العــالم.. مســتقبــل القـوة إلــى أين؟

إميل أمين – كاتب مصري –
emileamen@gmail.com –

الى اين يمضي عالمنا المعاصر، هل في طريق الوفاق أم على دروب الافتراق، وهل ما نشهده من عسكرة للبر والبحر والفضاء سيقود إلى مزيد من مستقبل فكر القوة الصلبة أم أن هناك من ينظر نظرة فلسفية وواقعية إلى فكر القوة بوصفه لا يمكن أن تستقيم أموره من غير تعاون دولي خلاق وشبكات هرمية أفقية ورأسية من المؤسسات الدولية والأهلية القادرة على تغيير شكل العالم وقيادته وريادته في اتجاه سليم؟

علامة استفهام باتت مزعجة في الأعوام الأخيرة، لا سيما بعد موجات التسلح المتصاعدة حول العالم، وما نسمعه كل يوم عن أسلحة جديدة وخطيرة كافية لان يفقد العالم امنه وأمانه، وراحته وسلامه، لا سيما ما يتصل بالأقطاب الكبرى مثل روسيا وأمريكا والصين والهند وغيرهم من القوى الصاعدة إلى اعلى سماوات النفوذ الأممي.
احد افضل العقول الدولية الأمريكية الذي توقف مع هذه الإشكالية في العقدين الماضيين، البروفيسور الأمريكي «جوزيف اس ناي الابن»، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد وكتابه مستقبل القوة الصادر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة، ومن ترجمة الأستاذ احمد عبد الحميد نافع، ومراجعة الدكتور السيد أمين شلبي، يعطينا مساحة عريضة وواسعة لإلقاء الضوء على تطورات وربما تدهورات استخدام القوة حول العالم.
تكاد المفاهيم الاستراتيجية الحديثة أن تنقلب على فكر القوة الغاشمة، ولم يعد احد حول العالم يؤمن بجدواها، ذلك أن البشرية جربت مرتين مثل هذا النوع من القوة وكانت الخسائر فادحة وهائلة، عبر ملايين القتلي أولئك الذين تجاوزوا السبعين مليون قتيل في الحرب العالمية الثانية، وقبلها عدة ملايين في الحرب العالمية الأولي.
والثابت اليوم أن القوى التقليدية تدرك تمام الإدراك أن ما لدى الأطراف الأخرى كفيل بان لا يجعل منتصر او مهزوم في معركة السلاح النووي أو الفرط صوتي، عطفا على بقية الأسلحة التي نراها اليوم، وكأن العالم في سباق إلى الفناء لا النماء. تمضي روسيا على سبيل المثال في طريق إنتاج الغواصة الجهنمية المعروفة باسم «بوسيدون»، وهي ضرب من ضروب الشر غير المسبوق، ذلك أن فكرتها الشيطانية تتمثل في احداث موجات كهربائية تولد تحت المياه تسونامي قادر على غمر الساحل الشرقي الأمريكي أو الغربي تحت المياه، ما يعني أن الجانب الأمريكي سيقف عاجزا أمام قوة الطبيعة.
لكن الأمريكيين على النحو نفسه وكما فعل الرئيس ترامب مؤخرا يجاهرون ويفاخرون بان لديهم اعظم قوة عسكرية حول الكرة الأرضية، قوة لم تدركها الامبراطورية الرومانية في أوجها وعظمتها، كيف لا وهي تنفق نحو سبعمائة مليار دولار في السنة على موازنة التسليح.
لم تعد واشنطن في واقع الحال مهمومة أو محمومة بالأرض والبحر كما كان الحال في النصف الأول من القرن العشرين بنوع خاص، بل باتت أعين الأمريكيين الآن تتطلع إلى الفضاء وهناك تنصب شبكاتها من الأسلحة غير المعروفة للبشر والتعبير هنا لاثنين من اساطين السياسة الأمريكية هنري كيسنجر، وزيجينوبريجنسكي والمثير أن كلاهما اكد اكثر من مرة على امتلاك الولايات المتحدة الأمريكية أسلحة لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر، بل إن المرويات الرائجة في الداخل الأمريكي تشيئ بان الأمريكيين على تواصل مع كائنات فضائية من حضارات اخرى اكثر تقدما يمدونهم بالأفكار والنماذج لأسلحة غير بشرية، وربما كان هذا هو السبب في محاولة اقتحام المنطقة المعروفة باسم 51 في صحراء ولاية نيفادا الأمريكية حيث احدى اعقد أسرار أمريكا العسكرية ضمن قاعدة قوات جوية يقال أن بها أطباق طائرة حقيقية.
