في يوم المرأة العمانية.. جـنـاح الطـائر الـذي يحلّق عـاليـا فــي ســمــاوات الجــمــال

عاصـــم الشــيـــدي –

تحتفل السلطنة اليوم «بيوم المرأة العمانية» وهو مناسبة لوقفة رمزية يمكن أن نعيد خلالها قراءة مشهد مسيرة المرأة العمانية وحضورها في فكرة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم-حفظه الله ورعاه-عبر فهم أكثر عمقا للمجتمع العماني ليس في مراحله الآنية اليوم بل في السياق التاريخي.
وبذلك لا يمكن أن نقرأ المكانة التي تحظى بها المرأة العمانية اليوم دون أن نقرأ السياق التاريخي لهذا الحضور في كل تفاصيل المجتمع العماني. وهذه القراءة غنية بالتفاصيل والشواهد، وهي كفيلة بأن تعيد ترميم الصورة الذهنية الجمعية لمكانة المرأة في العالم العربي.
وبالعودة لمكانة المرأة في السياق التاريخي العماني نستطيع أن نفهم أكثر فكر حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم-حفظه الله ورعاه- الذي وضع المرأة في خط مساوٍ تماما مع الرجل. فنجده يقول: الوطن في مسيرته المباركة، يحتاج إلى كل من الرجل والمرأة فهو بلا ريب، كالطائر الذي يعتمد على جناحيه في التحليق إلى آفاق السماوات، فكيف تكون حاله إذا كان أحد هذين الجناحين مهيضا منكسرا؟ هل يقوى على هذا التحليق»، وفي هذا التشبيه بلاغة كبيرة تعكس فهم مكانة المرأة، فليست هي النصف الثاني، بل هي جناح، وعند الحديث عن الأجنحة لا يمكن أن تعطي أحد الجناحين أهمية أقل من الجناح الآخر. وبذلك نفهم أن فكر صاحب الجلالة اتجاه المرأة هو امتداد تاريخي وليس مكانة فرضتها ظروف آنية واتفاقات أممية.

مـــكانــة المــرأة العـــمانيـــة امتـــداد تاريـــخـــي وليس واقــعا فرضـــتــه اتفاقيــات أمـميــة –

والتاريخ العماني يكشف عن مكانة للمرأة أنها تعادل مكانة الرجل، فأقدم ملك تحفظه كتب التاريخ لعمان كان امرأة هي الملكة شمساء التي ذكرها الدكتور عبدالله الطائي في كتابه تاريخ عمان السياسي، وكانت المرأة في سياق التاريخ العماني فقيهة وعالمة ومفتية ومرجعا لحل الخلافات السياسية إبان التوترات التي تجتاح البلاد، بل إنها كانت وصية على الحكم كما كان الحال مع السيدة موزة بنت الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي.
كان فكر جلالة السلطان واعيا لكل تلك التفاصيل التاريخية التي راكمها المجتمع العماني ولذلك أكد عليها منذ خطاباته الأولى واهتمامه العملي الذي لم يفرق بين الرجل والمرأة.
حضرت المرأة في المشهد العماني منذ اليوم الأول. فعندما فتحت المدارس تحت ظلال الأشجار كانت للجميع دون استثناء، بل إن التركيز كان على المرأة أكثر من غيرها إيمانا بأنها صانعة ماهرة للمجتمع، وأن تغيير وعي الأجيال مرهون بما تزرعه هي فيهم من وعي مختلف.
وفي السياق العماني بكل تفرعاته الحياتية لا يتم الحديث، ومنذ فترة مبكرة جدا، عن تمييز بين الرجل والمرأة في كل التفاصيل الحياتية، فالنساء شقائق الرجال. وبذلك حضرت المرأة في كل الميادين وساهمت، وفق طاقاتها وإمكانياتها، في بناء المجتمع العماني، ولأن الأمر كان ضمن ثقافة المجتمع العماني لم يشكل هذا صدمة مجتمعية تستحق الوقوف عندها رغم تحفظات بسيطة سرعان ما تلاشت واندمجت في عمق فكر أغلبية المجتمع وقناعاته. وكان إيمان سلطان البلاد واضحا بأهمية أن تأخذ المرأة دورها في المجتمع، وأن يتم الدفع بذلك من قبل الحكومة للبعد عن جانب الشعارات التي تحلق بعيدا عن الحقيقية. لذلك عندما ننظر اليوم وبعد مضي 49 سنة من بدء مشروع الدولة الحديثة في عُمان نستطيع أن نقف على منجزات كبيرة حققتها المرأة، وعلى جميع المستويات، بدءا من الجانب السياسي وليس انتهاء بأبسط التفاصيل في حياته اليومية، خاصة أن الحياة الحديثة تجعل المرأة تنخرط في مجالات لم يعهدها المجتمع.
