«الضياء».. موسوعة عمانية في الفقه والأحكام الشرعية

ألفه الشيخ العلامة الفقيه المؤرخ سلمة بن مسلم بن إبراهيم العوتبي –
قراءة: سالم الحسيني –

جاء في كتاب «الضياء» للشيخ العلامة الفقيه المؤرخ سلمة بن مسلم بن إبراهيم العوتبي الصحاري في الباب الثاني من هذا المؤلف وهو: باب العلم.. إن العلم على وجوه: الأول وهو القرآن وهو قوله عز وجل: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) والعلم المعجز هو القرآن ولا يسمى بهذا الاسم غيره، والثاني هو محمد صلى الله عليه وسلم وهو قوله تعالى: (فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)، أي لم يختلف أهل الكتاب فيه -صلى الله عليه وسلم- أنه نبي مبعوث حتى جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثالث وهو الكيمياء وهو قوله تعالى في قصة قارون قال: (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي) أي على علم كيمياء، والرابع: هو الشرك والكفر وهو قوله عز وجل: (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ) قيل من الشرك والكفر والله اعلم.
والخامس: العلم المعروف وهو ضد الجهل. وعن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: (العلم علمان: علم الأديان وعلم الأبدان) ويقال: العلم علمان: علم باللسان ليس له تحقيق بالفعال فذلك العلم الضار، وعلم باللسان تحقيقه بالفعل فذلك العلم النافع. وعنه صلى الله عليه وسلم انه قال: (العلم كثير أكثر من أن يدرك فخذوا من كل شيء أحسنه).

وفي الباب الثامن في مراتب العلماء وأحوالهم، وما جاء في أقوالهم وأفعالهم أورد العوتبي أن العلماء على رتب وطبقات ومنازل ودرجات بعضها أرفع من بعض كارتفاع السماء على الأرض فالعالم حقا من أطاع الله في علمه وأخلص عمله وانتفع به متعلمًا ونفع غيره معلمًا.
قال النبي صلى عليه وسلم: (العلماء ثلاثة: عالم عاش بعلمه وعاش الناس به فهذا الرفيع في الدرجات السابق بالخيرات، وعالم عاش بعلمه ولم يعش الناس به فهذا رجل نفسه ويومه كأمسه والذي لا ينفعه شيء من بعده سنة حسنة سنها ولا يجري له أجرها، وعالم عاش الناس بعلمه ولم يعش هو به فهذا هو الخاسر المخسور والشقي المبتور المحروم عن كل ما أمل من السرور الواقع في كل كره من المحذور). وقال أبو المؤثر -رحمه الله- روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: وَيْل للجاهل مرة وويل للعالم سبع مرات، الجاهل لا يعذر بجهله والعالم ملعون إذا علم وترك علمه والعالم غير العامل مدحوض الحجة مبخوس النصيب.
وعن علي قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أني لا أخاف على أمتي مؤمنًا ولا مشركًا، أن كان مؤمنًا منعه إيمانه وإن كان مشركًا قمعه شركه، ولكن أخاف عليها منافقًا عالم اللسان يقول ما تعرفون، ويعمل ما تنكرون).
وقال أبو الدرداء: (أني أخوف ما أخاف أن يقال لي قد علمت فماذا عملت فيما علمت).
وعن عيسى عليه السلام: يا صاحب العلم إنه لا يجتمع الماء والنار في إناء واحد، كذلك لا يجتمع الفقه والغناء في قلب واحد بحق أقول لكم ما تريدون الدنيا ولا الآخرة لو كُنتُم تريدون الآخرة لأكرمتم العلم الذي لا تدرك الآخرة إلا به ولو كُنتُم تريدون الدنيا لأكرمتم العلم الذي به تدرك الدنيا فلا عبيد أتقياء ولا أحرار كرام.
وقال علي بن أبي طالب: الناس ثلاثة: عالم رباني ومتعلم على سبيل نجاه وهمج رعاع أتباع كل ناعق والرباني العالي الدرجة في العلم قال تعالى: (وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ)، وعن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من مات عالمًا مات مباركًا».. ولما مات ابن عباس قال محمد بن الحنيفية: «اليوم مات رباني هذه الأمة».
وأورد العوتبي في مصنفه: والعلماء شهود الله في الأرض لهم أعلام في السماء كأعلام السماء في الأرض يعني النجوم يعلوا بعضهم بعضًا في الدرجات أبعد ما بين السماء والأرض ألا وإن العالم من يعمل بعلمه وليس العالم من يعلم الجاهل ويجهل علم نفسه، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خيار أمتي علماؤها وخيار علمائها فقهاؤها». وعن أبي هريرة عنه -صلى الله عليه وسلم- قال: «للأنبياء على العلماء فضل درجتين وللعلماء على الشهداء فضل درجة».
وقيل حملة الحلم ثلاثة: عالم وجاهل وعويلم، فالعالم الذي يصيب كثيرا ويخطئ قليلا والجاهل الذي يصيب قليلا ويخطئ كثيرا والعويلم الذي يقوّم خطأه بصوابه والمؤمن العالم أفضل من المؤمن الذي ليس بالعالم. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «أهلك أمتي رجلان عالم فاجر وجاهل متعبد». وقيل يا رسول الله: أي الناس أشر؟ فقال: العلماء إذا فسدوا. وقيل لعيسى عليه السلام: من أشر الناس فتنة؟ قال: زلة العالم إذا زل زل بزلته عالم كثير. وعن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «من ازداد علما فلم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بعدا».
وعنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «أشد الناس عذابًا يوم القيامة عالم لم ينفع الله بعلمه». وجاء في الباب الثامن عشر من هذا المصنف تحت عنوان: «المتعلم وما له وما عليه من التحليل والتحريم»: قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) قيل تعلمونهم وتأمروهم بتقوى الله تعالى.. وعن أبي سعيد الخدري عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: لا يلق الله تعالى بشيء أشد من جهالة أهله وأجمعت الأمة على تأديب صبيانها وتعليمهم غسل النجاسات ونهيهم عن المحظورات وتعليمهم الطهارات والوضوء والصلاة وضربهم عليها إذا بلغوا عشر سنين وتفريقهم بين مضاجعهم لسبع سنين لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: فرقوا بين أولادكم في المضاجع لسبع سنين واضربوهم على الصلاة لعشر سنين وتعليمهم القرآن لينشأوا على ذلك ويكونوا عالمين به قبل البلوغ فإذا بلغوا وجب عليهم أن يتعلموا ويسألوا وإن لم يكن ذلك على آبائهم أخذهم بذلك ولكن لهم أن يأمروهم بتقوى الله عز وجل ويحذروهم معصية الله وينكروا عليهم ما يجب إنكاره وإن سألوهم عن ذلك من يعلمه علمهم كان أبا أو غيره. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، وعنه صلى الله عليه وسلم انه قال: «هذا القرآن مأدبة الله فتعلموا مأدبة الله ما استطعتم وأن لقارئ القرآن لكل حرف منه عشر حسنات». وفي الحديث: «إن القرآن مأدبة الله فأدبوا عليه صغيركم ولا يباري عنه كبيركم فإنه ليس كل امرئ ولد عالما وإنما العلم بالتعليم».
وينبغي للآباء وللقوام بأمر الأطفال أن يعلموهم الأذان والإقامة وشرائع الإسلام إذا صاروا في حال يعقلون ذلك لئلا تذهب طائفة من الزمان عند بلوغهم في التعليم لأنهم إذا كانوا قبل البلوغ عالمين أتوا بالعبادات عند البلوغ على الفور وهذا من التعاون على البر والتقوى الذي أمر الله تعالى به والرجل يعلم ابنته من القرآن للصلاة ست سُوَر ويقال التعليم في الصغر كالنقش على الحجر والتعليم في الكبر كالكتابة على الماء. وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل الذي يتعلم في صغره كالوشم على الصخرة والذي يتعلم في الكبر كالذي يكتب على الماء». وقال الشاعر:
أراني أنسى ما تعلمت في الكبر
ولست بناس ما تعلمت في الصغر
وما العلم إلا بالتعلم في الصبا
وما الحلم إلا بالتحلم في الكبر
ولو خلع القلب المعلم في الصبا
لألفيت فيه العلم كالنقش في الحجر
وما العلم بعد الشيب إلا تعسف
وقد كل قلب المرء والسمع والبصر