لا يهمنا في واقع الأمر ماذا هناك وجل ما نحن نبحث عنه هو مستقبل فكر ومنطلقات ومضامين القوة وهل هي الحل الوحيد لكافة اشكاليات عالمنا المعاصر؟
كان من المفترض انه مع تواصل البشرية، ذاك الذي يسرت له وسائل الانتقال الحديثة، عطفا على وسائط التواصل الاجتماعي السريعة والتي جعلت العالم قرية كونية واحدة، ان يتوارى فكر القوة الغاشمة، وان تصعد إلى الآفاق الطروحات والشروحات السلمية والحلول التوافقية ونظرية الكل فائز، وليس ما يعرف بـ «زيرو صم»، أي أن طرفا واحدا يفوز بكل شيئ. هنا من المثير أن يطرح علينا المفكر الأمريكي فكرا جديدا مغايرا للقوة يسميه «القوة الذكية»، ويذهب الى تطبيقه على الولايات المتحدة الأمريكية ويترك للقارئ مقاربة المشهدين، وأيهما انفع وارفع للبشية في حاضرات ايامها.
القوة الذكية بحسب «جيمس ناي» هي تمازج القوة الضاربة من القسر والهيمنة المالية مع القوة، من الإقناع والجذب، وقد شارك «ناي» مع الخبير الأمريكي «ريتشارد ارميتاج»، الرجل الذي كان محسوبا على المحافظين الجدد في رئاسة لجنة القوة الذكية المتعلقة بالحزبين الأمريكيين في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.
ما الذي انتهت إليه هذه اللجنة؟
باختصار غير مخل لم توص بالمزيد من الأسلحة الجهنمية أو الفتاكة، والتي استخدمتها أمريكا في الكثير من حروبها السابقة، بل انتهت اللجنة إلى أن صورة أمريكا ونفوذها قد تقلصا في السنوات الأخيرة، وانه يتعين على الولايات المتحدة أن تنتقل من تصدير الخوف إلى بث التفاؤل والأمل، ولم تكن لجنة القوة الذكية بمفردها التي توصلت لهذه المحصلة بل شاركها آخرون في الدعوة من اجل استراتيجيات القوة الذكية.
يفتح أعيننا «جيمس ناي» على حقيقة مثيرة وهي أن سياق القوة الغاشمة الصماء متغير، في حين أن القوة الأدبية والأخلاقية ربما يكون لها مستقبل أطول عمرا وأعمق جذورا، ففي منتصف القرن العشرين تساءل جوزيف ستالين بازدراء عن عدد الفرق العسكرية التي يمتلكها بابا روما، كان ذلك ردا على طلب البابا بيوس الثاني عشر المشاركة في مؤتمر يالطا، الذي تم تقسيم العالم فيه بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، ومن نافلة القول إن البابا لم تكن تراوده أحلام امبراطورية، بل جل غرضه تمثل وقتها في محاولة ترك بصمة روحية أخلافية، إيمانية وانسانوية، تقوم بفعل الانزياح المطلق أو شبه المطلق لهواجس الحروب وإرهاصات الكراهية التي قادت العالم الى سبعين مليون قتيل. يومها أجاب البابا: قولوا لابننا جوزيف انه سيلاقي كتائبنا في السماء»، واليوم وفي سياق الأفكار المتقابلة وبعد نحو سبعة عقود وازيد، نرى امبراطورية ستالين الشيوعية قد تحطمت وتقسمت إربا إربا، وقد كان احد اسلاف بيوس، القادم من بولندا الدولة الرازحة تحت ثقل الشيوعية، «كارول فوتيلا» أو «يوحنا بولس الثاني»، المسمار الأول الذي دق في نعش الجدار الحديدي وقادها إلى الاضمحلال.