لم يكن الأمر عاديا ومتقبلا أن تظهر المرأة على شاشة التلفزيون مطلع سبعينات القرن الماضي، أو تظهر وهي تقدم أدوارا درامية أو في أي موقع من مواقع الإعلام، ولا أن تظهر في الثمانينات وهي ضمن فرقة الأوركسترا السيمفونية السلطانية العمانية إلا أن ظهورها في ذلك التوقيت حمل رسالة مفادها أن النهضة الحديثة لا تفرق بين الرجل والمرأة في القيام بأدوار البناء والتعمير، وأن مثل هذه المشاركات تعطي عُمان بعدا تقدميا ينظر إليه العالم بعين الإعجاب والتقدير.
تلك المرحلة التأسيسية وذلك الفكر الذي وفرت له حماية بالقوانين هو الذي أوصلنا اليوم إلى أن تكون المرأة العمانية وزيرة لأهم الوزارات في الحكومة، نتحدث عن وزيرتين دخلتا مجلس الوزراء هذا الأسبوع الأولى عزة الإسماعيلية وزير التقنية والاتصالات وسعاد اللواتية وزيرة شؤون الفنون وقبل ذلك وزيرة التربية والتعليم ووزيرة التعليم العالي، وقبل كل ذلك وزيرة التنمية الاجتماعية، وهي سفيرة في عدد من سفارات العالم، وهي عضوة منتخبة في مجلس الشورى، وعضوة معينة في مجلس الدولة، وتدير مؤسسات حكومية أخرى ومؤسسات مجتمع مدني، وهي ضابطة تقود طوابير عسكرية وأكاديمية تعتلي المنابر وتدير دفة القيادة وتصنع وعيا جمعيا في الجامعات. وليس هذا فحسب، بل دعم فكر السلطان المرأة العاملة في الحقل، والعاملة في الصناعات الحرفية والمرأة ربة البيت التي تدير مصانع الرجال وترعى القيم والأخلاق.. باختصار فإن المرأة كانت ولا تزال حاضرة في كل تفاصيل مشهد الحياة العمانية، وهذا إفراز مجتمعي قبل أن يكون تطبيقا لقوانين وتشريعات الدولة التي لم تفرق بين الرجل والمرأة إلا بمقدار ما تفرضه الطبيعة الجسمانية لكل منهما.
ولم تنل المرأة هذه المكانة انتزاعا بل أخذتها وفق معطيات المجتمع العماني ووفق فكر جلالة السلطان التقدمي. ولذلك كتبت الكثير من النساء في عمان أن الحقوق التي نالتها المرأة جاءت متقدمة وسابقة على بدء التفكير في نيلها وفق سياق التطور المجتمعي في منطقة الخليج أو حتى المنطقة العربية.
وإذا رأى السلطان أن الوقت قد حان للعمانية لأن تتبوأ مساحة أكثر طموحا فإنه يدعوها دعوة لتلك المساحات فنجده يقول مخاطبا جميع النساء العمانيات: «نود أن نوجه كلمة إلى المرأة العمانية ندعوها من خلالها إلى الاستفادة من كافة الفرص التي منحت لها لإثبات جدارتها، وإظهار قدرتها في التغلب على ما يعترض طريقها من عقبات».
حينما بدأ عقد التسعينات كانت المرأة فيه نصف المجتمع في كل شيء وهذا ما كشفه أول تعداد للسكان والمساكن والمنشآت في عُمان، شكلت المرأة أكثر من 49% من مجمل عدد السكان.
