التنافسية وشرف المحاولة

مصباح قطب –
mesbahkotb@gmail.com –

لا تخلو الأجندة السنوية لأي إعلامي ، وبصفة خاصة ممن يعملون في التحرير الاقتصادي ، من تنبيهات إلى تواريخ محددة يتم فيها إطلاق تقارير دولية مختلفة ومهمة ، وعلى رأسها – في تقديري- تقرير أداء الأعمال ( دوينج بزنس ) الذي يطلقه البنك الدولي ، وتقرير التنافسية العالمية والذي يطلقه « منتدى دافوس الاقتصادي» .
ورغم مرور السنين ، ومع أن حماس الإنسان يفتر تجاه بعض الأحداث التي تتكرر كل عام او كل فترة بشكل دوري ، إلا أن عملية إطلاق هذين التقريرين تبقى دائما متقدة ومثيرة للحماس ، ليس فقط لأن المستثمرين العالميين وأهل التجارة والسياحة والمال في العالم ، يبنون عليهما الكثير، ولكن أيضا لأن الطابع التنافسي القوي والمصاحب الذي يميزهما يشد اهتمام الجميع وليس الصحفيين فقط من منظور الحمية القومية ، ويحجز مديرو التحرير في كل صالة صحفية مساحة منذ مطلع يوم إعلان التقرير في الصفحة الأولى لعرض موقف بلدهم وما الذي تقدمت فيه أو تراجعت . أيضا فان كل بلد في السباق يريد ان يتفوق على من سبقوه قبلا او على الأقل لا يفقد المكانة التي وصل إليها أو يحقق تقدما في مؤشر أو اكثر حتى لو تراجع في المؤشر الكلي .
بصفة عامة يكاد يكون التقريران كأنهما كأس عالم في المجال الاقتصادي بالمعنى الشامل لكلمة الاقتصاد … ويظل حديث من صعد ومن هبط من خسر ومن ربح وأين موقع الدولة في العالم أو في الإقليم بل وموقع دول بعينها في مؤشرات بعينها ،يبقى مستمرا لوقت طويل بعد الإصدار .
هذا العام 2019 كنا على موعد مع أمر جديد من الناحية المبدئية ألا وهو إدخال حزمة تعديلات ضخمة على التقرير السنوي للتنافسية العالمية الذي صدر منذ أيام. أول تغيير هو زيادة الاعتماد على البيانات الإحصائية التي يتم الحصول عليها من المصادر العالمية المعروفة كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية الخ ومنظمات الأمم المتحدة الخ ، وذلك على حساب المعلومات المستقاة من استطلاعات الرأي التي تتم في الدول ويقوم بها وكيل لمنتدى « دافوس» في كل بلد وهو في مصر المركز المصري للدراسات الاقتصادية . قد يكون من شان التغيير الأخير أن يحد من الجدل المثار منذ سنوات حول مصداقية الاستطلاعات وطبيعة الاسئلة التى يتم طرحها على المستطلع رأيهم وهم دائما المديرون في القطاعات غير الحكومية بعامة . سيقلل زيادة وزن المعلومات بحيث اصبح 70% والباقي للاستطلاعات ، من الأمور التى كان يصعب تفسيرها في السنوات السابقة .
المعروف أن استطلاع الرأي يقوم على مجموعة من العناصر الخاصة بتنافسية الدول مثل البنية التحتية والتجارة الخارجية والاستثمار والأمن والمخاطر المالية التي تؤثر على الأعمال ، والحجم ، والمنافسة المحلية ، والبيئة المالية ، والأعمال ، والإبداع والتعليم ورأس المال البشري، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات . وهناك خصائص لعينة استطلاع الرأي يتعين الالتزام بها من حيث حجم العينة والتنوع القطاعي وأحجام الشركات والتمثيل الجغرافي ، ويستغرق إجراء الاستطلاع 3 أشهر . تقيس التنافسية أربعة محاور أساسية هي البيئة المواتية ، ورأس المال البشري ، والأسواق ، وبيئة الاحتكار ، وينبثق منها 12 ركيزة تبدأ بالمؤسسات وتنتهي بالقدرة على الابتكار ، وتم عمل وزن متساو لكل ركيزة ، كما يتفرع عن الركائز 103 مؤشرات فرعية. حدث أيضا تغيير ولكن طفيف في منهجية عمل تقرير التنافسية ، كما يقول المركز المصري للدراسات الاقتصادية ، كما تم عمل تغييرات كبيرة في أسئلة الاستطلاع بحذف أسئلة قديمة وإضافة أخرى.
