وتر: كما قال أبو ملالا

شريفة بنت علي التوبية –

لم أكن أعلم أن تربية النفس أصعب من تربية الولد بل يجب أن تسبق تربية الولد، حتى بدأت بتربية نفسي، رغم أن هذه مهمة أمي التي ما زالت حتى هذه اللحظة تطعمني محبّتها وفيض حنانها، رافضة التصديق أني كبرت، فألبستني ثوب فضيلتها، وعباءة أخلاقها، وألقمتني حكايات النساء المطيعات الطيبات، وكنت يوما بعد يوم أشبهها وأكاد أكون نسختها الثانية، لكن حينما أصبحت أمّاً وبدأت بتربية أولادي اكتشفت أن أصعب ما يمكنني فعله هو التربية، وأن المهمّة التي قامت بها أمّي لم تكن سهلة كما ظننت؛ لولا أني كنت طفلة سهلة الانقياد وأشبه بعجينة طرية قابلة للتشكيل في يدها. وها أنا أم مثلها، أضع نفسي مكانها، يسكنني صوتها الحنون، وهي تناديني: «أمي، أبوي»، أسير في دروب محبتها، فأجدني أمام تحديات كبيرة وكثيرة مع الحياة ونفسي وأولادي، فأولادي لا يشبهونني حينما كنت في مثل عمرهم، وأنا ما عدت أشبه أمي حينما أصبحت في مثل عمرها قبل سنوات، أقف ككائن غريب يواجه غربته بين غرباء لا يشبهون أمي، ولا يحبونني محبّتها، ولا يروني بعينها، لأبدأ المهمّة الصعبة في البحث عني، فكسرت قيودي وارتديت جناحي، ومع كل رفرفة وكل انكسار أكون فيه على وشك السقوط أصرخ ( أمي).
لذلك كنت أعيد اكتشاف نفسي مع كل موقف يواجهني، مع كل تجربة ناجحة أو فاشلة، حتى اكتشفت أني لست كائنا مثاليا على الإطلاق، ولن أصل لذلك المستوى حتى أترك الفرصة لأبنائي كي يكونوا شركاء معي في تربيتي وتربيتهم. ولست أسعى لأن يكونوا نسخا مكررة مني، لأن الأبناء كائنات مستقلة عن آبائهم، فقد نطعمهم خلاصة تجاربنا وقيمنا التي نؤمن بها، ولكنهم ليسوا مجبرين لأن يكونوا كما نشاء، فاحذر أن تعيرهم عينيك أو قلبك أو لسانك أو عقلك، أو طريقك، دعهم يكتشفوا الدرب، وهيئهم لأن يربّوا أنفسهم معك، واحرص أن تكون مربياً في مرحلتهم الأولى وصديقاً في المرحلة الثانية، كن قريباً منهم في اللحظة التي يحتاجون فيها إليك، واحرص على تربية نفسك قبل تربيتهم، لأنهم سيتبعون أثرك مهما أعطيتهم من الحرية باباً مشرعاً للحياة، ومنحتهم من الثقة جناحاً، فهم بحاجة لأن يروا فيك أباً يفخرون به، كما أنت بحاجة لأن ترى فيهم أبناء تفخر بهم، ولعل يوماً سيأتي تقول فيه كما قال أبو ملالا يوسف معرّفاً نفسه مزهواً فخوراً بابنته: «أنا أبو ملالا» قبل أن تقول ملالا: أنا ابنة أبي.