اسمه ونسبه

هو سلمة بن مسلم بن إبراهيم العوتبي الملقب بأبي المنذر.
جاءت تسميته بالعوتبي نسبة إلى قرية عوتب بولاية صحار، له مؤلفات عديدة في الفقه واللغة والأنساب والتاريخ.
وورد في الموسوعة العمانية أن العوتبي نشأ بين القرن الـ5 الهجري، والآراء حول تحديد الفترة التي عاش بها العوتبي متباينة. فمنهم من قدرها بأواخر القرن الثالث الهجري وبداية القرن الرابع الهجري، مستندين على الفترة التي حددها المؤلف في كتاب الأنساب، بينما قال عنه البعض انه عاش في القرن الخامس وأوائل القرن السادس الهجري، وذلك لنقله عن ابن حزم الأندلسي الذي عاش في 456 هجرية، ونقله أيضا عن أبي حامد محمد الغزالي الذي عاش في 505 هجرية.
ويعتبر العوتبي من علماء المدرسة الرستاقية التي ازدهرت فيها العلوم في القرن الخامس الهجري. ومن أبرز العلماء الذين عاصرهم: أبوبكر أحمد بن عمر بن أبي جابر المنحي 502 هجرية، وأبوبكر أحمد بن المفضل 504 هجرية، ومحمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي النزوي 508 هجرية ونجاد بن موسى بن نجاد المنحي 513 هجرية، وأبو علي الحسن بن أحمد بن نصر الهجاري 502 هجرية.

مؤلفاته

«الضياء» في الفقه ويحتوي على 24 جزءًا، وهو من أبرز ما ألف في تراثنا في الفقه والأحكام الشرعية، وكتاب «الإبانة» في اللغة:
ويقع في 4 مجلدات، وهو كتاب لغوي ويعد مرجعًا لدارسي اللغة العربية يضم صنوفا من علوم اللغة العربية والأشعار وعلم التفسير والحديث.
وكتاب «الأنساب» وهو في التاريخ والأنساب ويتكون من جزءين تعقب من خلاله الأصول والأنساب البشرية بدءًا من بدأ الخليقة وحتى العصر الإسلامي، حيث عرض أصول القبائل العربية من عدنانية وقحطانية، وأولى اهتماما خاصا بأصول ونسب القبائل العمانية.