نأتي بعد ذلك إلى المضمون وما يهمني أولا أن طموحنا يجب أن يسبق حتى قدرتنا بخطوة ، فبعض الدول العربية حققت تحسنا محدودا أو معقولا بيد أن الاحتفاء به قد يشي من جانب خفي بضعف التطلعات ، وكأن لسان الحال يقول (نحمد الله على قد كده ) ، أو يقال إن الأهم من التقدم البسيط أو حتى عدم التراجع شرف المحاولة للبقاء في هذا السباق،ولن أزيد منعا للإحراج لكن ينبغي التأكيد على أن التنافسية العالمية مضمار لعب يومي ومتوحش ويلزمه إرادة جبارة وعزيمة ورؤية واضحة وإصرار في كل خطوة وفي كل عمل وكل خطة. ثانيا فإنه حصل تحسّن لا بأس به في موقف الدول العربية عامة ، بحيث احتلت الإمارات رقم 25 عالميا ، وتلتها قطر، ثم السعودية ، ثم البحرين، فالكويت ، وسلطنة عمان ( 53 أي حدث نوع من التراجع ) ، والأردن ، والمغرب وتونس ولبنان والجزائر، فمصر ( تحتل المرتبة 93 عالميا من 141 دولة ) ، وتقع اليمن في مؤخرة الدول العربية . ومن بين دول المنطقة حصلت إسرائيل على المرتبة 20 وإيران المرتبة 99 ، ويلفت النظر أن سوريا والعراق وليبيا لم تظهر في الصورة ، وان وضع إيران إقليميا وعالميا – كمثال – بالتأكيد ورغم كل شيء سيكون افضل منهم أو افضل من ليبيا وسوريا بظروفهما المعروفة ، على الأقل ما يلقى بعلامات استفهام ، كما أن المسافة بين الجزائر التى تقع في المرتبة 89 وبين مصر قد لا تكون مفهومة لمن يتابع أوضاع البيئة العامة الاقتصادية والاستثمارية في البلدين .
داخل كل بلد هناك تفاصيل مثيرة ، فقد احتلت مصر مثلا المرتبة 23 عالميا في حجم السوق ، وهذا طبيعي بفعل السكان ، ولا دخل للحكومة فيه ، وفي هذا السياق، فالأولى في حجم السوق هي الصين – طبعا – ، وقد احتلت مصر المرتبة 135 في استقرار الاقتصاد الكلى وهو أمر غريب حقا لأن التقارير الدولية التي تصدر عن وكالات عالمية وعن كل من البنك وصندوق النقد الدوليين تؤكد كل يوم حدوث تطور كبير في الإصلاحات الاقتصادية الخاصة باستقرار الاقتصاد والمالية العامة إلى جانب الاستقرار النقدي ، صحيح أن التقرير يقيس عادة سنة سابقة على صدوره ، أي أن تقرير هذا العام 2019 ، يغطي الموقف في 2018 ، لكن تظل المسألة بحاجة إلى فحص وتفسير .
وكما لاحظ كثيرون وبلا شك فقد احتلت دول آسيوية مكانة متقدمة واضحة في التنافسية العالمية في السنوات الأخيرة ومن بين افضل الدول في الركائز الاثنتي عشرة نجد سنغافورة وكوريا وهونج كونج والصين ، فضلا عن اشتراك دول آسيوية مع دول أخرى في البند الذي يسمى « متعدد» أي الذي يتواجد في المركز الواحد به اكثر من دولة ، وقد يأتي وقت من الزمان نتحدث فيه عن نموذج الأعمال الآسيوي بعد أن ساد طويلا نموذج الأعمال الغربي أو الأمريكى تحديدا .
