أراد أن يبرر ضمنيًا موقفه من جمال عبد الناصر الذي هاجمه بعد وفاته في «عودة الوعي» ويوازي بين موقفه (أي موقف الحكيم من عبد الناصر)، وموقف هيكل من السادات، لكن بالأساس كشفت الرسالة عن حسٍ إنساني غاية في الرهافة، ولقد فوجئت أنا شخصيًا بشحنتها الإنسانية الجارفة، لقد هزتني سطوره بعنف، وجعلتني أبكي عطفًا ورثاء على شيخ كبير لم يرحم شيخوخته أحد، ولم يأسَ على حاله أحد، وتعرض لإهانات وسفاهات لا قِبل لأحد بتحملها في عنفوانه، فما بالك بشيخ في العقد التاسع من عمره، كتب توفيق الحكيم:
«وإني أكتب إليك اليوم كي أهدئ من أعصابك بدافع هذه المودة والمحبة. وأنا بالذات لسبب واحد هو: إن حالتي تشبه حالتك. فأنت كتبت كتابًا هو «خريف الغضب» اعتبر هجومًا ضد السادات بعد موته. وأنا كتبت كتابًا هو «عودة الوعي» اعتبر هجومًا على عبد الناصر بعد موته..
واليوم أيضًا تقوم ضدي القيامة لكتابةٍ أخرى: قيل إنها ضد الله تعالى.. فأنا الآن في وحدتي التي تعرفها: زوجة ولا ولد، أعيش مع الله وأناجيه، فقالوا إن هذه المناجاة ضلال وإخلال وطردوني من جنة الله، وانهالت عليّ خطابات الغوغاء وحتى بعض العقلاء تترحم على عقلي الذي ذهب، والتخريف الذي جاء مع الشيخوخة.. كل الذي يهمني بالنسبة لك ولي هو عدم احترام «الرأي الحر»… فاكتب رأيك، ولأكتب أنا رأيي… وليس من الضروري أن يعجبني رأيك أو يعجبك رأيي.. المهم أن يوجد الرأيان. والأهم أن يكون المجتمع خاليًا من السلطة الواحدة المسيطرة برأي واحد في إمكانه إسكات كل صوت غيره».
ويختتم الحكيم رسالته المؤثرة العارمة بتلك الأسطر الدقيقة المحكمة:
«ولقد قلت للمشايخ الأفاضل الذين زاروني في مكتبي بالأهرام ليسألوا عن حقيقة موقفي من الدين والله والحساب.. فقلت لهم: ما دام يوجد حساب في الآخرة، فأنا مطمئن لأن معنى الحساب أنه محكمة يسمح لي فيها بأداء دفاعي؛ لأن كل اتهام لا بد له من دفاع.. وفي الدار الآخرة لا بد أن الحساب سيكون في جو من الهدوء والصفاء يجعل الدفاع مسموعًا. أما في الدنيا فإن أصـوات الغوغائيـة مقترنـة أحيانًا بأصوات جديدة للمفرقعات تجعل صوت الدفاع يخرج مخنوقًا يثير الضحك والاستهزاء أكثر مما يثير الرحمة والرثاء.. فلنا الصبر.. ولك مني الثابت في حياتنا المودة والمحبة». صحيح أن الحكيم قد جمع هذه الأحاديث والسياق الذي نشرت فيه، وكل ما اتصل بها من آراء، وردّ عليها في كتابه المهم «الأحاديث الأربعة والقضايا الدينية التي أثارتها»؛ ورغم أنني قرأت الكتاب كله عدة مرات، لكنه لم يستوقفني مثلما استوقفتني تلك السطور المزلزلة؛ وإنني أقر بأنه لولا هذا الفنان العظيم ما أحببتُ الأدبَ والفن، ولحسن الحظ قرأتُه في وقتٍ مبكر، مسرحيته «أهل الكهف» هي التي أدخلتني إلى عالم السحر، واكتشاف المستويات الأعمق للحياة. ومن بوابة «أهل الكهف» انفتحت أمامي كل أبواب المسرح والرواية والقصة، والأدب عموما، بل عرفت معنى المعالجة الفنية للواقع وللتاريخ وللأساطير. ورحم الله الكبيرين الراحلين؛ الحكيم وهيكل.. وعافانا من سورات الجهل والإساءة باسم الدين والتدين.