عطر: أرغان يعيش بيننا

رندة صادق –
randanw@hotmail.com –

في مسرحية «مريض الوهم» للكاتب الفرنسي الشهير «موليير» تظهر الشخوص تلعب أدوارها لتخدم الفكرة وتعزز براهينها، إنها عبارة عن ملهاة إنسانية تظهر لنا التناقضات وغرابة النفس البشرية وتفاعلها مع الأحداث المختلفة، وكيف تجد لنفسها مخرجا بغض النظر عن نتائج تصرفاتها التي غالبا لا تخضع لأي منطق، وعندما تقرأ المسرحية ستكتشف أهمية الفكرة ومقاربتها للحقائق.
في المسرحية شخصية أساسية هي شخصية «أرغان» التي تتميز بأنانية مريضة وبخل شديد، يريد «أرغان» أن يجبر ابنته «انجيليك» على الزواج من ابن طبيب جاهل ومدعي وهي لا تحبه، هذه الشخصية مركبة ومعقدة وبالتحديد مريضة بالوهم، لذا يرفض ان يزوج ابنته من حبيبها فتواجهه وتهدد باختيار الحب وهي التي عرفت روعته وغرقت بأحاسيسها حد التحدي،ب مقابل ذلك نجد زوجة الأب المرأة الخبيثة التي تظهر اهتماما كاذبا بزوجها طمعا منها بثروته، فيقرر حرمان ابنته من الميراث لصالح هذه الزوجة الشريرة، لأنها أرادت أن تعصي أمره ويقرّر أن يرسلها إلى أحد الأديرة، حينها يتدخل كل من أخيه وخادمه ويقنعاه بتصنّع الموت ليختبر عواطف كلا من زوجته وابنته نحوه، أمّا الزوجة فتظهر فرحتها في وقاحة، بينما الابنة تشعر بالحزن الشديد وتقرر التضحية بحبيبها احتراما لرغبة أبيها قبل وفاته، عند هذا وافق على زواجها شرط أن يصبح حبيبها طبيبا، هذا الوالد يصدق مرضه ويتناول الكثير من الأدوية فتتشعب الأحداث وتتقاطع القصص بحبكة درامية مدهشة.
كم «أرغان» يعيش بيننا؟ نحن أيضا قد نصبح «أرغان» لأن الإنسان المعاصر يعيش حياة مضطربة محفوفة بالمخاطر، نعيش مخاطر كثيرة وشديدة، ونواجه أمراضا غامضة وغريبة، إضافة إلى تفاقم القلق من الغيبيات ومن تطور المعرفة الذي جعل الإنسان البسيط ملما بكل الظواهر الطبيعية الخطيرة التي تهدد وجوده.
وهذا بالضبط ما يحدث لتلك الجارة التي لا تنفك تشكو وتأن وتتوهم العوارض لكل مرض تسمع عنه أو تصادفه، خاصة عندما تسمع أحدهم يصف ما يعانيه من آلام تجدها تشعر بهذه العوارض وتتملكها فكرة أنها مريضة بمرض خطير وأنها ستموت حتما، وهي في كل يوم تقريبا تزور طبيبا أو أخصائيا وتجري المزيد من الفحوصات، مثيرة الإرباك لعائلتها ولنفسها، هي لا تنام، قلقة دائما، وقد تصل حالتها إلى ما يسمى بالوسواس القهري.
الحقيقة لا يجب الغضب من هؤلاء الأشخاص، هم فعلا مرضى ويحتاجون إلى العلاج، علينا أن نتأكد انهم لا يدعون المرض بل تستوطنهم فكرة انهم مرضى ويعيشون كل تفاصيل المرض، بل غالبا لا يفكرون إلا بالموت ويتألمون ولا يستطيعون التمتع بالحياة كأي إنسان طبيعي، لديهم الكثير من المعوقات النفسية التي تشل قدراتهم التفاعلية مع محيطهم. من المهم أن ندرك انه لا يجب أن نحكم عليهم أو نستهزئ بهم كأشخاص يتصرفون بمبالغة وينهارون بسرعة.
الأمر يحتاج الدعم والتفهم من محيط المريض وخاصة من أهله أو من الشخص الذي يحبه ويعول عليه بالمساندة، أيضا من المهم أن يسيطر الأهل على غضبهم ويبثون روح الإيجابية بالمريض عن الطريق الإصغاء إليه ومتابعة حالته بعقلانية ومجاراته باعتدال، فإن عانى من مرض بسيط كالإنفلونزا مثلا هو يشعر انه يعاني من مرض خطير وان الموت يقترب منه، لذا على الأهل طمأنته دون إظهار الأهمية القصوى كي لا يتمادى في وهمه. في النهاية البشر محكومون بالمرض والمرض درجات ولا يمكن معاندة القدر، وفعلا الصحة تاج على رأس الأصحاء، اللهم أبعد المرض عن الجميع.