لا يلفت نظر الكثيرين في المنطقة العربية أن ثمة سوقا مهما من بين الأسواق التي يغطيها التقرير وهو سوق العمل وواقعيا وكمثال فقد حصلت مصر على المرتبة 126 في هذا المؤشر الفرعي وهي مرتبة متدنية ، ويشيع حصول دول عربية وغير عربية ، على درجات ضعيفة في هذا المؤشر لا أن العناية بتصويب وتطوير وإعادة هيكلة أسواق العمل في بلادنا لا يحظى بالقدر الكافي أبدا من الاهتمام ، ورغم أن مصر من أوائل دول المنطقة التي تصدر تقريرا دوريا عن مدى الالتزام بالعمل اللائق ، أي العمل المتوافق مع معايير منظمة العمل الدولية ، إلا أن التحسن في موقع مصر ضعيف في هذا المؤشر ، وهذا يبين انه توجد هوة بين الوعي بالمشكلة وبين فعالية الحلول المقدمة لها .
في أسواق العمل بمنطقتنا غياب ملحوظ للحماية الاجتماعية للعاملين من حيث التأمين الطبي والاجتماعي ووجود نسبة مرتفعة من العمالة بالقطاع الخاص تعمل خارج المنشآت أو بغير عقود أو لساعات عمل أطول ، ويظل الالتزام بمعيار العمل اللائق وشروطه (استقرار العمال – عمل متساو بأجر متساو دون تمييز بين رجل وامرأة – تأمينات – رعاية طبية – بيئة عمل مناسبة الخ ) مؤشر مهم ليس فحسب على تنافسية الدولة ولكن أيضا على تقدمها واستقرارها . وكما كان في أمر حجم السوق فإن أي دولة تحصل على درجات معينة لمجرد وجود وثيقة رؤية طويلة المدى -2030 مثلا – وفي اعتقادي أن « دافوس» لا يجب أن يقيس الأمر بمجرد وجود رؤية لدى هذا البلد او ذاك من عدمه وإنما بمدى شيوع تلك الرؤية في أوساط العاملين بالقطاعين الخاص والحكومي والالتزام بها ، وارتفاع وعي الشعب بوجودها ، وإلا فان الأمر سيظل شكليا .
. نفس الأمر يمكن أن يقال عما يسمى شفافية الموازنة ، ففي كثير من الحالات تكتفي الدولة – أي دولة – بإصدار ما يسمى بموازنة المواطن وهي مطوية صغيرة بها بعض مؤشرات وأرقام الموازنة ومخصصاتها الاجتماعية ، وبالتالي تحصل على مكانة في تقرير الموازنة المفتوحة العالمي من جهة ، وعلى مكانة في المؤشر الفرعي الخاص بذلك في تقرير التنافسية.
الطريف ان بعض الدول لا تصدر موازنة المواطن إلا بعد أن يكون قد تم إقرار الموازنة العامة من البرلمان ، أي انه لم يعد هناك مجال لأن يتم التعديل فيها بناء على رأي المواطن أو استجابة لما ترى السلطة المالية انه مقبول من الآراء التي استمعت إليها خلال ما يسمى بالحوار المجتمعي حول الموازنة. مرة أخرى إن من يفعل ذلك لا يخدع إلا نفسه.
في النهاية وفي خضم أرقام لا حصر لها في تقرير التنافسية انبه الى أن على المراقب أن يتوقف عند بعض المؤشرات مهما كانت مكانة بلده واهمها : استقلال القضاء ، وهو يقع ضمن ركيزة المؤسسات ، وسلامة البنوك ، ونمو الشركات المبتكرة ،وهو بالمناسبة موضوع مفرح بين أحزان عربية كثيرة فجيل الشباب العربي يحقق تقدما ملحوظا في هذا الجانب .
من المؤشرات التي وجب النظر إليها بعمق أيضا استجابة الحكومة للتغيير ، وضمان حقوق المساهمين وحقوق الملكية ورأس المال الاجتماعي ، وكفاءة الطاقة ، وجودة شبكة الطرق و« اشتراكات البرود باند» ومهارات الخريجين .