ماذا يعني ذلك؟
بلا شك أن للحق لا للقوة الذكية لا الغاشمة الغلبة.
تتطلب استراتيجية القوة الذكية القول أن التمييز القديم بين الواقعيين والليبراليين يحتاج إلى إفساح المجال لنظرية جديدة يمكن أن نسميها الواقعية الليبرالية، فماذا يحدث في استراتيجية الواقعية الليبرالية هذه؟
التفوق في واقع الحال لا يعني الامبراطورية أو الهيمنة، فعلى سبيل المثال تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية أن تمد نفوها لا أن تسيطر على الأجزاء الأخرى من العالم. وتعتمد القوة دوما على السياق. عبر الحدود مثل تغير المناخ والمخدرات الممنوعة قانونا، والأوبئة، والإرهاب، فالقوة العسكرية هي جزء صغير من الحل في الاستجابة لهذه التهديدات الجديدة. وتحتاج هذه الحلول إلى التعاون بين الحكومات والمؤسسات الدولية.
وبحسب ما يلاحظه ريتشارد هاس المنظر الأشهر لأمريكا العولمة، ورئيس مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك، المؤسسة الأكثر تأثيرا في صناعة القرار الأمريكي حول العالم وفي الداخل على حد سواء، انه بينما تظل الولايات المتحدة هي أقوى دولة بمفردها، فهي لا تستطيع أن تنشر السلام والرخاء الدولي على حسابها الخاص وبمعرفتها، ولسوف يحتاج النجاح إلى أطراف مشاركين، مما يعني الاحتفاظ بالحلفاء القدامى إلى جانب تطوير شبكات جديدة تستوعب القوة الصاعدة مثل الصين والبرازيل.
ما هو منظور القوة الذي يتوجب على العالم تقديره واعتباره ونحن على مشارف العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين؟
يلفت عالم السياسة الأمريكي ناي إلى انه يجب أن تنظر استراتيجية القوة الذكية إلى تطور النظام العالمي وتحقق مسؤولية اكبر في النظام العالمي لتوليد رأي عام عالمي أو منافع عامة.
التاريخ لا يضللنا أبدا بل يعطينا معايير للنظر والقياس والمقاربة، ففي القرن التاسع عشر عرفت بريطانيا مصلحتها القومية بشكل واسع بحيث شملت تعزيز حرية البحار، واقتصادا عالميا مفتوحا، وميزان قوة أوروبيا ثابتا، وقد ساعدت هذه المصالح العامة بريطانيا، ولكنها أفادت الدول الأخرى أيضا. وقد ساهمت في الشرعية البريطانية وقوتها الناعمة.
وباعتبارها اكبر دولة في القرن الحادي والعشرين فانه يجب على الولايات المتحدة على المنوال نفسه، وكذا على روسيا والصين والهند وكافة القوى الدولية الآنية أن تدعم الاقتصاد الدولي المفتوح والشيوع في البحار والفضاء والإنترنت، والتوسط في المنازعات الدولية قبل أن تتصاعد وتطوير قواعد المؤسسات الدولية.
لن تكون هناك قوة واحدة تمتلك مقدرات العالم في العقود القادمة، ولن تنهي قعقعة السلاح الإشكاليات، بل مجتمع اكثر تناغما وانسانويا يمكنه أن يفتح مسارب للأمل حول العالم، لا سيما وانه مع انتشار القدرات التقنية المصاحبة للعولمة، فان فكرة التفوق الثقافي والاقتصادي والتكنولوجي لدولة بعينها على بقية العالم لن تعود مطروحة.
الجميع يحتاج إلى استراتيجية تضامنية تكافلية، وهذا ما المح إليه هاس بالفعل من قبل حين تحدث عن عالم متعدد الأقطاب والى سرد يؤكد التحالفات والمؤسسات وشبكات العمل التي تستجيب لعصر المعلومات العولمي أي إلى إعادة اكتشاف مضامين القوة الذكية لا الغاشمة.