وكان العام التالي للتعداد، عام 1994 عاما مفصليا للمرأة العمانية في مسيرة شراكتها في بناء الدولة الحديثة.. حيث قادها فكر السلطان للمشاركة البرلمانية وأعطيت حق الترشح في مجلس الشورى بعد دورته الأولى وإن كان ذلك الحق ظل جزئيا في تلك الدورة من دورات المجلس على محافظة مسقط لكن جلالة السلطان أكد حينها للجميع أن الأمر لن يبقى حكرا على مسقط «مضيفا في سياق كلمته أمام المجلس «رأينا أن من حقها بعد هذه الحقبة من عمر النهضة العمانية الحديثة أن تشارك بفكرها وتسهم برأيها في شؤون وطنها، وإنها لمسؤولية وطنية كبيرة على المرأة أن تثبت من خلال جهدها الدائب وعملها المتواصل قدرتها على القيام بها على الوجه الأكمل.. إن حق المرأة في الترشيح والاختيار لعضوية مجلس الشورى لن يقتصر في المستقبل على محافظة مسقط، بل سيمتد بالتدريج وحسب الظروف والمقتضيات إلى سائر المحافظات والولايات»، وفي ذلك الخطاب أوضح جلالة السلطان أن مرجعية الجميع: الرجل والمرأة في الترشح هي الثقة، ثقة المجتمع «سيكون مرجع الأمر في ترشيحها مثلها مثل الرجل هو ثقة المواطنين فيها واختيارهم لها لتمثيلهم في هذا المجلس وفي ذلك تكريم لها بل تكريم للمجتمع كله وتصحيح لبعض المفاهيم الخاطئة التي تغض من شأن المرأة وتضع من مكانتها التي كفلها لها الدين الإسلامي الحنيف. فالنساء شقائق الرجال وقد أوصى بهن الرسول عليه الصلاة والسـلام في الحياة الإسلامية خاصة في العصور الأولى معروف مشهور» واستطاعت هذه الكلمات أن تضع أرضية هيأت المجتمع لتقبل الخطوة القادمة التي حدثت في عام 1997 حينما فتح مجال الترشيح والترشح أمام الجميع رجالا ونساء. لم يمضِ عامان على هذا التقدم حتى أصدر جلالة السلطان مرسوما بتعيين أول عمانية في منصب سفير، حيث عينت خديجة بنت حسن اللواتية سفيرة السلطنة لدى هولندا. كانت المرأة في ذلك الوقت تشغل ثلاثة مقاعد في مجلس الدولة ومقعدين في مجلس الشورى إضافة إلى ثلاث نساء يشغلن منصب وكيلات وزارات.
وفي عام 2004 كان العالم يحتفل باليوم العالمي للمرأة عندما أصدر جلالة السلطان مرسوما بتعيين أول امرأة لحمل حقيبة وزارية ليس في تاريخ عمان بل في تاريخ منطقة الخليج العربي، حيث عينت راوية البوسعيدية وزيرة للتعليم العالي. لكن قبل ذلك بعام كان تعيين عائشة بنت خلفان السيابية رئيسة للهيئة العامة للصناعات الحرفية بدرجة وزيرة.
واستمرت مسيرة الإنجازات واكتملت المعادلة التي رعت جناحي التنمية المحلقة عاليا. وأصرت ألّا تبقى المرأة حبيسة أدوارها التقليدية كما هو الحال في الكثير من المجتمعات العربية.
وفي الحقيقة أثبتت المرأة نجاحها وأثبت جلالة السلطان رجاحة رأيه حين أصر على أن تأخذ كافة حقوقها، وبقي يتابع إنجازاتها عن قرب، سواء من كان منهن في الإدارات العليا في الدولة أو المرأة التي تمارس أعمالها في مختلف مناحي الحياة.
وفي أكتوبر من عام 2009 عقدت ندوة موسعة ضمن الجولة التي يقوم بها جلالة السلطان في ولايات السلطنة هدفت إلى مراجعة ما تحقق للمرأة من إنجازات خلال مسيرة النهضة العمانية. كانت مداولات الندوة تكشف عن مكانة كبيرة حققتها المرأة العمانية خلال سنوات الدولة الحديثة لكنها أوصت «بتعزيز مشاركتها في العمل والمشاريع الاقتصادية، والتمويل وتشجيع المبادرات المجتمعية لمبدأ الشراكة والمسؤولية الاجتماعية بين القطاعات المختلفة، وتعزيز ثقافة العمل التطوعي، إلى جانب مجال التدريب والتأهيل في قضايا المرأة والأسرة والمجتمع».
لكن تلك الندوة أيضا خرجت بقرارات كان أهمها «إصدار مذكرات توضيحية لتفسير وتطبيق أحكام المواد القانونية الواردة في القوانين المحلية ذات الصلة بالمرأة والأسرة وخاصة قانون الأحوال الشخصية، وإصدار قانون صندوق النفقة لتنظيم الحياة المعيشية للمطلقة والأبناء في حال وقوع الطلاق، وتخصيص دوائر في المحاكم لقضايا الأسرة، والعمل على وصول المرأة لمرتبة القضاء، إضافة إلى إصدار قانون لتنظيم العمل التطوعي» إضافة إلى العديد من التوصيات التي تحولت فورا إلى قرارات بعد أن اعتمدها السلطان وأكد عليها. وخلال الندوة تم اعتماد يوم السابع عشر من أكتوبر من كل عام يوما للمرأة العمانية تحتفل فيه أو يحتفل بها المجتمع، ولكن أيضا تراجع ما حققته وتطرح سنويا على طاولة النقاش التحديات التي تواجهها.
وبذلك استطاع فكر السلطان أن يحول المجتمع العماني إلى داعم للمرأة العمانية بل دافع لها لاستمرار التحليق فهي الجناح الأول لطيران التنمية عاليا.